الرئيسيةالسينما العالمية“ذا بوروز”: عندما تنتقل البطولة إلى زمن الشيخوخة

“ذا بوروز”: عندما تنتقل البطولة إلى زمن الشيخوخة

ذا بوروز

يهيمن الشباب عادةً على أعمال الرعب والخيال العلمي، باعتبارهم القوة الدافعة للمغامرات الكبرى والأبطال الذين يُسند إليهم إنقاذ العالم من التهديدات المختلفة، سواء كانت كائنات فضائية أو قوى شريرة غامضة. في المقابل، غالباً ما تُدفع الشيخوخة إلى الهامش، حيث تُقدَّم بوصفها مساحة للحكمة أو الحنين إلى الماضي. من هنا يبرز مسلسل “ذا بوروز” (The Boroughs) أو “بلدة المتقاعدين” منذ مشاهده الأولى، لأنه يعكس هذا التصور رأساً على عقب، وينقل مركز البطولة إلى فئة عمرية نادراً ما تتصدر هذا النوع من الأعمال.

يتألف المسلسل من ثماني حلقات تُعرض على منصة نتفلكس، وهو من ابتكار وكتابة جيفري أديس وويل ماثيوز، مع إنتاج تنفيذي لكل من مات دافر وروس دافر، الثنائي المعروفان بارتباطهما بالنجاح الكبير لمسلسل “سترينجر ثينغز” (Stranger Things). وقد استُثمر هذا الارتباط بقوة في الحملات الترويجية، حتى وُصف العمل بأنه محاولة لنقل أجواء الغموض والمغامرة الخاصة بـ“سترينجر ثينغز” إلى عالم يركز على كبار السن. ويضم العمل نخبة من الممثلين المخضرمين، من بينهم ألفريد مولينا وجينا ديفيس وألفري وودارد وبيل بولمان.

تبدأ أحداث “ذا بوروز” داخل مجمع سكني مخصص للمتقاعدين يبدو للوهلة الأولى مثالياً، يقدم نموذجاً لحياة هادئة ومنظمة، تتوفر فيه كل سبل الراحة من مساكن مرتبة وخدمات متكاملة وأنشطة اجتماعية، في مقابل وعود بحياة مستقرة بعد سنوات العمل الطويلة. غير أن هذه الصورة المثالية تطرح تساؤلات حول الطريقة التي تتعامل بها الثقافة المعاصرة، خصوصاً في الولايات المتحدة، مع الشيخوخة بوصفها منتجاً قابلاً للتسويق ضمن منظومة استهلاكية تشمل حتى مجتمعات المتقاعدين.

يصل سام كوبر، الذي يجسد دوره ألفريد مولينا، إلى هذا المكان بعد فقدانه زوجته، باحثاً عن بداية جديدة في بيئة يُفترض أنها توفر الأمان والسكينة. هناك يلتقي بعدد من السكان، من بينهم رينيه (جينا ديفيس)، وجودي (ألفري وودارد)، وآرت (كلارك بيترز)، وجاك ويلارد (بيل بولمان). ومع تقدم الأحداث، يكتشف هؤلاء أن خلف هذا النظام المثالي تختبئ أسرار مقلقة وقوى غامضة تهدد حياتهم، لتتحول الواجهة الهادئة تدريجياً إلى مصدر للرعب.

يبدو المجمع في الظاهر مكاناً يوفر الراحة لسكانه، لكنه في العمق يفرض عزلاً تدريجياً عن العالم الخارجي، عبر نظام إداري صارم وقواعد دقيقة، ما يوحي بوجود آلية خفية للتحكم في حياة المقيمين. ومع تطور السرد، ينزاح العمل تدريجياً نحو عوالم الرعب والماورائيات، حيث تتكشف تهديدات مباشرة تمس حياة الشخصيات، ويصبح البقاء على قيد الحياة هو الهدف الأساسي بدلاً من مجرد الاستمتاع بسنوات التقاعد.

في هذا السياق، تتحول الشيخوخة نفسها إلى عنصر مركزي في البناء الدرامي، ليس فقط كمرحلة عمرية، بل كحالة قابلة للاستغلال، سواء داخل أحداث المسلسل أو في قراءة رمزية تعكس واقع بعض مجتمعات المتقاعدين المعاصرة.

من أبرز ما يميز “ذا بوروز” أنه يرفض القالب التقليدي للبطولة في أعمال الرعب والخيال العلمي، حيث لا نجد مراهقين أو أطفالاً ذوي قدرات خارقة، ولا عالماً عبقرياً ينقذ الموقف بمفرده. بدلاً من ذلك، يتمحور العمل حول مجموعة من كبار السن يواجهون خطراً يفوق قدراتهم الجسدية، ما يفرض تعريفاً مختلفاً للبطولة قائمًا على التعاون والتجربة بدل القوة.

الشخصية المحورية سام كوبر، أرمل يعيش حالة من الحزن ومحاولة التكيف مع حياته الجديدة، يجد نفسه متورطاً في تحقيق غامض بعد وفاة جاره جاك (بيل بولمان) بشكل مفاجئ. هذا الحدث يدفعه إلى مواجهة لغز يتجاوز إمكانياته، لكنه يفتح الباب أمام تشكل مجموعة غير متجانسة من السكان الذين يتعاونون تدريجياً لكشف الحقيقة.

مع تطور الأحداث، تصبح النجاة مشروعاً جماعياً، حيث لا يمكن لأي شخصية أن تحل اللغز أو تواجه التهديد بمفردها. لا يعتمد الانتصار في النهاية على قدرات خارقة، بل على تراكم الجهود المشتركة، ما يعيد تعريف مفهوم البطولة في سياق مرتبط بالضعف الجسدي والخبرة الحياتية.

في كثير من أعمال الرعب، يتم التركيز على تشويه الجسد أو إصابته كعنصر أساسي لبناء التوتر، بينما يقدم “ذا بوروز” تصوراً مختلفاً، إذ يضع جسداً يعاني أصلاً من آثار الزمن في قلب السرد. الشخصيات تعيش مع أمراض مزمنة ومشكلات صحية متعددة، من السرطان إلى الاكتئاب وصعوبات الحركة والذاكرة، دون محاولة لإخفاء هذه الحقائق أو تجميلها.

يعالج المسلسل بشكل أساسي فكرة الخوف من التدهور الجسدي وفقدان الاستقلالية والسيطرة على الزمن، ليصبح الرعب مرتبطاً بالتقدم في العمر نفسه. ومع انكشاف أن مصدر التهديد يرتبط باستغلال كبار السن، يكتسب العمل بعداً منطقياً داخل عالمه السردي، ويعزز طابعه الرمزي.

ورغم الاستقبال النقدي الإيجابي الذي حظي به المسلسل، إلا أنه لا يخلو من بعض نقاط الضعف التي تعقّد الحكم عليه بشكل نهائي، بين كونه تجربة ناجحة أو عملاً يعيد إنتاج أفكار مألوفة.

أبرز هذه الإشكالات يتمثل في اعتماده الواضح على البنية السردية التي تميز أعمال الأخوين دافر، ما يجعله في بعض الأحيان قريباً من إعادة صياغة لعالم “سترينجر ثينغز” ولكن ضمن سياق مختلف من حيث الفئة العمرية. فالعناصر الأساسية تبقى حاضرة: مجموعة شخصيات تواجه قوة غامضة، أسرار مخفية داخل مجتمع يبدو مثالياً، وتحقيق يتدرج نحو كشف التهديد.

ورغم أن تغيير الأعمار يمنح العمل طابعاً خاصاً، إلا أنه لا ينجح دائماً في إخفاء التشابه البنيوي مع أعمال سابقة. كما يعاني المسلسل من اختلال في التوازن بين الدراما الإنسانية وعناصر الرعب والخيال العلمي، إذ تنجح الحلقات الأولى في بناء شخصيات عميقة ذات خلفيات مؤثرة، لكن مع تصاعد الغموض، يزداد التركيز على الأسرار على حساب تطور الشخصيات.

ينتج عن ذلك تراجع نسبي في بعض الخطوط الدرامية التي لا تحصل على مساحة كافية للنمو، إضافة إلى إيقاع متفاوت، خاصة في منتصف الموسم، حيث تميل بعض الحلقات إلى الإطالة وتأجيل الكشف عن المعلومات الأساسية، مما يضعف الإحساس بالتكثيف السردي.

ومع ذلك، يبقى “ذا بوروز” تجربة تستحق الاهتمام، إذ ينجح في طرح أسئلة مختلفة حول الشيخوخة والزمن، ويقدم شخصيات جذابة وأفكاراً إنسانية لافتة، حتى وإن لم يحقق المستوى نفسه من التماسك في بناء الحبكة أو تطوير عالمه الدرامي.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *