يُعد فيلم “القصص” أحدث أعمال المخرج المصري أبو بكر شوقي، الذي سبق أن حظي باهتمام نقدي واسع من خلال فيلمه “يوم الدين” الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي. ويأتي مشروعه الجديد بوصفه أكثر أعماله السينمائية طموحاً على مستوى الرؤية والإنتاج.
شهد الفيلم عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، قبل أن يواصل حضوره في عدد من المهرجانات العربية والعالمية، حيث حقق صدى نقدياً ملحوظاً تُوج بفوزه بجائزة “التانيت الذهبي” لأفضل فيلم روائي طويل ضمن فعاليات أيام قرطاج السينمائية.
ويضم العمل نخبة من الممثلين المصريين والدوليين، يتقدمهم أمير المصري ونيللي كريم، إلى جانب مجموعة من الفنانين من أوروبا ومصر، كما يعكس تجربة إنتاجية متعددة الجنسيات، شاركت فيها جهات إنتاج من دول مختلفة، مدعومة بفريق فني عالمي في مجالات التصوير والموسيقى والمؤثرات البصرية.
لا يتعامل فيلم “القصص” مع التاريخ باعتباره تسلسلاً للأحداث السياسية الكبرى، بل يقترب منه عبر أثره العميق في تفاصيل الحياة اليومية للأفراد. ومن هذا المنظور، يبدو الفيلم متقاطعاً مع مسلسل “ذات” في اعتماده على العائلة كنافذة لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر على امتداد عقود. ورغم أن العملين يشتركان في حضور نيللي كريم، فإن الرابط الأبرز بينهما يكمن في تحويل الحكاية الشخصية إلى مدخل لقراءة التاريخ الوطني.
كما فعل مسلسل “ذات” حين رصد حياة أسرة مصرية منذ خمسينيات القرن الماضي، مستعرضاً انعكاسات الهزائم والتحولات الاقتصادية والاجتماعية وتغير أنماط الحياة عبر تفاصيل الحياة اليومية، يختار “القصص” بدوره أن يروي التاريخ من خلال مصائر أبطاله، بعيداً عن الخطابات السياسية المباشرة والشعارات الكبرى.
تمتد أحداث الفيلم من السنوات السابقة لنكسة عام 1967 وحتى عقد الثمانينيات، متابعاً شخصيات تحاول بناء حياتها وتحقيق أحلامها في عالم يتغير باستمرار. وفي قلب هذه الحكاية يقف أحمد، عازف البيانو الشاب الذي يؤدي دوره أمير المصري، والذي يسعى إلى تحقيق طموحه الفني، بينما تنشأ بينه وبين شابة نمساوية علاقة طويلة الأمد عبر المراسلات.
وعلى الرغم من أن الفيلم يمكن أن يُقرأ ظاهرياً بوصفه قصة حب، فإنه في جوهره يقدم صورة لجيل كامل تشكلت أحلامه وطموحاته تحت وطأة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها مصر الحديثة. كما تفتح العلاقة بين القاهرة وفيينا مساحة للتأمل في أسئلة الهوية والانتماء والهجرة والطموح، وهي قضايا تتشابك بعمق مع السياق التاريخي الذي تتحرك داخله الشخصيات.
تكمن خصوصية هذا النوع من السرد في تقديم التاريخ باعتباره جزءاً من التجربة الإنسانية اليومية، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الأفراد العاديون إلى مادة تاريخية قابلة للتأمل والتحليل في المستقبل، بما تحمله من آثار الصراعات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا تتجلى الرؤية المشتركة بين “ذات” و”القصص”، إذ يصبح الشخصي امتداداً للسياسي، فيما تنعكس التحولات الكبرى على أدق تفاصيل الحياة اليومية، ليقدما معاً صورة أخرى لمصر، بعيدة عن السرديات الرسمية والكتب المدرسية.
يأتي عرض “القصص” خلال موسم الصيف السينمائي المزدحم بأفلام الحركة والكوميديا العربية والعالمية، لكنه يختار مساراً مختلفاً، معتمداً على إيقاع هادئ ومتأن يمنح شخصياته المساحة الكافية للنمو والتطور.
وينعكس هذا الخيار على البناء البصري للفيلم، الذي يتسم بطابع مسرحي واضح في تكوين المشاهد وتصميم الكادرات وتوزيع الشخصيات داخل الإطار. ويتعامل العمل مع مشاهده كما لو كانت لوحات مسرحية مصاغة بعناية، وهو ما يظهر بوضوح في تصميم فضاءات العائلات المصرية والنمساوية، حيث تعكس التفاصيل الدقيقة الفوارق الطبقية والزمنية والثقافية لكل مرحلة.
ويمتد هذا الحس المسرحي إلى الشخصيات الثانوية، من أفراد الأسرة الممتدة والجيران والمعارف، الذين لا يؤدون وظائف درامية فحسب، بل يسهمون أيضاً في بناء الصورة البصرية والاجتماعية للعصر، من خلال الأزياء وطريقة الأداء والعلاقات الاجتماعية وحتى التعليقات العابرة والنكات اليومية، بما يخلق بيئة ثقافية واجتماعية متكاملة للفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.
ولا يسعى الفيلم إلى إعادة إنتاج الماضي بوصفه وثيقة تاريخية دقيقة، بل يقدمه كذاكرة جماعية تستحق الاستعادة والاحتفاء، وكأنه يفتح نافذة على زمن لم يعد قائماً إلا في الوجدان، لتتحول المسرحة هنا إلى أداة جمالية وعاطفية لإحياء الماضي.
ويتناغم الأداء التمثيلي مع هذه الرؤية، لا سيما في أداء نيللي كريم وأمير المصري، حيث تُعبَّر المشاعر الأساسية غالباً بالصمت والإيحاء أكثر من الكلمات. ويتجنب الفيلم الخطابات العاطفية المباشرة، مفضلاً المزج بين الكوميديا الخفيفة والحزن الإنساني، حتى في اللحظات الأكثر قسوة، مثل فقدان الأحبة أو مواجهة الفراق.
وتقدم نيللي كريم واحداً من أبرز أدوارها خلال السنوات الأخيرة، مجسدة شخصية الأم التي تشكل القلب العاطفي للعائلة ومحورها الأساسي. وقد استفادت الشخصية من كتابة دقيقة ابتعدت عن الصورة النمطية للأم المضحية، لتقدم نموذجاً أكثر إنسانية، يعكس الإرهاق والقلق والخسارات التي ترافق الأمومة في زمن الحروب والهجرة والانكسارات.
وفي النهاية، ينجح “القصص” في الجمع بين مشاعر تبدو متناقضة لكنها متجاورة في التجربة الإنسانية، إذ تتداخل النوستالجيا مع الفكاهة، والحزن مع الدفء الإنساني، ليقدم عملاً سينمائياً يحاول التقاط إيقاع الحياة كما يُعاش، لا كما ترويه كتب التاريخ.
سينفيليا

