الرئيسيةأعمدةالكرسي الأحمر: حين تصبح الصورة ذاكرة…تأملات في فيلم “المرآة“

الكرسي الأحمر: حين تصبح الصورة ذاكرة…تأملات في فيلم “المرآة“

الكرسي الأحمر

في صالة مظلمة، حيث يتلاشى الضجيج الخارجي، لا تبدأ السينما بالحكاية، بل بنظرة. نظرة أولى تُلقى على الشاشة، كأنها وعد خفي بين الصورة والمتفرج: أن ما سيُرى لن يكون مجرد سرد، بل تجربة.

اعتدنا طويلًا أن نُعرّف الفيلم من خلال قصته، وأن نقيس قيمته بمدى إحكام حبكته أو قوة شخصياته. لكن الجلوس على “الكرسي الأحمر” يكشف شيئًا آخر: أن السينما، في جوهرها، ليست ما يُحكى فقط، بل ما يُرى ويُحس. هناك لحظات في الفيلم لا يمكن اختزالها في كلمات.  لقطة صامتة، ضوء يتسلل من نافذة، حركة كاميرا بطيئة، أو حتى فراغ ممتد بين حدثين… هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي قلب التجربة السينمائية. هنا تتحول المشاهدة من فعل استهلاك إلى فعل تأمل. لم نعد نتابع فقط ما سيحدث، بل كيف يحدث. كيف تُبنى الصورة؟ كيف يُصاغ الزمن؟ وكيف يُدفع المتفرج ليشعر قبل أن يفهم؟

نتفاجأ في فيلم Mirror  بأن السينما توقفت فجأة عن الحكي، وقدّمت لنا مرآة نقرأها بدل أن نشاهدها. هناك أفلام تُروى، وأخرى تُفسَّر، لكن “المرآة” يشبه حلمًا قديمًا يطفو على سطح الوعي ثم يختفي قبل أن نمسك به كاملًا. نعيش داخله حياةً بكل تناقضاتها وانفعالاتها؛ حياةً لا تُفسَّر، ولا تُحلَّل، ولا تُناقَش، وربما لا تُروى أصلًا.

لا يقدّم Andrei Tarkovsky قصة بالمعنى التقليدي، بل يفتح بابًا خفيًا داخل الذاكرة الإنسانية؛ بابًا تدخل منه الطفولة، والأم، والخوف، والحرب، والصمت، مختلطةً كما تختلط الذكريات داخل العقل.

في هذا الفيلم، لا تتحرك الصورة لتشرح أو تُشَوِّق أو تتسارع، بل لتستعيد. ولهذا يبدو المشاهد أحيانًا كأنه لا يشاهد فيلمًا، بل يعيش ذكرى ليست له بالكامل.

صدر Mirror سنة 1975، وكان أكثر أفلامAndrei Tarkovsky  ذاتيةً وخصوصية، حتى بدا أحيانًا كأنه يكتب سيرته بالكاميرا بدل الكلمات، حيث يختلط على المشاهد التمييز بين الفيلم والسيرة الذاتية لصانعه، وسط تدفقٍ متواصل من اللقطات والمشاعر الإنسانية التي تعبّر عنها حركة الكاميرا أكثر مما تعبّر عنها الحوارات.

فيلم المرآة لأندريه تاركوفسكي
فيلم المرآة لأندريه تاركوفسكي

لم يكن الفيلم معنيًا ببناء حبكة متماسكة بقدر ما كان منشغلًا بإعادة تشكيل الذاكرة نفسها؛ تلك الذاكرة التي لا تستعيد الماضي بترتيب منطقي، بل عبر صور متناثرة، وأصوات بعيدة، ووجوه تظهر ثم تختفي، وأحاسيس يصعب الإمساك بها.

وفي الفيلم شطحات بصرية وتأملية متعددة، تسرح بفكر المتفرج بين مراحل متداخلة وشخصيات عديدة، لكل منها رمزيتها وارتباطها العاطفي، وكأن الكاميرا هنا لا تنقل الأحداث، بل تترجم المشاعر التي تعجز الكلمات عن قولها.

لهذا يتنقل الفيلم بين الطفولة، والحرب، والأم، والبيت، والغياب، دون إشارات حاسمة تفصل بين الحلم والواقع، وكأن الزمن داخله لا يسير إلى الأمام، بل يدور داخل الإنسان.

تحولت الصورة في Mirror  من كونها وسيلة لشرح الحدث إلى الحدث نفسه. إذ يتعامل Andrei Tarkovsky مع الصورة ككائن حي يحمل إحساسًا كاملًا. فالمطر في الفيلم ليس مجرد مطر، والنار لا تبدو عنصرًا بصريًا عابرًا، وحتى الريح التي تمر بين الأشجار تبدو وكأنها ذاكرة تتحرك داخل المكان.

وهكذا يتجاوز تاركوفسكي التعامل الروتيني مع الصورة باعتبارها أداة لشرح الأحداث. فالكاميرا عنده تتحول إلى مرآة ناصعة، أو إلى مكبّر للملامح والمشاعر، تتأمل الأشياء مع المشاهد بدل أن تكتفي بعرضها. ومن خلال هذا التأمل البطيء يسترسل الفيلم عبر سلسلة تراكمية من الأحاسيس، بطريقة تُخرجه تمامًا من السرد الحكائي التقليدي.

إنه الإحساس ذاته الذي نشعر به حين نتذكر حياتنا بعد سنوات؛ فنحن لا نستعيد الوقائع بدقة، بل نتذكر ضوءًا عابرًا عبر نافذة، أو صوت ماء بعيد، أو نظرة أم، أو لحظة صمت غامضة لا نعرف لماذا بقيت معنا حتى الآن.

بهذا المعنى، يحوّل “المرآة” الصورة السينمائية من أداة سرد نمطية إلى خزان متدفق من الحنين والغياب والزمن. وكأن تاركوفسكي لا يريد من المتفرج أن يفهم الفيلم بالكامل، بل أن يشعر به كما يشعر الإنسان بذكرى قديمة تعود فجأة دون استئذان.

تحولت الأم داخلMirror   إلى أمومة مجردة من التوصيف والتحديد، أو حتى من الانتساب لطفل دون آخر. إنها أمومة تعيش عبر لقطات متناثرة داخل الشخصيات جميعها، وتفرض حضورها العاطفي بصمتٍ عميق يجعل كل مشاهد يستدعي صورته الخاصة عن الأم والبيت والطفولة.

لهذا تبدو الأم في الفيلم أكثر من مجرد شخصية داخل الأحداث؛ إنها المركز العاطفي الذي تدور حوله ذاكرة الفيلم بأكملها. تظهر أحيانًا هادئة وغامضة، وأحيانًا مثقلة بالقلق والتعب، لكن حضورها يظل ممتدًا في كل زاوية من زوايا العمل، حتى عندما تغيب عن الشاشة.

ولا يصورها Andrei Tarkovsky بوصفها أمًا مثالية بالمعنى التقليدي، بل ككائن إنساني هش، يحمل خوفه ووحدته وحنانه في الوقت نفسه. لذلك تبدو علاقتها بالطفل، وبالبيت، وبالزمن نفسه، علاقة مشبعة بحنينٍ ممزوج بالألم، وكأن الذاكرة لا تستطيع استعادة الأم إلا وهي محاطة بإحساس الفقد.

الأم عند تاركوفسكي لا تظهر عبر حوارات طويلة تخدم الحبكة السردية، ولا من خلال مواقف درامية مباشرة، بل يستحضرها الفيلم عبر تفاصيل صغيرة: نظرة صامتة، حركة شعر تحت الريح، انتظار طويل، أو وجه يتأمل الفراغ. هنا تصبح الأم صورةً للزمن الشخصي الذي نحمله داخلنا، لذلك يشعر المشاهد أن أم “المرآة” ليست أم تاركوفسكي وحده، بل صورة مكثفة لفكرة الأمومة كما تسكن ذاكرة الإنسان.

وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلت الفيلم يترك أثره العاطفي العميق؛ لأنه لم يعد مجرد فيلم يروي أحداثًا، بل صوتًا داخليًا يحاور ذاكرة المشاهد، ويوقظ بداخله مشاعر وذكريات لم يعشها الفيلم حرفيًا، لكنه استدعاها بطريقة غامضة وحميمية.

قد تكون هذه الطريقة المختلفة في سرد الحكاية هي ما جعل Mirror   يستعصي على المشاهدة التقليدية التي اعتادها مرتادو دور السينما. فهو فيلم يجعل المشاهد يغادر الشاشة دون أن يحمل قصة واضحة تُروى، أو نهاية حزينة أو متفائلة بالمعنى المعتاد. لا شيء من هذا القبيل.

إنه فيلم يجعل المشاهد يشعر وكأنه امتطى آلة زمن تعبر أزمنة متعددة ومتداخلة، حيث تختلط الطفولة بالحرب، والحلم بالواقع، والذاكرة بالحاضر. والأجمل أن كل مشاهد يُسقط هذه الرحلة على ذاكرته الخاصة، فيعيش الفيلم بطريقته الشخصية، ثم يعود دون أن يفهم تمامًا ما الذي تغير فيه بالضبط.

كأن “المرآة” ليس فيلمًا بقدر ما هو امتحان داخلي، تظل أسئلته معلقة في الروح، بينما تأتي إجاباته على شكل صدى بعيد.

لقد جعل Andrei Tarkovsky من السينما شيئًا يشبه الحلم، أو ذكرى بعيدة لا نعرف إن كانت حدثت فعلًا أم أننا فقط شعرنا بها يومًا ما.

ولهذا لا يبدو “المرآة” فيلمًا يُشاهَد مرة واحدة، بل ذكرى تظل تعود كلما حاولنا نسيانها.

الدكتورة نزهة الماموني
الدكتورة نزهة الماموني ناقدة سينمائية

الدكتورة نزهة الماموني

ناقدة سينمائية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *