الرئيسيةأعمدةالكرسي الأحمر: حين يصبح “المطرود من رحمة الله” عنوانًا للجدل… هل تغير الفن أم تغير الجمهور؟

الكرسي الأحمر: حين يصبح “المطرود من رحمة الله” عنوانًا للجدل… هل تغير الفن أم تغير الجمهور؟

الكرسي الأحمر

إذا ما وُضع الفيلم ضمن مسار هشام العسري، بدا واضحًا أن السينما هنا لا تُفصل عن خلفية تميل إلى الأدب، حيث تتقاطع الصورة مع روح تجريبية قريبة مما عرفته الكتابات الحديثة، في سعيها إلى تجاوز الأشكال الجاهزة، والدخول في مغامرة مفتوحة على الاحتمال بقدر ما هي مفتوحة على الجدل.
وهو ما يجعل كتاباته السينمائية تميل، كما هو الحال في التجريب الأدبي، إلى كسر الأشكال التقليدية واستكشاف صيغ تعبيرية جديدة، بما لها وما عليها.

أما حين نضع الفيلم داخل لحظته الزمنية، حيث تتحكم الخوارزميات في مسارات التلقي وتعيد تشكيل الذوق العام، فإن الأمر لا يتعلق بعمل فني فقط، بل بسياق كامل يدعونا إلى التوقف والتأمل، بدل الانخراط في أحكام سريعة.
ومن هذا المنطلق، سنطلّ من “كرسينا الأحمر” قبل أن تضيء شاشة العرض، على ساحة صاخبة  لمناقشة الجدل الذي رافق الفيلم حتى قبل وصوله إلى القاعات السينمائية.

تُحيل عبارة المطرود من رحمة الله، في سياقها الدلالي، إلى ما هو أبعد من مجرد وصف عابر، إذ تقترب من صيغة حكم نهائي يحمل في طياته معنى الإقصاء المطلق، بما يوحي بقرار لا رجعة فيه ولا مجال لمراجعته.

ومن هنا تحديدًا يتشكل أول خيط في الجدل:
إذا كان هذا التعبير، في مرجعيته الدينية، يرتبط بحكم ذي طبيعة قطعية، فإن نقله إلى المجال الفني يطرح سؤالًا ضمنيًا حول حدود هذا التوظيف.

ليس من باب الحسم، بل من باب التأمل:
من يملك سلطة إطلاق مثل هذه الأحكام حين تتحول من سياقها العقدي إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل؟

نحن أمام عبارة تبدو في ظاهرها مختصرة، لكنها تحمل معنى أقرب إلى الحكم النهائي، بما تثيره من أسئلة عميقة تمسّ جذور حمولة دينية لا تقف عند حدود الدلالة اللغوية.

ففي المرجعية الإسلامية، يرتبط مفهوم الطرد من رحمة الله بصيغة قطعية مخصوصة بسياقها العقدي، حيث يُحيل في الذاكرة الدينية إلى حكم إلهي ورد في حق الشيطان، بينما تظل بقية التصورات محكومة بفكرة رحمة إلهية واسعة، كما ورد في النصوص الدينية التي تؤكد أن الرحمة “وسعت كل شيء”.

إن حساسية هذا السؤال ترتبط أساسًا بتوظيف عبارة ذات حمولة دينية في سياق فني مفتوح على تعدد التأويلات، خاصة عندما يتعلق الأمر بنوع تجريبي يراهن بطبيعته على كسر الحدود التقليدية في التلقي.

فهل نكتفي بقراءتها في بعدها الرمزي الفني، أم نفتح النقاش حول ما قد تثيره من لبس دلالي؟
ومن هنا تتسع دائرة الإشكال، لتتحول إلى جدلية تتوالد فيها الأسئلة، بحيث لا تقود الأجوبة إلى حسم، بقدر ما تعيد إنتاج أسئلة أخرى.

وفي هذا السياق، يصبح الطرح مرتبطًا بسؤال أساسي: ما حدود التلقي؟
هل يُفهم التعبير باعتباره مجازًا فنيًا قابلاً للتأويل داخل منطق العمل، وبالتالي يُتقبّل في الفضاء العام؟ أم أنه يُحيل بشكل تلقائي إلى مرجعيته الأصلية، بما تحمله من ثقل ديني ومعنوي يتجاوز العمل الفني نفسه، ليطغى على المنتج وعلى المتلقي في آن واحد؟

بين هذين الاحتمالين، نأخذ مكاننا على “الكرسي الأحمر”، بهدوء أكبر وتركيز أعمق، لأن مساحة الجدل لا تتقلص، بل تتسع شيئًا فشيئًا، فيما يتحول العنوان إلى صدمة أولى خلقت تقاطعًا حادًا بين قراءتين مختلفتين للعالم.

هل نحن أمام توتر ناتج عن الحمولة الدلالية للعنوان وعلاقتها بجمالية التجريب، أم أننا بإزاء منطق آخر تفرضه الخوارزميات في سياقنا الرقمي الراهن؟

لا يمكن فصل هذا النقاش عن واقع تحكمه منظومة رقمية باتت قادرة على توجيه الرأي العام، بل وإعادة تشكيله أحيانًا، بشكل مباشر أو غير مباشر. فقد أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي، بما تروّجه من محتوى سريع الاستهلاك، في إنتاج آليات خوارزمية لا تعطي الأولوية دائمًا لجودة المضمون بقدر ما تميل، بطبيعتها، إلى ما هو صادم، غير مألوف، أو قابل لإنتاج الجدل.

ومن هنا يتفرع سؤال آخر أكثر تعقيدًا، فرضته جدلية العنوان نفسه:
هل نحن أمام اختيار فني وجمالي خالص، أم أن الأمر لا يخلو من حسابات مرتبطة بإمكانات الانتشار، حيث تتحول الصدمة إلى عنصر مركزي في صناعة الحضور الفني؟

وبهذا ستتوالد الأسئلة تلو الأخرى وكلها  لا تقل إلحاحًا:
أين تنتهي الجمالية، وأين يبدأ منطق الترويج؟
وهل يظل التفكير في المعنى في صدارة التجربة الفنية، أم يتراجع أمام شروط الظهور في فضاء رقمي لا يعترف إلا بما يلفت الانتباه أولًا؟

يبدو أن مقالنا قد انحاز، منذ بدايته، إلى منطق الأسئلة التي فرضها جدل عنوان المطرود من رحمة الله، وهي أسئلة متداخلة لا تقف عند حدودها الأولى، بل يحيل بعضها إلى بعض، في مسار يزداد عمقًا وتوليدًا للتساؤل.

وسط هذا التراكم من الإشكالات، يمكن القول إن هذا الجدل يظل مفتوحًا على قراءات متعددة، تتقاطع فيه الجمالية الفنية مع ثقل المرجعيات الثقافية والدينية، ومع سياق رقمي متحول يعيد، بشكل مستمر، تشكيل طرق التلقي، أحيانًا بمعزل عن إرادة المنتج أو المتلقي.

في هذا السياق، ينقسم التلقي بين قراءة ترى في العنوان امتدادًا لتجريب سينمائي يغامر باللغة ويختبر حدودها، وأخرى تعتبره انزياحًا مرتبطًا بمنطق الصدمة الذي باتت تفرضه الخوارزميات داخل الفضاء الرقمي.

وبين هذين التصورين، تتسع مساحة التأويل أكثر فأكثر، فيما يتراجع اليقين لصالح قراءة أكثر تمهلًا وتفكيرًا.

ومن هنا، يبدو من الحكمة ألا نسعى إلى إصدار حكم نهائي، ونحن ما زلنا في مواجهة عمل لم يُفتح بعد بالكامل على شاشة العرض. ومع ذلك، لا نختم هذا المقال إلا بسؤال نراه أكثر عمقًا وأثرًا:
كيف يمكن للفن أن يوازن بين حرية التجريب، وحساسية المعنى، وشروط زمن رقمي لا يمنح الانتباه إلا لما يثير الانتباه؟

الدكتورة نزهة الماموني

الدكتورة نزهة الماموني
الدكتورة نزهة الماموني ناقدة سينمائية

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *