تظهر على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع درامية خاطفة لا تتجاوز مدتها دقيقة واحدة، لكنها سرعان ما تستحوذ على انتباه المستخدمين وتدفعهم إلى البحث عن بقية الأحداث. هذا هو العالم الذي فتحته مسلسلات «المايكرو دراما» المنتجة بالذكاء الاصطناعي والمترجمة إلى العربية، والتي انتشرت بشكل لافت عبر صفحات فيسبوك وغيرها، من بينها أعمال مثل «عروس في عالم المافيا» و«التنين أمبير»، لتطرح أسئلة حول سر جاذبيتها وسرعة تحولها إلى محتوى واسع التداول.
وتقوم «المايكرو دراما»، وفق المفهوم التجاري المتداول في الصين، على تقديم قصص متسلسلة موجهة أساسا لمستخدمي الهواتف الذكية. ويكمن الاختلاف بينها وبين المقاطع القصيرة التقليدية في اعتمادها حبكة متتابعة ونهايات مثيرة تترك المشاهد أمام أسئلة مفتوحة، وتحفزه على الانتقال مباشرة إلى الحلقة التالية، بحسب ما أورده موقع «فيترينا إيه آي».
وتتكون هذه المسلسلات غالبا من 60 إلى 100 حلقة، تتراوح مدة كل واحدة منها بين دقيقة ودقيقة ونصف، وقد تصل في بعض الحالات إلى دقيقتين أو ثلاث دقائق. كما تعتمد التصوير العمودي بنسبة 9:16، بما يتلاءم مع طبيعة المشاهدة عبر الهواتف المحمولة.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية عن اتساع هذا النشاط بوتيرة سريعة؛ إذ قدرت شركة أبحاث السوق «أومديا» عائدات الدراما القصيرة عالميا بنحو 11 مليار دولار خلال عام 2025، وهو رقم يقارب ضعف تقديرات سابقة بلغت 5.8 مليارات دولار. وتتصدر الصين هذا المجال، بسوق قدرت قيمتها بنحو 9.4 مليارات دولار في السنة ذاتها، وأكثر من 830 مليون مشاهد، تشير التقديرات إلى أن نحو 60 في المائة منهم يجرون معاملات مالية مرتبطة بهذا النوع من المحتوى. وفي الأسواق خارج الصين، يُتوقع أن ينمو القطاع بمعدل سنوي يصل إلى 28.2 في المائة.
ولا تقتصر عوامل توسع هذه الصناعة على الإقبال الجماهيري، بل تشمل أيضا انخفاض نفقات الإنتاج وسرعة إنجاز الحلقات. ووفقا للتقديرات المتداولة، تتراوح تكلفة الحلقة الواحدة بين 430 و1200 دولار، فيما يمكن إتمام مسلسل يضم 100 حلقة خلال عشرة أيام فقط. وفي الصين، انخفضت تكاليف الإنتاج بنحو 60 في المائة منذ عام 2022، مع توقعات باستمرار هذا الاتجاه، وهو ما يعزز جاذبية النموذج القائم على إنتاج كميات كبيرة من المحتوى في وقت قصير.
وعلى مستوى الجمهور العربي، برز مسلسل «عروس في عالم المافيا» مثالا واضحا على قدرة هذه الأعمال على الانتشار السريع. ففي 13 أغسطس الماضي، نشر أحد مستخدمي منصة «ريديت» استفسارا بشأن الحلقات المتبقية من مسلسل يحمل عنوان «بعد طلاقي: أصبحت زوجة الأب الروحي إكس إكس لارج». وبعد نحو شهر، بدأ العمل يظهر على صفحات عربية تحت عنوان مختلف، بالتوازي مع تداوله بأسماء أخرى باللغة الصينية والإنجليزية.
وفي 19 سبتمبر الماضي، صادفت إسراء نجيب، وهي ربة منزل مصرية وأم لثلاثة أطفال، المسلسل أثناء تصفحها فيسبوك. وتروي لموقع الجزيرة نت أنها لم تكن من المتابعات المعتادات لهذا النوع من الدراما، غير أن تسلسل الأحداث جعلها تنجذب إلى القصة وتبحث عن الحلقات اللاحقة، رغم إدراكها أن العمل أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، مضيفة أنها وجدت صعوبة في التوقف عن المشاهدة.
وتجربة إسراء لم تكن استثناء، إذ وجدت مايسة مصطفى نفسها بدورها تنتقل من صفحة إلى أخرى أملا في العثور على بقية الحلقات. وكانت تعتقد في البداية أن مشاهدة المسلسل كاملا ستتطلب تحميل تطبيق خاص، كما يحدث مع بعض الأعمال القصيرة، لكنها لم تعثر على مصدر واضح يجمع الحلقات، فواصلت البحث عبر صفحات مختلفة.
وانعكس هذا الاهتمام على صفحات التواصل الاجتماعي، التي تلقت طلبات متكررة من المتابعين لنشر المسلسل مترجما ومنظما بحسب تسلسل حلقاته. ومن بين أصحاب هذه الصفحات أمير الجزائري، مدير صفحة «هذه هي قصتي»، التي اعتادت نشر الحكايات المكتوبة دون تقديم أعمال درامية مصورة.
وأوضح الجزائري للجزيرة نت أن انتشار المسلسل فرض عليه مواكبة الإقبال المفاجئ، فبحث عن نسخه المتداولة عبر غوغل وفيسبوك وتيك توك ويوتيوب، قبل أن يعيد نشره مترجما، مشيرا إلى أن العمل حقق أرقاما في المشاهدة وصفها بغير المسبوقة بالنسبة إلى صفحته.
وفي السياق نفسه، تحدث مدير صفحة «خربشات» على فيسبوك عن تحقيق أكثر من مليون مشاهدة خلال ثلاثة أيام، موضحا أن قرار النشر جاء في ظل انتشار الحديث عن المسلسل بين المستخدمين. وعزا الإقبال إلى طبيعة قصته العاطفية، التي تجمع رجلا يتمتع بالقوة والنفوذ بامرأة تعيش ظروفا من الظلم، وهي حبكة يرى أنها تستهوي شريحة واسعة من الفتيات، اللواتي شكلن، بحسب قوله، النسبة الأكبر من المشاهدات.
لكن الانتشار الواسع لم يخل من إشكالات تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، خصوصا مع انتقال العمل بين مئات الصفحات والمجموعات، وإعادة نشره بصيغ مختلفة. ويرى مدير صفحة «خربشات» أن أصحاب الصفحات يدركون وجود حقوق مرتبطة بهذه الأعمال، مشيرا إلى أن بعضهم يجري تعديلات على المقاطع المنشورة. غير أن إدخال تغييرات على الفيديوهات لا يمنح، في حد ذاته، حق إعادة استخدامها أو الاستفادة التجارية منها دون موافقة أصحاب الحقوق، ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية بشأن حدود إعادة النشر وتحقيق الأرباح.
أما في ما يتعلق بأسباب الانتشار المفاجئ، فيستبعد الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن يكون نجاح هذه الأعمال مجرد نتيجة لتداول عفوي. ويعتبر، في تصريح للجزيرة نت، أن العامل التجاري حاضر بقوة، حتى عندما لا تكون هوية الجهة المنتجة واضحة للمشاهد. فانتشار المقاطع قد يوجه الجمهور نحو المنصات الأصلية بحثا عن بقية الحلقات، بما يتيح فرصا للاشتراك وتحقيق الإيرادات، فضلا عن إمكانية استفادة الأطراف المعنية من العوائد المرتبطة بتوزيع المحتوى، وفق طبيعة الاتفاقات القائمة.
وفي المقابل، لا يتوقع عبد الخالق أن تحقق هذه الأعمال في العالم العربي مستوى النجاح نفسه الذي تسجله في أسواق أخرى، معتبرا أن كثيرا منها يعتمد على قصص مباشرة ومبالغة في التشويق والإثارة، دون أن يمنح العناصر الفنية والإتقان السردي القدر نفسه من الاهتمام.
ومن زاوية علم النفس، يربط كين فونغ، وهو عالم نفس في هونغ كونغ، الانجذاب المتزايد إلى «المايكرو دراما» بالطريقة التي تُبنى بها حلقاتها. فقد أوضح أن تجربته الأولى بدأت بالضحك من بساطة القصة، قبل أن يجد نفسه مندمجا في الأحداث ومشاهدا لعدة حلقات متتالية. ودفعه ذلك إلى محاولة فهم الآليات التي تجعل هذا المحتوى قادرا على استقطاب المشاهدين وإبقائهم في حالة ترقب مستمر.
وتتمثل إحدى أبرز هذه الآليات في إنهاء الحلقات عند لحظات حاسمة، إلى جانب التحولات المفاجئة في مسار القصة والتطورات التي لا تمنح المشاهد إجابات كاملة. ويؤدي ذلك إلى تعزيز الرغبة في معرفة ما سيحدث لاحقا، فتتحول مشاهدة حلقة واحدة إلى سلسلة من المتابعات المتعاقبة، في ظل مكافآت نفسية سريعة قد ترتبط بنظام الدوبامين المسؤول عن جوانب من التحفيز والتوقع.
وتضيف دراسة صينية منشورة عام 2026، بعنوان «تطوير وتأكيد مقياس تحفيز إدمان الدراما القصيرة»، تفسيرات أخرى لهذا التعلق، إذ تشير إلى أربعة عوامل أساسية: إتاحة مساحة للهروب الخيالي والإشباع النفسي، وتقديم محتوى لا يتطلب جهدا معرفيا كبيرا، وتوفير التشتيت والمكافأة السريعة، فضلا عن منح بعض المشاهدين شعورا مؤقتا بالتواصل والانتماء من خلال الانغماس في عالم الشخصيات والعلاقات التي تعرضها الحكايات.
وبين انخفاض تكاليف الإنتاج، وسرعة نشر الحلقات، واعتماد الحبكات على التشويق المتواصل، تتقدم «المايكرو دراما» بوصفها نموذجا جديدا لاستهلاك المحتوى المرئي عبر الهواتف. غير أن انتشارها يثير، في الوقت نفسه، نقاشا حول القيمة الفنية لهذه الأعمال، وتأثيرها في سلوك المشاهدة، وحقوق استخدامها، ومدى قدرة هذا الشكل الدرامي السريع على التحول إلى صناعة مستدامة في الأسواق العربية.
سينفيليا

