الرئيسيةالسينما العالمية«الانتفاضة».. حين يتحول غضب الفلاحين إلى تمرد يهز عرش إنجلترا

«الانتفاضة».. حين يتحول غضب الفلاحين إلى تمرد يهز عرش إنجلترا

فيلم الانتفاضة

على امتداد التاريخ، ارتبطت الثورات والانتفاضات برغبة الشعوب في مواجهة الظلم والمطالبة بالعدالة والحقوق، من التمردات القديمة وحركات الاستقلال، وصولا إلى الاحتجاجات الحديثة التي أعادت رسم ملامح مجتمعات ودول بأكملها. ومن هذا المنظور يستعيد المخرج البريطاني بول غرينغراس واحدة من أكثر الانتفاضات إثارة في تاريخ إنجلترا من خلال فيلمه الجديد «الانتفاضة» (The Uprising).

الفيلم، الذي كتب غرينغراس السيناريو الخاص به وأخرجه، يقدم معالجة درامية لأحداث وقعت في إنجلترا سنة 1381، حين تحولت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة إلى شرارة أشعلت تمردا واسعا هز سلطة التاج. ويركز العمل على اللحظة التي ينتقل فيها الغضب من مستوى المعاناة الفردية إلى احتجاج جماعي، بعدما وجد آلاف الفلاحين والعامة أنفسهم أمام واقع يطغى عليه الفقر والضرائب والضغوط الاجتماعية.

ولا ينشغل غرينغراس بالتفاصيل التاريخية وحدها، بقدر ما يحاول جعل التجربة مفهومة للمشاهد المعاصر، عبر إبراز مشاعر الإحباط والقهر والرغبة في حياة أكثر عدلا، وهي مشاعر لا ترتبط بعصر محدد، بحسب الرؤية التي ينطلق منها الفيلم.

منذ مشاهده الأولى، يضع «الانتفاضة» المشاهد في أجواء إنجلترا خلال العصور الوسطى، وسط قرى موحلة وحقول فقيرة وأناس يعيشون في ظروف بالغة القسوة. الحيوانات، الدخان، الملابس المتسخة والوجوه المرهقة كلها عناصر تمنح الصورة طابعا حسيا كثيفا، بينما يقدم الفيلم مشاهد العنف بصورة مباشرة وقاسية، من الإعدامات وقطع الرؤوس إلى الإصابات الناتجة عن المعارك.

ويعتمد غرينغراس، المعروف بأسلوبه الواقعي في تناول الأحداث المضطربة، على كاميرا محمولة وحركة تصوير متوترة، إلى جانب ألوان قاتمة ومطفأة، ما يمنح المشاهد إحساسا بأنه يعيش الأحداث من داخلها. وتبدو إنجلترا في الفيلم مكانا أنهكه الفقر والمرض والاستغلال، فيما تعكس الحقول الخالية والقرى البائسة حالة اجتماعية يهيمن عليها الإنهاك واليأس.

وتبدأ الحكاية سنة 1381، بعد مرور نحو ثلاثة عقود على الطاعون الذي اجتاح إنجلترا وخلف خسائر بشرية هائلة. وفي وقت كانت البلاد تحاول فيه التعامل مع آثار الوباء، وجد السكان أنفسهم أمام أعباء ضريبية متزايدة، بينما كان العرش بيد الملك الشاب ريتشارد الثاني، الذي يؤدي دوره وودي نورمان، وسط نفوذ مستشارين أثرياء وأصحاب مصالح.

في قلب هذه الظروف يظهر مزارع فقير يعرف باسم «الحرّاث»، يؤدي دوره أندرو غارفيلد. فقد الرجل زوجته وأطفاله بسبب الطاعون، ولم يعد يملك سوى مسكن متواضع وحياة قاسية تتطلب منه العمل الشاق يوميا لتأمين بقائه. لكن صدور أمر بفرض ضريبة جديدة يشكل نقطة التحول في حياته، ويدفعه إلى الانخراط في حركة تمرد تتسع بسرعة.

وخلال الأحداث، يلتقي «الحرّاث» بشخصيات بارزة في الانتفاضة، من بينها القس جون بول، الذي يجسده جيمي بيل، ووات تايلر، الجندي السابق الذي يؤدي دوره كوزمو جارفيس. ومع تصاعد الاحتجاجات، يتحول الغضب المحلي إلى حركة شعبية واسعة، ويتجه عشرات الآلاف من العامة نحو لندن، معتقدين أن إيصال مطالبهم إلى الملك قد يكون كافيا لإحداث التغيير.

غير أن الأحداث سرعان ما تأخذ منحى أكثر دموية، إذ يشير المؤرخ دان جونز إلى أن تسمية «ثورة الفلاحين» لا تعكس وحدها الطبيعة المتنوعة للحركة. فقد شاركت فيها جماعات وقرى بأكملها، إلى جانب رجال دين وعمال ونساء وقادة محليين، كما امتدت الاضطرابات إلى مناطق واسعة من البلاد. ولم تكن الاحتجاجات موجهة ضد الملك وحده، بل شملت أيضا مسؤولين ونبلاء ورجال دين ومؤسسات ارتبطت، في نظر المشاركين، بالفساد والاستغلال.

وبحسب جونز، فإن المظالم التي دفعت الناس إلى الاحتجاج كانت حقيقية، لكن مسار التمرد خرج عن السيطرة مع تصاعد أعمال العنف. فمع اتساع الحركة، لم يعد العنف محصورا في المسؤولين الذين ارتبطوا بالضرائب والسياسات المفروضة، بل طال أشخاصا آخرين، الأمر الذي ساهم في تغيير مسار الانتفاضة.

وتصل الأحداث إلى نقطة حاسمة مع مقتل وات تايلر، أحد أبرز قادة التمرد، فيما يتمكن الملك ريتشارد الثاني من تهدئة الحشود مؤقتا. وبعد ذلك، تتحرك السلطات لملاحقة قادة الانتفاضة وإعدام عدد منهم، بينما يتم التراجع عن الوعود والمواثيق التي ارتبطت بمطالب الحركة. وبالنظر إلى النتائج المباشرة للتمرد، لم تتحقق غالبية مطالبه الأساسية.

وعلى مستوى الأداء، يحظى الفيلم بمجموعة من التمثيلات اللافتة. ويبرز جيمي بيل وكوزمو جارفيس في دوري جون بول ووات تايلر، بينما تقدم كاثرين ووترستون أداء مقتصدا في شخصية والدة الملك. كما يلفت سكاي يانغ الانتباه من خلال شخصية «الكاتب» التي تلعب دورا مهما في تطور الأحداث.

لكن وودي نورمان يقدم واحدا من أكثر الأداءات حضورا في الفيلم، من خلال تجسيده لريتشارد الثاني بوصفه ملكا شابا يحمل آثارا نفسية عميقة، وفي الوقت نفسه يظهر قدرة على المناورة واتخاذ قرارات مفصلية في لحظات حرجة.

ورغم بعض الملاحظات المتعلقة بالحبكة، ومنها إظهار «الحرّاث» بمهارات قتالية تبدو غير متوقعة بالنسبة إلى شخص عاش معظم حياته في الحقول، فإن الأداءات التمثيلية والإخراج البصري يشكلان من أبرز عناصر قوة العمل.

ويستغرق «الانتفاضة» ساعتين و7 دقائق، وصنف للكبار بسبب مشاهد العنف والدماء. وقد رأى الناقد فرانك شيك أن الفيلم متقن من الناحيتين الفنية والتمثيلية، لكنه قد يكون مرهقا للمشاهد بسبب كثافة الأحداث وقسوة بعض مشاهده.

من جهته، أوضح أندرو غارفيلد في حديث لمجلة «تايم» أن الفيلم يدفع المشاهد إلى طرح أسئلة حول كيفية التعامل مع الظلم، والطرق التي يمكن من خلالها الدفاع عن الحق في حياة تقوم على الحرية والكرامة والعلاقات الإنسانية.

أما غرينغراس، الذي سبق أن تناول في أعماله الوثائقية والسينمائية فترات الاضطراب السياسي والاجتماعي في مناطق مختلفة من العالم، فيرى أن الثورات قد تبدأ بأحلام وآمال كبيرة، لكنها قد تتحول إلى حالة من الفوضى عندما تنهار السلطة القائمة. ولهذا يترك للمشاهد مساحة للتفكير في العلاقة بين أحداث القرن الرابع عشر وما يمكن أن تعكسه من أسئلة ما تزال مطروحة في العالم المعاصر.

وبعيدا عن النهاية التي أثارت بعض التحفظات، يقدم «الانتفاضة» تجربة تاريخية كثيفة تجمع بين الدراما والعنف والواقعية البصرية، وتحاول تجاوز إعادة سرد حدث تاريخي قديم إلى طرح أسئلة حول الغضب الشعبي والسلطة والعدالة، وهو ما يمنحه حضورا معاصرا داخل قالب الفيلم التاريخي.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *