الرئيسيةالسينما العالميةالمخرج الأسطوري كوروساوا يقدّم أول أفلام الساموراي في مسيرته بمهرجان كان

المخرج الأسطوري كوروساوا يقدّم أول أفلام الساموراي في مسيرته بمهرجان كان

كيوشي كوروساوا

يصل المخرج الياباني المخضرم كيوشي كوروساوا إلى مهرجان كان السينمائي هذا العام بفيلمه الجديد “The Samurai and the Prisoner”، وهو عمل تاريخي تدور أحداثه داخل قلعة في زمن الحروب الإقطاعية اليابانية، في وقت يشارك فيه اثنان من أبرز تلامذته، ريوسوكي هاماغوتشي وكوجي فوكادا، في المنافسة على جائزة السعفة الذهبية إلى جانبه.

يُعتبر كوروساوا، البالغ من العمر 70 عاماً، واحداً من أهم صناع السينما في اليابان والعالم، رغم أنه طوال مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود ظل يعمل بميزانيات محدودة لا تتناسب مع حجم تأثيره الفني. ومع ذلك، تمكن من تقديم أفلام أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما، متنقلاً بين الأنواع السينمائية بجرأة لافتة، من أفلام الجريمة مثل “Cure” إلى الرعب النفسي في “Pulse”، مروراً بالدراما العائلية “Tokyo Sonata”، وصولاً إلى أعماله الأحدث مثل “Cloud”.

نشأ كوروساوا في فترة شهدت فيها السينما اليابانية تراجعاً كبيراً بعد صعود التلفزيون، ما أدى إلى انهيار نظام الاستوديوهات التقليدية. وفي تلك المرحلة، برزت أفلام “البيك-إيغا” ذات الطابع الإباحي كأحد أنماط الإنتاج الأكثر رواجاً، وكانت بمثابة مدرسة غير تقليدية خرّجت جيلاً من المخرجين البارزين، من بينهم كوروساوا نفسه، الذي بدأ مسيرته عام 1983 بفيلم “Kandagawa Pervert Wars” الذي حمل طابعاً ساخراً ومتأثراً بأعمال ألفريد هيتشكوك.

لكن التحول الحقيقي في مسيرته جاء مع فيلم “Cure” عام 1997، الذي قدّمه كصوت سينمائي فريد في المشهد العالمي، حيث تناول قصة محقق في طوكيو يحقق في جرائم غامضة يرتكبها أشخاص عاديون دون تفسير واضح لدوافعهم. ورغم فشل الفيلم تجارياً في اليابان، إلا أنه تحول مع مرور الوقت إلى عمل عبادي نال إشادة واسعة من نقاد ومخرجين عالميين، من بينهم بونغ جون هو وآري أستر اللذان اعتبراه من أعظم الأفلام في تاريخ السينما.

إلى جانب إخراجه، لعب كوروساوا دوراً مهماً في التعليم السينمائي، حيث درّس في جامعة طوكيو للفنون، وكان من بين طلابه ريوسوكي هاماغوتشي، مخرج فيلم “Drive My Car” الفائز بالأوسكار، وكوجي فوكادا الذي حصد جوائز مرموقة في مهرجان كان. ويعود الاثنان هذا العام إلى المهرجان بأفلام تنافس في المسابقة الرسمية.

يصف فوكادا أستاذه كوروساوا بأنه مخرج “يصنع القوة من الصورة السينمائية وحدها”، مضيفاً أنه رغم رغبته في التفوق عليه يوماً ما، فإنه أدرك مبكراً صعوبة ذلك، ما دفعه لتطوير أسلوبه الخاص بدلاً من تقليد معلمه.

في هذا العام، يشارك كوروساوا في قسم “كان بريميير” بفيلمه الجديد الذي يمثل أول تجربة له في عالم أفلام الساموراي الكلاسيكية، وهو عمل مقتبس من رواية تاريخية تدور أحداثها في القرن السادس عشر خلال فترة الحروب الإقطاعية في اليابان.

تدور القصة حول اللورد أراكي موراشيغا الذي يتمرد على سيد الحرب أودا نوبوناغا ويحصن نفسه داخل قلعة محاصرة، بينما تتصاعد داخل القلعة سلسلة من الجرائم الغامضة التي تزرع الشك والارتياب بين المحاربين. ومع اشتداد الحصار، يضطر البطل إلى التحالف مع مستشار عسكري خطير كان قد سجنه بنفسه.

أوضح كوروساوا أنه طالما رغب في تقديم فيلم “جيدايغيكي” (أفلام الحقبة التاريخية اليابانية)، لكنه لم يتمكن سابقاً من ذلك بسبب التكاليف العالية المرتبطة بالديكورات والأزياء والإنتاج الضخم، مؤكداً أن هذه الفرصة جاءت بعد سنوات طويلة من الانتظار.

وخلال تحضيره للفيلم، عاد كوروساوا إلى كلاسيكيات السينما اليابانية، خصوصاً أعمال المخرج أكيرا كوروساوا، وفيلم “Throne of Blood” الذي كان له تأثير كبير في بناء رؤيته البصرية، إضافة إلى أفلام ماساكي كوباياشي وكينجي ميزوغوتشي التي استلهم منها أسلوب تصوير الفضاءات المغلقة.

ورغم أنه فكر في تصوير الفيلم بالأبيض والأسود، اختار في النهاية اعتماد الألوان عالية التباين مع استخدام نسب تصوير كلاسيكية تعكس روح السينما القديمة، بهدف المزج بين الحداثة والتقاليد.

واجه المخرج تحدياً كبيراً في فهم تفاصيل الحياة اليومية في القرن السادس عشر، خصوصاً طريقة حديث الشخصيات وحركتها، وهو ما اعتبره أحد أكثر الجوانب صعوبة وإثارة في العمل.

ويصف كوروساوا فيلمه الجديد بأنه ليس مجرد فيلم ساموراي تقليدي، بل عمل ينتقد قيم “البوشيدو” ويعيد مساءلتها، حيث يقدم بطلاً يرفض منطق العنف ويسعى إلى التحرر من قيود السلطة والطموح.

ويؤكد أن رسالة الفيلم تحمل بعداً إنسانياً معاصراً، إذ تعكس رفض الحرب والرغبة في التحرر من سطوة السلطة والطموحات المادية، سواء كانت سياسية أو شخصية.

وفي تقييمه للمشهد السينمائي الياباني، أعرب كوروساوا عن قلقه من تراجع قدرة السينما المحلية على التعبير عن قضايا العصر، داعياً إلى استعادة روح السينما اليابانية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين كانت الأعمال أكثر ارتباطاً بالتحولات الاجتماعية والسياسية.

كما أبدى إعجابه بعدد من الأفلام الأمريكية الحديثة التي وصفها بأنها غير مكتملة لكنها مليئة بالحيوية، معتبراً أن السينما اليابانية بحاجة إلى استعادة هذا النوع من الجرأة والارتباط المباشر بقضايا المجتمع.

وفي ختام حديثه، شدد كوروساوا على رغبته في أن يدفع الجيل الجديد من المخرجين اليابانيين، بما فيهم تلامذته، إلى خوض تجارب سينمائية أكثر طموحاً وجرأة، معتبراً أن ذلك هو الطريق نحو مرحلة جديدة ومزدهرة في تاريخ السينما اليابانية.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *