تستعيد السينما المصرية أحد أعمالها الكلاسيكية البارزة من خلال عرض نسخة مرممة من فيلم «قنديل أم هاشم»، ضمن فعاليات الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في عودة تمنح الجمهور فرصة جديدة لاكتشاف العمل الذي ناقش، منذ عرضه الأول، إشكالية العلاقة بين العلم والمعتقدات الشعبية، والتوتر القائم بين الحداثة والموروث الاجتماعي والثقافي.
ويستند الفيلم إلى رواية الأديب المصري يحيى حقي التي تحمل العنوان نفسه، وتُعد من أبرز الأعمال الأدبية في العالم العربي، لما تطرحه من أسئلة حول تأثير التقاليد والمعتقدات الراسخة في حياة الأفراد، وإمكانية التوفيق بين المعرفة العلمية والقيم الثقافية والدينية التي تشكل وجدان المجتمع.
وأُنتج «قنديل أم هاشم» سنة 1968، بتوقيع المخرج كمال عطية، عن سيناريو وحوار للكاتب صبري موسى، وبطولة شكري سرحان في دور الطبيب إسماعيل، وسميرة أحمد في شخصية فاطمة، بمشاركة عبد الوارث عسر وأمينة رزق. واستطاع العمل أن ينقل إلى الشاشة أبعاد الرواية الفكرية والإنسانية من خلال معالجة درامية تضع الفرد أمام اختبار صعب بين ما اكتسبه من معرفة حديثة وما نشأ عليه محيطه من معتقدات وتقاليد.
وتدور أحداث الفيلم حول إسماعيل، الشاب الذي نشأ في حي السيدة زينب بالقاهرة، قبل أن يغادر إلى ألمانيا لمتابعة دراسته في الطب. وهناك يكتشف عالماً مختلفاً، ويتعرف إلى أنماط جديدة في التفكير والحياة، كما يلتقي فتاة ألمانية تؤثر في نظرته إلى المجتمع والعالم من حوله.
وعندما يعود إلى مصر، يبدأ ممارسة مهنة الطب، ويفتتح عيادة في الحي الذي ترعرع فيه، آملاً في تسخير ما تعلمه لخدمة أبناء منطقته. غير أنه يصطدم بانتشار ممارسات شعبية مرتبطة بعلاج أمراض العيون، إذ يلجأ بعض المرضى إلى استعمال الزيت المتبقي في قنديل مقام أم هاشم، اعتقاداً منهم بقدرته على الشفاء، وهو ما ينعكس سلباً على حالتهم الصحية.
وتبلغ المواجهة ذروتها حين يكتشف إسماعيل أن خطيبته فاطمة بدورها تستخدم الزيت بالطريقة نفسها، فيقرر تحطيم القنديل احتجاجاً على هذه الممارسة. لكن خطوته تثير استياء سكان الحي وأفراد أسرته، الذين يعتبرونها مساساً بمعتقداتهم وموروثهم، ليجد الطبيب نفسه في مواجهة عزلة اجتماعية تتسع مع تراجع ثقة المقربين منه وقبولهم لموقفه.
ومن خلال هذا الصراع، يطرح الفيلم أسئلة تتجاوز حكاية بطله، متناولاً حدود العلاقة بين العلم والإيمان، وكيفية التعامل مع الموروث الشعبي دون إغفال أهمية المعرفة والوعي، في معالجة تستمد قوتها من ارتباط القضية بالواقع الاجتماعي والإنساني.
ويشكل عرض النسخة المرممة من «قنديل أم هاشم» مناسبة لإعادة اكتشاف أحد الأعمال التي تركت بصمتها في تاريخ السينما المصرية، كما يبرز أهمية ترميم الأفلام الكلاسيكية في الحفاظ على الذاكرة الفنية وصون الأعمال التي أسهمت في تشكيل ملامح السينما المصرية عبر أجيال متعاقبة.
سينفيليا

