بعد النجاح التاريخي الذي حققه فيلم “أوبنهايمر” وتتويجه بجائزتي أوسكار لأفضل فيلم وأفضل مخرج، يعود كريستوفر نولان بفيلم “The Odyssey”، الذي يعد أضخم مشاريعه السينمائية حتى الآن، مقدما معالجة جديدة لملحمة هوميروس الشهيرة تجمع بين الطموح البصري والواقعية، لكنها تترك في النهاية شعورا بأن شيئا ما ظل غائبا عن التجربة.
ويخوض نولان مغامرة طالما تردد كثير من المخرجين في الاقتراب منها، إذ ينقل إلى الشاشة واحدة من أعظم الملاحم الأدبية في التاريخ، مستبدلا الطابع الأسطوري التقليدي برؤية أكثر واقعية، تجعل من أوديسيوس بطلا بشريا تحركه آثار الحرب وصراعات النفس، بدلا من التركيز على الجوانب الخارقة التي طبعت النص الأصلي.
ويبرز الفيلم بإنجاز تقني غير مسبوق، بعدما أصبح أول عمل سينمائي يصور بالكامل باستخدام كاميرات IMAX 70mm، في تجربة امتدت عبر ست دول، مع الاعتماد بشكل شبه كامل على المؤثرات العملية، والاستعانة بنحو ألفي كومبارس لتجسيد مشاهد حصار طروادة، وهو ما منح الفيلم حضورا بصريا مبهرا يعكس دقة نولان وحرصه على تقديم تجربة سينمائية استثنائية.
وتدور الأحداث في عالم يختلط فيه التاريخ بالأسطورة، حيث يختفي أوديسيوس، الذي يجسده مات ديمون، عقب انتهاء حرب طروادة، تاركا زوجته بينيلوب، التي تؤدي دورها آن هاثاواي، تواجه وحدها ضغوط الخاطبين الساعين للاستيلاء على العرش، فيما يبدأ ابنه تيليماخوس، الذي يجسده توم هولاند، رحلة البحث عن والده، بالتزامن مع استعادة أوديسيوس تدريجيا لذاكرته فوق جزيرة كاليبسو، لتنكشف تباعا محطات رحلته المليئة بالعواصف والوحوش والمخاطر.
ورغم أن الفيلم يمتد لأكثر من 170 دقيقة، فإن كثافة الأحداث وتعدد الشخصيات يدفعان السرد إلى إيقاع متسارع لا يمنح الكثير من اللحظات فرصة للتنفس. فالتنقل المستمر بين الماضي والحاضر، وهو أسلوب اعتاده نولان في معظم أعماله، يجعل مغامرات أوديسيوس تبدو أحيانا مقتضبة، فيما تمر مواجهاته مع السيكلوب والسيرينات وغيرهما بسرعة لا تسمح ببناء الإحساس الكامل بالخطر أو تعميق ارتباط المشاهد بالشخصيات.
ويعد المونتاج أحد أكثر العناصر إثارة للنقاش في الفيلم، إذ تتوالى المشاهد بوتيرة سريعة تقلل من أثر العديد من اللحظات المفصلية، حتى في المشهد الذي يجمع أوديسيوس بالساحرة سيرسي، التي تقدمها سامانثا مورتون بأداء قوي يميل إلى أجواء الرعب النفسي، لكنه ينتهي قبل أن يبلغ ذروته الدرامية.
ويستعيد الفيلم توازنه بصورة أوضح في فصله الأخير، مع عودة أوديسيوس إلى إيثاكا ومواجهته للخاطبين، حيث يبرز الأداء اللافت لمات ديمون في تجسيد شخصية محارب أنهكته الحرب وحمل ندوبها النفسية، كما تتألق آن هاثاواي وروبرت باتينسون وجون ليغويزامو في المشاهد الختامية، بينما تبدو مشاركة زندايا ولوبيتا نيونغو محدودة مقارنة بحجم حضورهما الفني.
ويقدم نولان في هذا العمل قراءة حديثة للملحمة الإغريقية، مفضلا استكشاف العالم الداخلي للبطل على حساب حضور الآلهة والعناصر الخارقة، وهو خيار قد لا يرضي عشاق النص الكلاسيكي، خاصة مع بعض اللمسات الحوارية المعاصرة التي تبدو بعيدة عن روح الزمن الذي تدور فيه الأحداث.
ورغم هذه الملاحظات، يظل “The Odyssey” إنجازا سينمائيا كبيرا من الناحية التقنية، بفضل التصوير المذهل الذي وقعه هويت فان هويتيما، والموسيقى المؤثرة التي ألفها لودفيغ غورانسون، إضافة إلى الرؤية الإخراجية التي تؤكد مرة أخرى مكانة نولان بين أبرز صناع السينما المعاصرة.
وفي المحصلة، يقدم “The Odyssey” تجربة بصرية مبهرة ومشحونة بالطموح، إلا أنها تفتقد في بعض محطاتها إلى العمق العاطفي والمساحة اللازمة لاحتضان المشاعر، لتخرج في النهاية بفيلم قد يثير الإعجاب بحرفته الاستثنائية أكثر مما يترك أثرا وجدانيا يوازي حجم إنجازه الفني.
سينفيليا

