هناك أفلام تمنحك منذ دقائقها الأولى انطباعا واضحا بأنها تدرك تماما ما تريد تقديمه، وفيلم “المفترس الأقوى” (Apex) الذي عرضته منصة نتفليكس في نهاية أبريل/نيسان الماضي ينتمي إلى هذا النوع. فهو لا يسعى إلى بيع نفسه كعمل مبتكر أو كإعادة اختراع لأفلام المطاردة والنجاة، بل يراهن على الإيقاع السريع والتوتر المتصاعد والحضور البصري المباشر.
الخطر في هذا العمل لا يتجسد فقط في المطاردة أو العنف الجسدي، بل يتسلل أيضا عبر شعور ثقيل بالعزلة والضغط النفسي، حيث تبدو الشخصيات وكأنها محاصرة بالمكان وبذاتها في آن واحد. وبينما يظهر الفيلم في سطحه كمطاردة ممتدة، فإنه يطرح سؤالا أكثر عمقا: ماذا يحدث للإنسان عندما تنهار القوانين ولا يبقى سوى منطق البقاء؟ ورغم أن الفكرة ليست جديدة في السينما، فإن السؤال يبقى: هل استطاع الفيلم أن يضيف رؤية مختلفة أم أنه أعاد تدوير المألوف؟
تبدأ القصة على جدار ترول في النرويج، أحد أكثر الجدران الصخرية خطورة في أوروبا، حيث يتسلق الزوجان ساشا (تشارليز ثيرون) وتومي (إيريك بانا) في رحلة تنتهي بكارثة بعد عاصفة مفاجئة وانهيار جليدي يؤدي إلى وفاة تومي، تاركا ساشا في مواجهة مباشرة مع الحزن والذنب.
بعد أشهر من العزلة، تقرر ساشا الهروب من آثار الصدمة عبر العودة إلى الطبيعة، فتتوجه إلى البرية الأسترالية بحثا عن توازن نفسي مفقود. لكن الرحلة التي بدأت كعلاج ذاتي سرعان ما تتحول إلى مطاردة مرعبة حين تجد نفسها في مواجهة شاب مضطرب يرى القتل كجزء من لعبة بقاء قاسية.
منذ لحظاته الأولى، نجح الفيلم في تحقيق انتشار واسع، إذ تصدر قوائم المشاهدة في عشرات الدول خلال أيام قليلة، مستفيدا من حضور تشارليز ثيرون وطابعه النفسي المشحون بالإثارة. كما ساهمت مقاطع متداولة من مشاهد تجمع تارون إيغرتون في الغابة في زيادة شعبيته على منصات التواصل، ما انعكس على نسب المشاهدة بشكل واضح.
لكن هذا الانتشار لم ينعكس على إجماع نقدي، إذ تباينت الآراء بين من أشاد بإيقاعه السريع وأجوائه المتوترة، ومن رأى أن السيناريو لم يمنح شخصياته عمقا كافيا. ومع ذلك، يظل أبرز عناصر قوة الفيلم هو قدرة المخرج بالتاسار كورماكور على تحويل الطبيعة إلى تهديد حي، لا مجرد خلفية بصرية، حيث تصبح الجبال والأنهار والغابات جزءا من منظومة الخطر التي تطارد الشخصيات.
كورماكور، المعروف بأعماله التي تضع الإنسان في مواجهة الطبيعة مثل “إيفرست” و”بلا وجهة” و”وحش”، يواصل هنا تطوير هذا الخط بأسلوب أكثر قسوة، مستفيدا من التصوير في مواقع حقيقية وعرة يمنح الفيلم واقعية بصرية لافتة. وتوظف الكاميرا لقطات واسعة لإبراز هشاشة الإنسان أمام الطبيعة، مقابل لقطات قريبة مضطربة تعكس الفوضى النفسية خلال لحظات المطاردة.
كما تلعب الموسيقى التصويرية دورا مهما في تعزيز التوتر، خاصة في مشاهد ظهور شخصية بن/إيغرتون، حيث تبدو وكأنها امتداد مباشر للحالة النفسية المضطربة.
على مستوى الأداء، تقدم تشارليز ثيرون شخصية تعتمد على الإنهاك النفسي أكثر من الانفعال المباشر، وتنجح في منحها ثقلا إنسانيا عبر تفاصيل جسدية دقيقة مثل الحركة والتنفس ونظرات التردد. ورغم أن وجودها قد يخفف من عنصر المفاجأة، فإن كاريزما أدائها تمنح الفيلم توازنا واضحا في مشاهد المواجهة.
في المقابل، يقدم تارون إيغرتون مفاجأة لافتة بأداء مضطرب وغير متوقع، إذ يجسد شخصية تتأرجح بين العنف والهدوء، وبين المزاح والتهديد، بطريقة تجعلها أقرب إلى فوضى بشرية غير قابلة للتصنيف، ما يزيد من عنصر القلق النفسي في الفيلم.
ورغم هذا الزخم، يعاني “المفترس الأقوى” من ثغرات واضحة في البناء السردي، إذ تبدو بعض التحولات الدرامية متوقعة أو مصممة فقط لخدمة استمرار المطاردة، دون منطق داخلي متماسك، كما تظل خلفية بعض الشخصيات، خصوصا شخصية بن، غامضة إلى حد يترك فراغا بدلا من أن يضيف عمقا.
كما يواجه الفيلم ظل مقارنات واضحة مع أعمال سابقة في سينما البقاء، مثل “127 ساعة” و”بحيرة عدن”، حيث يبدو أحيانا أقل عمقا من تلك الأعمال وأكثر ميلا إلى الطابع التجاري السريع.
ورغم هذه الملاحظات، يظل الفيلم تجربة مشاهدة مشوقة لمن يبحث عن إثارة متواصلة داخل بيئات قاسية، حيث تصبح النجاة اختبارا مرهقا أكثر من كونها نهاية سعيدة أو انتصارا واضحا. ومع ذلك، لا يعد الفيلم مناسبا للمشاهدة العائلية بسبب محتواه العنيف وأجوائه النفسية الثقيلة، ما يجعله موجها بالأساس للجمهور البالغ.
سينفيليا

