بعد انتهاء الموسم الثاني من مسلسل “المدينة البعيدة”، لم ينتظر صنّاع العمل طويلاً قبل الإعلان عن موسم ثالث، في خطوة تعكس حجم النجاح الكبير الذي حققه المسلسل وتحوله إلى أحد أبرز الظواهر الدرامية في تركيا خلال السنوات الأخيرة. ومن المقرر أن تنطلق عمليات التصوير في نهاية أغسطس/آب المقبل، على أن يبدأ عرض الحلقات الجديدة في 15 سبتمبر/أيلول.
ويواصل المسلسل تسجيل نسب مشاهدة لافتة، إذ يُعد من بين أكثر الأعمال التركية متابعة في الفترة الأخيرة، بعدما حققت حلقاته أرقاماً قياسية، بلغت ذروتها في الحلقة 21 بوصوله إلى 18.07 نقطة، ما رسّخ مكانته كواحد من أنجح الإنتاجات الجماهيرية على الشاشة التركية. والأكثر لفتاً أن هذا الزخم استمر عبر موسمين كاملين دون تراجع يُذكر، في معادلة نادرة في الدراما التلفزيونية التي غالباً ما تفقد بريقها مع الوقت، بينما نجح “المدينة البعيدة” في الحفاظ على جمهوره وتوسيع قاعدة متابعيه، ليصبح تجديده لموسم ثالث نتيجة طبيعية لمسار نجاح مستمر.
وانطلق العمل في الأصل كنسخة تركية مقتبسة من المسلسل العربي الشهير “الهيبة”، الذي لعب بطولته تيم حسن ونادين نسيب نجيم، وهو ما جعل التوقعات الأولية متحفظة، نظراً لنجاح النسخة الأصلية عربياً وتحولها إلى ظاهرة جماهيرية واسعة. غير أن “المدينة البعيدة” سرعان ما نجح في تجاوز المقارنة، وفرض نفسه في المشهد الدرامي التركي عبر إعادة صياغة القصة بما يتناسب مع البيئة المحلية، مع الحفاظ على جوهر الصراع العائلي والعشائري، وإعادة بناء الشخصيات وتوسيع مساراتها الدرامية بطريقة منحت العمل هوية مستقلة.
وشكّلت الثنائية التي تجمع بين أوزان أكبابا في دور “جيهان” وسينام أونسال في دور “عليا” أحد أهم عناصر الجذب في المسلسل، حيث تقوم العلاقة بين الشخصيتين على توتر دائم يجمع بين الانجذاب والصراع، ما أضفى على الأحداث بعداً عاطفياً مكثفاً جعل الجمهور في حالة ترقب مستمر. هذا الانسجام الدرامي انعكس بقوة على تفاعل المشاهدين، وتحولت العلاقة بين الشخصيتين إلى محور نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في العالم العربي.
ورغم النجاح الجماهيري الكبير، لم يسلم المسلسل من انتقادات تناولت بنيته الدرامية ورسائله الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بتصوير العشيرة كمصدر للسلطة والعدالة خارج إطار القانون، إضافة إلى الجدل حول تمثيل المرأة داخل الأحداث، حيث تُقدَّم الشخصيات النسائية في كثير من الأحيان ضمن حدود تتحكم فيها السلطة الذكورية أو الصراع العاطفي، ما اعتبره بعض النقاد استمراراً لقوالب تقليدية في الدراما.
ورغم هذه الانتقادات، واصل المسلسل تصدر نسب المشاهدة، ما يفتح نقاشاً أوسع حول ذائقة الجمهور وحدود تأثير النقد أمام قوة الجذب البصري والسردي. كما امتد تأثير العمل إلى خارج الشاشة، إذ تحولت مدينة ماردين، التي تم اختيارها كموقع رئيسي للتصوير، إلى وجهة سياحية بارزة، بعدما أصبحت خلفيتها الحجرية وأزقتها التاريخية جزءاً أساسياً من هوية المسلسل البصرية، ما أسهم في ارتفاع الإقبال السياحي عليها بشكل ملحوظ.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن نسبة كبيرة من الزوار يقصدون المدينة بدافع مرتبط بالمسلسل، مع ارتفاع في النشاط السياحي والأسعار، في نموذج بات يُعرف بـ”السياحة الدرامية”، حيث تتحول الأعمال التلفزيونية إلى قوة ناعمة تؤثر في حركة السياحة والاقتصاد المحلي.
ومع اقتراب الموسم الثالث، تتجدد التساؤلات حول قدرة “المدينة البعيدة” على الحفاظ على زخمه، خاصة مع ارتفاع سقف التوقعات وخشية بعض المتابعين من الوقوع في التكرار أو استنزاف الحبكة. وبين استمرار النجاح وتحديات التجديد، يبقى الموسم الجديد اختباراً حقيقياً لمسار مسلسل استطاع أن يثبت نفسه خارج دائرة الاقتباس، ويصنع نجاحه الخاص في واحد من أكثر المشاهد الدرامية تنافسية.
سينفيليا

