لا تبدو صورة الولايات المتحدة وإسرائيل في الدراما والسينما الإيرانية قالبا ثابتا بقدر ما تعكس تحولات السياسة وتقلبات اللحظة. فمنذ قيام الثورة عام 1979، لم تكتفِ طهران برسم عدو واحد بملامح جامدة، بل أعادت تشكيل خصمها وفق ما تفرضه ضرورات الداخل وحسابات الخارج، لتصبح “المواجهة” أداة سردية توظَّف للتعبئة أحيانا، ولضبط الإيقاع الداخلي أحيانا أخرى، ولصناعة خصم واضح المعالم حين تحتاج الحبكة إلى ذلك.
على الشاشة الإيرانية، تتكرر أنماط محددة للشخصية الأمريكية؛ فهي غالبا ما تظهر في هيئة عميل لوكالة الاستخبارات المركزية يتخفى خلف صفات دبلوماسية أو صحفية أو تجارية، ويعمل على اختراق البنية الداخلية وإشعال الفتن. وفي نمط آخر، يتجسد الأمريكي كشخصية متعجرفة تستبطن شعورا بالتفوق الحضاري، في انعكاس لرفض الهيمنة السياسية والثقافية. كما تحضر صورة “الرأسمالي المستغل” في الأعمال التي تعود إلى حقبة ما قبل الثورة، حيث يُقدَّم بوصفه شريكا في نهب النفط ودعم نظام الشاه.
أما الشخصية المرتبطة بالصهيونية فتظهر في الغالب ضمن صورة عميل الموساد الذي يجمع بين الذكاء الحاد والعنف المؤدلج، ويعمل أحيانا في تنسيق ضمني مع الاستخبارات الأمريكية، في إطار منظومة عدائية واحدة. وفي المقابل، تميز بعض الأعمال بوضوح بين اليهودي باعتباره جزءا من نسيج تاريخي ديني، والصهيونية كمشروع سياسي استعماري مرفوض.
برزت هذه التصورات بوضوح في مسلسل غاندو الذي عرض بين عامي 2019 و2020 بميزانية ضخمة وتصوير خارجي في عدة دول. استلهم العمل اسمه من تمساح يتربص في الأعماق، في إشارة إلى “الدولة العميقة” التي تتحرك بصمت قبل أن تنقض. تناول المسلسل قصة جاسوس مزدوج الجنسية يتخفى كصحفي، مستلهما قضية الصحفي الإيراني الأمريكي جيسون رضائيان، الذي أعيد تقديمه دراميا تحت اسم مختلف، في سردية تؤكد مركزية الاختراق الاستخباراتي في المخيال التلفزيوني الإيراني.
وفي مسلسل البيت الآمن (2020)، لا تحضر الولايات المتحدة وإسرائيل كشخصيات مباشرة بقدر ما تشكلان خلفية بنيوية للصراع. العمل ينسج خيوطا بين الإرهاب والفساد الاقتصادي وشبكات دولية أوسع، حيث تبدو واشنطن مركز نفوذ، بينما تظهر إسرائيل فاعلا استخباراتيا إقليميا. تتقاطع في السرد مهمتا مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، لتبلغ ذروتها بانتقال أحد الأبطال إلى تل أبيب، في إشارة رمزية إلى اتساع رقعة المواجهة.
أما مسلسل سرجوخه فينتمي إلى الدراما الوطنية الاجتماعية، ويقارب الصراع عبر شخصيتين تقفان على طرفي نقيض سياسي، إحداهما قريبة من مؤسسات الدولة، والأخرى منخرطة في فضاء التجسس الإلكتروني المرتبط بالغرب، بما يعكس صراعا داخليا يتقاطع مع الانقسام الدولي.
وفي مرايا لا تكسر، تتحول قضية البرنامج النووي إلى محور درامي، حيث تجد شابة نفسها عالقة بين شبكات وكالة الاستخبارات المركزية والموساد، في سردية تمزج بين البعد الإنساني والهواجس الأمنية.
سينمائيا، ذهب الفيلم القصير ضيف غير رسمي إلى تخييل اختطاف رئيس وزراء إسرائيل واحتجازه في طهران، في لحظة سياسية حساسة تتزامن مع مفاوضات مع واشنطن، وكأن الخيال هنا يتحول إلى رسالة مزدوجة: طمأنة الداخل بأن التفاوض لا يعني التراجع، وتذكير الخارج بأن أوراق الضغط متعددة.
ويستعيد الوثائقي انقلاب 53 حدث الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق عام 1953 بدعم بريطاني أمريكي، مقدما الرواية باعتبارها نقطة انطلاق لمسار طويل من التوتر وعدم الثقة بين طهران وواشنطن، ومفسرا جذور الغضب الشعبي من منظور تاريخي.
أما فيلم روباه (الثعلب) فكان من أوائل الأعمال التي عالجت دراميا ملف اغتيال العلماء النوويين، مسلطا الضوء على صراع استخباراتي معقد يركز على سباق المعلومات أكثر من المواجهة المباشرة، رغم أن هذا النوع ظل محدود الحضور مقارنة بالدراما الاجتماعية الواقعية التي تهيمن على السينما الإيرانية.
في المحصلة، تكشف هذه الأعمال أن صورة الولايات المتحدة وإسرائيل في الإنتاج الإيراني ليست مجرد انعكاس أيديولوجي، بل أداة سردية مرنة تُعاد صياغتها تبعا لموازين القوى والرسائل المراد تمريرها، بحيث يصبح العدو على الشاشة مرآة لتحولات السياسة بقدر ما هو خصم داخل الحكاية.
سينفيليا

