تعرف الساحة الفنية في المغرب نقصاً ملحوظاً في إنتاج الدراما التاريخية، وهو غياب يثير تساؤلات متكررة لدى المتابعين والمهتمين بالشأن الثقافي، خاصة أن التلفزيون المغربي نادراً ما يقدم أعمالاً درامية قادرة على بناء علاقة جمالية بين الماضي والحاضر. فالمشاهد لا يجد كثيراً من المسلسلات التي تستلهم التاريخ المغربي الغني وتحوّله إلى سرد بصري قادر على استحضار الذاكرة الجماعية وإعادة تقديمها ضمن رؤية فنية معاصرة. ويعكس هذا الوضع، في نظر كثيرين، نوعاً من القحط الإبداعي الذي يطبع الإنتاج التلفزيوني، ويكشف محدودية المشاريع الفنية التي يمكن أن تؤسس لتيار درامي جديد يستلهم التاريخ العريق للمغرب، بما يحمله من حضارات ومعالم أثرية ومعمارية تعكس تعاقب دول وثقافات تركت بصمتها في هذا البلد منذ قرون طويلة.
ورغم أن هذا التاريخ الثري يشكل مادة خصبة للخيال الدرامي، فإن الإنتاجات الرمضانية المغربية تظل في معظمها بعيدة عن هذا المجال، إذ تميل شركات الإنتاج إلى الأعمال الاجتماعية أو الكوميدية ذات الطابع الاستهلاكي اليومي، بينما تتراجع الدراما التاريخية إلى الهامش. ويُعزى ذلك في جانب منه إلى غياب كتاب سيناريو يمتلكون رؤية درامية قادرة على استثمار التاريخ المغربي وتحويله إلى نصوص قوية، فضلاً عن محدودية النقاش النقدي المتخصص في مجال الدراما التلفزيونية، الأمر الذي يساهم في انتشار تصورات سطحية حول هذا اللون الدرامي ويحول دون تطويره بشكل حقيقي.
وتطرح هذه الوضعية مجموعة من الأسئلة حول الأسباب الكامنة وراء غياب المسلسلات التاريخية في التلفزيون المغربي، من بينها كلفة الإنتاج المرتفعة التي تتطلبها مثل هذه الأعمال، إضافة إلى الحاجة إلى بحث تاريخي دقيق ووقت طويل في التوثيق والكتابة. كما أن إنجاز مسلسل تاريخي يفرض على صُنّاعه الانخراط في دراسة معمقة للسياقات السياسية والاجتماعية والثقافية للفترة التي يتناولها العمل، وهو ما قد يدفع بعض المنتجين والكتاب إلى تجنب هذا النوع من المشاريع لصعوبته وتعقيداته الفنية.
ورغم هذا الغياب على مستوى الإنتاج المحلي، فقد تمكن عدد من الممثلين المغاربة من التألق في أعمال تاريخية عربية، كما هو الحال مع الممثل Rabii Kati الذي جسد شخصية سليمان باشا الباروني في المسلسل الليبي Al-Za’eeman من إخراج Osama Razek. وقد تطلب هذا الدور عملاً بحثياً معمقاً لفهم أبعاد الشخصية التاريخية على المستويات النفسية والاجتماعية والسياسية، وهو ما مكن القاطي من تقديم أداء لافت توج من خلاله بجائزة “سبتيموس” كأفضل ممثل. ويبرز هذا المثال حجم الجهد الذي يتطلبه الاشتغال على الشخصيات التاريخية، حيث يحتاج الممثل إلى العودة إلى المصادر التاريخية ودراسة تفاصيل الشخصية من أجل تقديم صورة دقيقة عنها.
كما يحضر اسم الممثل المخضرم Mohamed Miftah كأحد أبرز الوجوه المغربية التي تركت بصمتها في الدراما التاريخية العربية، إذ شارك في عدد من الأعمال البارزة مثل فيلم The Message ومسلسلات Saqr Quraysh وRabi’ Qurtuba وMuluk al-Tawaif، وهي أعمال رسخت حضوره كأحد الممثلين المغاربة الذين نجحوا في تجسيد شخصيات تاريخية ضمن إنتاجات عربية ودولية.
وفي المقابل، يلاحظ المتابع أن بعض الأعمال المغربية التي توصف بالدراما التاريخية لا تتجاوز في كثير من الأحيان حدود استحضار مظاهر الماضي عبر الملابس والديكور واللغة، دون أن تقوم على فهم عميق للحدث التاريخي وسياقاته الزمنية والمكانية. فالعنصر التاريخي في الدراما لا يقتصر على الشكل الخارجي، بل يقوم أساساً على بناء درامي يستند إلى حدث تاريخي واضح ويستثمره ضمن رؤية سردية متماسكة. وإذا تأملنا الإنتاج التلفزيوني المغربي نجد أن ما يسمى أحياناً بالدراما التاريخية ينقسم إلى نوعين مختلفين.
النوع الأول يتمثل في الأعمال التراثية التي تستلهم الحكايات الشعبية والموروث الثقافي المغربي، مثل مسلسل Hdidan وأعمال أخرى مثل Dar Dmana وAin Kabrit، وهي أعمال تستمد مادتها من المخيال الشعبي أكثر مما تعتمد على وقائع تاريخية محددة. وقد حقق هذا النوع نجاحاً جماهيرياً كبيراً لأنه يستعيد قصصاً متجذرة في ذاكرة المجتمع، فيخلق لدى المشاهد شعوراً بالحنين والمتعة من خلال تحويل الحكايات الشعبية إلى صور درامية معاصرة.
أما النوع الثاني فيستند إلى أحداث تاريخية حقيقية لكنه لا يرقى إلى مستوى المسلسل التاريخي بالمعنى الدقيق، بسبب غياب الدقة في معالجة الوقائع والسياقات الزمنية، إذ غالباً ما يتم تقديم الشخصيات التاريخية في صورة مثالية تبرز الجوانب المضيئة فقط. وفي المقابل، يفترض بالدراما التاريخية أن تتجاوز هذا التصور المبسط، وأن تنفتح على الحياة الاجتماعية وتفاصيلها اليومية، مع إحياء القصص المنسية التي صنعت تاريخ المجتمع بعيداً عن السرد الرسمي للأحداث.
وتشير تجارب الدراما العالمية، خصوصاً التركية، إلى أن النجاح في هذا المجال لا يرتبط بالالتزام الصارم بالتوثيق التاريخي بقدر ما يعتمد على القدرة على تحويل الحدث التاريخي إلى خلفية فكرية تسمح ببناء صراعات درامية ثرية. فالمخرج لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع كما حدثت، بل يسعى إلى مزج التاريخ بالخيال، واستثمار التوترات الإنسانية الكامنة في الحكاية الدرامية. ومن هنا تصبح الدراما التاريخية مجالاً للإبداع الفني أكثر من كونها درساً توثيقياً في التاريخ.
إن قوة الصورة الدرامية قادرة على إحياء تفاصيل مهملة في الذاكرة الجماعية، لذلك فإن الاشتغال على الهوامش المنسية في التاريخ المغربي وتحويلها إلى قصص درامية قد يفتح الباب أمام مشروع فني جديد يعيد الاعتبار للدراما التاريخية. فمثل هذا التوجه يمكن أن يمنح التلفزيون المغربي فرصة لتجديد خطابه البصري وتجاوز الأنماط الدرامية التقليدية التي باتت تشكل عبئاً على الشاشة الصغيرة.
سينفيليا

