الرئيسيةالسينما العربيةمخرج “آخر المعجزات”: اقتباس نجيب محفوظ لا يعني الالتزام الحرفي بالنص

مخرج “آخر المعجزات”: اقتباس نجيب محفوظ لا يعني الالتزام الحرفي بالنص

آخر المعجزات

أكد المخرج المصري عبد الوهاب شوقي أن فيلمه “آخر المعجزات” لا يقتصر على تقديم معالجة سينمائية لقصة “معجزة” للأديب الراحل نجيب محفوظ، بل يسعى إلى إعادة قراءتها برؤية معاصرة تفتح المجال أمام تساؤلات متعددة حول الإيمان والشك، والواقع والوهم، والقدر والاختيار، دون فرض إجابة نهائية على المتلقي.

ويواصل الفيلم، الذي بدأ رحلته من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، حضوره في المحافل السينمائية العالمية، بعدما حصد ثلاث جوائز دولية ووصل إلى مهرجان روتردام، في تجربة يراها شوقي امتدادا لحوار مفتوح بين العمل الفني والجمهور.

وأوضح شوقي أن اختياره لقصة “معجزة” لتكون أولى تجاربه الروائية الطويلة جاء انطلاقا من إيمانه بأهمية العودة إلى الأدب الكلاسيكي، في ظل ما وصفه بأزمة تعيشها الكتابة السينمائية والأدبية المعاصرة. وأشار إلى أن فكرة اقتباس العمل جاءت من شريكه في الكتابة والإنتاج مارك لطفي، مؤكدا أن إعادة قراءته للنص جعلته يشعر بمدى ارتباطه بالأسئلة والهواجس التي تشغله شخصيا.

وأضاف أن ما يميز القصة هو قدرتها على طرح قضايا إنسانية تتجاوز حدود الزمن، إذ رأى أنها تعكس ليس فقط أجواء ما بعد نكسة عام 1967، وإنما أيضا تداعيات مرحلة ما بعد الربيع العربي، حيث اصطدمت الأحلام الكبيرة بواقع محدود الإمكانات، مما أنتج مشاعر الإحباط والانكسار.

وفي حديثه عن عملية الاقتباس، شدد المخرج على أنه ينتمي إلى المدرسة التي تؤمن بالالتزام بروح النص الأدبي لا بحرفيته، موضحا أن تحويل العمل الأدبي إلى فيلم يتطلب إعادة صياغة كاملة تتناسب مع اللغة السينمائية. وأكد أنه أجرى تعديلات على بعض الشخصيات والأماكن والخطوط الدرامية، مع الحفاظ على جوهر القصة ورسالتها الأساسية.

وكشف شوقي أن التحدي الأكبر الذي واجهه تمثل في تحويل نص يعتمد بشكل كبير على التأملات الداخلية إلى عمل بصري قادر على التعبير عن الأفكار والمشاعر دون الاعتماد على السرد التقليدي أو المونولوج الداخلي. ولهذا، اعتمد على عناصر الصورة والصمت والإيقاع وحركة الممثلين وتكوين الكادر، مشيرا إلى أن تطوير السيناريو استغرق نحو عامين للوصول إلى الصيغة النهائية.

وأشار إلى أن إحدى الجمل التي ألهمته في البداية لصناعة الفيلم اختفت تماما من النسخ النهائية للسيناريو، بعدما فضل ترجمة معناها بصريا بدلا من إعادة إنتاجها لفظيا، في إطار سعيه إلى بناء لغة سينمائية مستقلة عن النص الأصلي.

وعن سبب اختيار عنوان “آخر المعجزات”، أوضح شوقي أن المشروع حمل في بداياته عنوان “قاب قوسين أو أدنى”، قبل أن يستقر على الاسم الحالي، معتبرا أن العنوان الجديد أكثر قدرة على التعبير عن طبيعة الفيلم، كما أنه يضيف طبقة جديدة من الغموض والتأويل دون الكشف عن مفاتيح النهاية.

وأكد المخرج أن الفيلم لا ينتمي إلى الواقعية السحرية بالمعنى التقليدي، رغم أن بعض مشاهده قد توحي بذلك، مشيرا إلى أن الأحداث تُروى من منظور البطل وحالته النفسية، وأنه حرص على استخدام إشارات بصرية وسمعية تزرع الشك لدى المشاهد وتمنعه من التسليم بحقيقة واحدة.

وفي ما يتعلق بالقضايا الفكرية التي يطرحها العمل، أوضح شوقي أنه لم يسع إلى الدفاع عن موقف محدد أو فرض رؤية بعينها بشأن الإيمان والشك أو العلاقة بين المقدس والدنيوي، بل أراد أن يترك المجال مفتوحا أمام الجمهور لتقديم قراءاته وتأويلاته الخاصة، معتبرا أن نجاح الفيلم يقاس بقدرته على إثارة النقاش لا تقديم الإجابات.

وحول اختياراته الفنية، أشار إلى أن خبرته الطويلة كمساعد مخرج لأكثر من عقد من الزمن جعلت تعاونه مع الممثلين المحترفين خيارا طبيعيا، لافتا إلى أن اختياره للممثل خالد كمال جاء عن قناعة كاملة بقدرته على تجسيد الشخصية الرئيسية، فيما استعان بالمونتير ياسر عزمي للاستفادة من خبرته في السينما المستقلة.

وكشف شوقي أن التصور البصري للفيلم بدأ بالتشكل منذ مرحلة كتابة السيناريو، حيث عمل على تطوير رؤيته مع مدير التصوير عمر أبو دومة على مدى عامين، معتمدا على توظيف الألوان والإضاءة، خصوصا ثنائية الأحمر والأخضر، للتعبير عن الاضطرابات النفسية التي يعيشها البطل.

كما أوضح أن البحث عن مواقع التصوير استغرق فترة طويلة، خاصة في مناطق جبانات القاهرة، بهدف العثور على فضاءات بصرية تتماشى مع عالم الفيلم، مشيدا بالتعاون مع مهندس الديكور عاصم علي الذي ساهم في تحويل الأفكار المجردة إلى فضاءات تخدم البنية الدرامية والبصرية للعمل.

وعن استقبال الفيلم، أكد عبد الوهاب شوقي أن ردود أفعال الجمهور تجاوزت توقعاته منذ العرض الأول في مهرجان القاهرة السينمائي، مشيرا إلى أن النقاشات والقراءات المختلفة التي أثارها العمل تمثل بالنسبة إليه أهم إنجازاته، إلى جانب مشاركاته الدولية والجوائز التي حصل عليها.

وفي ختام حديثه، أوضح شوقي أنه يرى في الأدب الكلاسيكي مصدرا أساسيا للإلهام، لكنه لا ينوي حصر مشاريعه المستقبلية في الأعمال المقتبسة، مشيرا إلى أن فيلمه الروائي المقبل “يونس في بلاد الشوق” من تأليفه، إلى جانب مشاريع أخرى مستوحاة من أعمال أدبية، بعضها يعود أيضا إلى عالم نجيب محفوظ.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *