الكرسي الأحمر … ظلّ المدينة… بين ورقةٍ تعيدهم وحفلٍ يستدعيهم
قد تلجأ بعض الأفلام البوليسية إلى بداية دموية ،بجريمة قتل مثلا ، وأخرى تبدأ بمطاردة، وأفلام
تختار أن تضع أمام المشاهد لغزًا يشده ويجعله يتساءل عن حجم الحكاية التي يمكن أن تختبئ خلفه..
لكن ظل المدينة لفيصل الحليمي بدا بداية هادئة جدا ….ورقة صغيرة سرها الظاهري بسيط وأهدافها محدودة ، لكن كان
لها مفعولا سحريا أو مغنطيسا بدا يجر ثلاثة أشخاص ليجتمعوا من جديد بعد إن فرقتهم الظروف…
هكذا تظهر الدقائق الأولى لهذا الفيلم والمشاهد يتابع عودة لم تكن مرغوبة ولا محسوبة لثلاثة أشخاص
جمعتهم في الماضي مهنة واحدة داخل جهاز الأمن، قبل أن تفرقهم الحياة، ويغادر كل واحد منهم الجهاز
لأسبابه الخاصة. وبعد الرحيل، بدا أن لكل واحد منهم طريقًا جديدًا، وأن تلك المرحلة أصبحت جزءًا من
ذاكرة بعيدة لا أكثر.
لكن الماضي، في الحكايات البوليسية الجيدة، لا يكون دائمًا شيئًا يمكن إغلاق بابه والمضي بعيدًا.
بل تكفيه إشارة صغيرة كي يعود. وفي «ظلّ المدينة»، كانت تلك الإشارة ورقة، أيقظت الحس البوليسي
الذي غفى ربما ،أو انشغل بمشاكل الحياة الشخصية …
لم تكن الورقة في حد ذاتها هي الحكاية، بقدر ما كانت مفتاحًا يعيد فتح باب كان الثلاثة يعتقدون أنه أُغلق
إلى الأبد. وهكذا يبدأ الفيلم في بناء عالمه بهدوء، وكل لقطة منه أو تقدم في الأحداث جاء ليؤكد أن المهنة
التي عاشها الإنسان طويلاً لابد إن تعلم داخله حتى لو غادرها …خاصة إذا تعلق الأمر بمهنة جهاز الأمن
، لا يمكن للحس البوليسي أن يغادر صاحبه .قد يهدأ ، قد يوهم نفسه أنه ابتعد ،لكن بمجرد أن يصطدم
بموقف حتى تستيقظ حاسته الأمنية التي تربت بداخله داخل الجهاز . وذاك ما حاول الفيلم ظل
المدينة أن يؤكده عبر الأحداث التي تسلسلت … لأن العين التي تعودت أن تلاحظ التفاصيل، والعقل الذي
اعتاد أن يسأل قبل أن يصدق، والخبرة التي تجعل بعض الإشارات تبدو أكثر أهمية مما تبدو عليه
للآخرين كل هذا لا يمكنه أن يظل بدون اثر على صاحبه . وذاك ما جعل الثلاثة يصممون خوض غمار
تجربة لم تكن مهمة بوليسية كما تعودوا ، بل كانت بدافع الحس البوليسي الذي راكمه كل واحد منهم …
ووجد الثلاثة أنفسهم أمام شيء لا يستطيعون التعامل معه باعتباره مجرد ورقة عابرة….
بل ترسخ لديهم أن هناك ما يستحق البحث ، ولأن هناك ماضٍ مهني يبدو أنه لم ينسَ أصحابه تمامًا:
ورقة صغيرة… وأسئلة أكبر
والجميل في حكاية الفيلم ان الورقة ظهرت لتفتح بابا للاسئلة المتوالدة وليس لتقدم جوابا جاهزا …وهكذا كانت التفاصيل تتوالى شيئا فشيئا وليس دفعة واحدة ….وكل تفصيلة تقرب الثلاثة من الشك اكثر وتحيي فيهم الحس البوليسي الذي سكنهم …
ومن خلال هذا الباب يبدأ «ظلّ المدينة» في تحريك شخصياته الثلاث، لا بوصفهم أبطالًا خارقين، وإنما
باعتبارهم أشخاصًا سبق أن عرفوا عالم الأمن، ثم ابتعدوا عنه، قبل أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى قريبين
من عالمه.وكان السؤال المحوري ليس فقط: ماذا تخفي الورقة؟ بل أيضًا: لماذا أعادت هؤلاء الثلاثة
تحديدًا إلى دائرة الأحداث؟ وما الذي بقي من خبرتهم القديمة، وما الذي تغير فيهم بعد أن غادروا
الجهاز؟…
وما اعطى للفيلم تميزه ونكهة تذوقه هو تلك المسافة التي ربطت بين ماض فرق الثلاثة ،وحاضر جمعهم
من جديد . لأن المشاهد سيتابع رجال امن غير عاديين ، لا يؤدون مهمتهم البوليسية ،بل أقحموا في
مغامرة جعلتهم يستدعون خبرتهم لخوضها …بل المثير الذي لوحت به الأحداث هو كيف ابتعد الثلاثة عن
جهاز الأمن ليعودوا إليه كي يساعدوه ،ويدعموه بخبرتهم …
والجميل الذي أثاره الفيلم بحلقتيه هو معنى عميق لا يمكن تجاوزه :
حين تستدعي الحياة خبراتنا القديمة ، أو بمعنى آخر : كيف يجعل الخوف على الوطن خبراتنا تستيقظ
لحمايته ؟؟؟ وهو المعنى الذي أكدته الحلقة الثانية من الفيلم عندما تجند الثلاثة لمطاردة عصابة وتحويل
حفل إلى حلبة صراع كان لا بد من دخولها وخوض المغامرة …
وبهذا يحاول الفيلم بحلقتيه أن يبلغ رسالة مؤكدة بالأحداث أن الإنسان مهما تغير عمله ، أو انتقل إلى
حياة أخرى ، وقد يعتقد أن ما عاشه أصبح خلفه، لكن الخبرة التي اكتسبها تظل جزءًا من تكوينه. وميزة
الفيلم أو ماجعل الثلاثة مهمين هو انهم لم يعودوا الى الماضي باحثين عنه ، بل الحاضر هو الذي استدعاهم لان لديهم ما يحتاجه فيهم …
وما اكسب الفيلم بعدا إنسانيا يتجاوز اللغز البوليسي هو أن الثلاثة لم يعودوا لوظيفة قديمة بل كانت
عودتهم استدعاء لخبرة يستفيد منها الوطن …
الحفلة… عندما يصبح الاستدعاء رسميًا ..
بعد المغامرة في الحلقة الأولى والتي كانت بدافع الحس البوليسي يأتي استدعاء الخبرة لخدمة الوطن ….
والى هنا يستدير الكرسي الأحمر ليقول للمشاهد سنفتح الستار وننظر للشاشة معا ، ولا نريد أن نفسد
عليك متعة التشويق ….لنعود إليك ، ربما داخل مقالة أكثر قربا وتحليلا لأحداث فيلم ظل المدينة …

الدكتورة نزهة الماموني ناقدة سينمائية

