الرئيسيةمتابعات سينمائية“لونانا” ، “الحدود” و “قرود” ، قراءة في عروض مهرجان القاهرة السينمائي

“لونانا” ، “الحدود” و “قرود” ، قراءة في عروض مهرجان القاهرة السينمائي

“لونانا” قصيدة في صفاء الروح الإنسانية
عرض يوم أمس ضمن أفلام المسابقة الرسمية للدورة الواحدة والأربعون لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي فيلم “لونانا نور داخل الفصل” وهو الفيلم الروائي الطويل للمخرج البوتاني باوتشوينينغ دوجي ، والذي يقدم فيه حالة إنسانية شديدة الشجن والعمق ، فرغم أن الفيلم ذو سرد بسيط وحكاية شبه عادية إلا أن المخرج استطاع النفاذ لعمق الإنساني الذي يجعل من المعاني والقصص العادية عملا فنيا متميزا، إذ ومن خلال قصة مُدرِّس شاب نعلم في بداية الفيلم أنه يحب مهنته ويتوق للهجرة إلى أستراليا ليحقق هناك موهبته كمغني، لكنه لايستطيع ذلك قبل انتهاء العقد التي يربطه بالدولة والذي لن ينتهي إلا بعد سنة أخرى من العمل ، ليتم بعثه بعد ما أبداه من تذمر لأبعد نقطة في البلاد بجبال الهمالايا حيث لا تتوفر أبسط متطلبات العيش الكريم ، وحيث الناس بالمقابل مكتفون بما لديهم من أبسط وسائل العيش، لكننا نجدهم مع وصول المُدرِّس الشاب مُصِرِّين أطفالا وآباء على ضرورة وجود مُعلم يدرس لهم، ومع الحفاوة التي سيُستقبل بها المُدرس في قرية “لونانا” النائية تأخذ نظرته لعمله في التَّبَدُّل والتَّغَيُّر ليجد نفسه مُنغمسا بحماس ظاهر للعيان وبحب شغوف في هذا المجتمع الصَّغير الذي مازال محافظا على عذريته وإنسانيته التي لم تقتلها بعد المدنية التي زاغت عن طريقها والعولمة المتوحشة والماحية للهويات.
فيلم “لونانا، ثور داخل القسم” غَنِيّ بصريا، وقد ساعد على كونه ذلك طبيعة المنطقة الجبلية التي صُوِّر بها، وهذا يتماشا مع طبيعة الفيلم الذي لا توجد به صراعات ولا تَوتُّرات ولا يريد منه مخرجه سوى نقل حالات إنسانية سامية للمشاهد .

 

“الحدود” حينما تغلق وتستحيل الحياة
الفيلم الثاني الذي عرض أمس ضمن المسابقة الرسمية هو “الحدود” للمخرج الكولومبي دافيد دافيد، وهو فيلمه الروائي الطويل الأول بعد إخراجه لستة أفلام قصيرة.
وتدور أحداث الفيلم في المنطقة الحدودية بين كولومبيا وفينيزويلا أثناء أزمة ديبلوماسية بين البلدين تغلق على إثرها الحدود، وتضطر أسرة مكونة من زوج وزوجة وأخيها للسطو على العابرين من المنطقة نظرا لوضعهم المادي السيء، وفي إحدى المرَّات يُقتل الزوج والأخ لتظل المرأة الشابة الحاملة وحيدة قبل أن يلتحق بها رجل مجروح ومطارد من حرس الحدود وامرأة ثرثارة لكن طيبة القلب. وقد استطاع المخرج أن يقدم من خلال هذه الحكاية التي تتخللها من البداية وحتى النهاية نشرات أخبار تأتينا من خلال جهاز راديو مهترئ نتابع فيها تطورات العلاقة المتوترة بين البلدين الجارين كولومبيا وفينيزويلا، نقدا لاذعا وبأسلوب فني متميز للوضع الاقتصادي والسياسي المتردِّي في المنطقة والذي يدفع ثمنه مهمَّشون ينتمون لطبقات كادحة ولا يعلم بعضهم حتى سبب مايجري ولا مُسببات وضعهم ذاك.

 

“مونوس” قرود أدغال متوحشة
وضمن العروض الخاصة خارج المسابقة الرسمية عرض فيلم “مونوس” أو “قرود” الذي نتابع فيه كموندو عسكري مكون من مراهقين ذكور وإناث ينتمي لتنظيم محظور معارض للنظام الحاكم ويقوم باختطافات سياسية يفاوض عليها من أجل مطالب سياسية، وكيف يتحول بالتدريج أفراد الكوموندو من شخوص ملتزمة بالنظام العسكري وكخادمين ل”قضية” وغير متجاوزين في التعامل الانساني حتى مع المرأة المختطفة التي يعاملونها بشكل إنساني مقبول، إلى فرقة للمرتزقة يقومون باعتراض طريق العابرين من الأدغال التي يرابطون فيها، ومع مرور الوقت نشاهد التفكك الذي يحصل بين هؤلاء الشباب وكيف أن ذلك النظام الصارم هو الذي كان يُخفِي من تناقضاتهم التي ستفجِّر وحدتهم وتدمر إلاتزامهم.
وكأغلب الأفلام الآتية من أمريكا اللاتينية مؤخرا نجد بالفيلم تناولا فنيا مغايرا لِما كان سيصبح مجرد استعراض لمغامرات واشتباكات في فيلم أمريكي تجاري عادي، ورغم أن الفيلم قد يكون موجها للجمهور الواسع إلا أن مخرجه حافظ على ما جعله يصبح فيلما مغايرا، فالشخوص مكتوبة بعناية ولكل منها طبيعته التي تتبدَّا بالتدريج ومع مرور زمن الفيلم، أما الأحداث فتتطور بشكل درامي يتسم بالمنطقية وعدم التسرع أو لي عنق الحكي.

 

عبد الكريم واكريم-القاهرة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *