فقدت السينما الأمريكية الممثل ريتشارد ريلي، الذي صنع لنفسه مكانة خاصة بين ممثلي الأدوار المساندة، بفضل حضوره اللافت وقدرته على تقديم شخصيات متنوعة في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. ورحل الفنان، المعروف بشاربه الكثيف وأدائه الكوميدي في فيلم «Office Space»، عن عمر بلغ 78 عاما.
وذكرت تقارير إعلامية أن ريلي توفي في لوس أنجلوس يوم الخميس لأسباب طبيعية، فيما أكد ممثلوه في شركتي «Artists & Representatives» و«Wright Entertainment» نبأ وفاته في بيان أشار إلى رحيله خلال عطلة نهاية الأسبوع، دون تقديم معلومات إضافية عن ظروف الوفاة.
وامتدت تجربة ريلي الفنية لعقود، شارك خلالها في إنتاجات سينمائية وتلفزيونية عديدة، مقدما أدوارا تراوحت بين الكوميديا والدراما. ومن أبرز مشاركاته ظهوره في فيلم «The Fugitive» سنة 1993، حيث جسد حارسا يساعد شخصية ريتشارد كيمبل، التي أداها هاريسون فورد، على الهرب من الاحتجاز. كما أدى دور مسؤول تموين عنصري في فيلم «Glory» سنة 1989، وظهر في «Casino» للمخرج مارتن سكورسيزي سنة 1995 في شخصية مصرفي مرتبط برجال العصابات، فضلا عن تجسيده والد شخصية روب شنايدر في الكوميديا «Deuce Bigalow: Male Gigolo» سنة 1999.
وفي التلفزيون، اكتسب ريلي شهرة إضافية من خلال مشاركته في المسلسل الكوميدي «Grounded for Life»، الذي عرض بين عامي 2001 و2005، وأدى فيه شخصية والت فينيرتي، والد الشخصية التي جسدها دونال لوغ، على امتداد مواسمه الخمسة. كما سجل حضوره في عالم الخيال العلمي عبر مشاركات في ثلاث سلاسل من «Star Trek»، هي «The Next Generation» و«Voyager» و«Enterprise».
ومن الشخصيات التي اعتاد الجمهور رؤيته فيها شخصية سانتا كلوز، التي جسدها في أكثر من عمل، من بينها فيلم «A Very Harold & Kumar Christmas» الصادر عام 2011. وقد ساهم تنوع أدواره في ترسيخ صورته ممثلا قادرا على الاندماج في أنماط فنية مختلفة، حتى عندما يتعلق الأمر بمساحات ظهور محدودة.
وعقب الإعلان عن وفاته، نشر الممثل دونال لوغ رسالة تأبين أشاد فيها بخصال زميله الراحل، واصفا إياه بالإنسان الرائع والفنان المحترف الذي جمع بين التواضع واللطف والإتقان. وأعرب عن تقديره للوقت الذي أمضاه إلى جانبه، مؤكدا أن العمل معه كان تجربة مميزة.
ويكشف حجم مشاركات ريلي عن مسيرة استثنائية في مجال الأدوار المساندة، إذ تشير بيانات موقع «IMDb» إلى أن رصيده تجاوز 430 عملا تمثيليا. ويظل فيلم «Office Space»، الذي أخرجه مايك جادج وعرض سنة 1999، من أبرز الأعمال المرتبطة باسمه، بفضل شخصية توم سميكوفسكي التي قدمها بأسلوب ساخر.
وفي الفيلم، يؤدي ريلي دور موظف يفقد عمله في شركة «Initech»، قبل أن يحصل على تعويض مالي كبير عقب تعرضه لحادث دهس، فيستثمر المبلغ في تحقيق حلم غير مألوف يتمثل في ابتكار بساط يحمل اسم «Jump to Conclusions»، يقوم على فكرة ساخرة مفادها الوصول إلى استنتاجات مختلفة من خلال القفز بين خاناته.
ومن المشاهد التي ظلت عالقة في ذاكرة المشاهدين ظهور توم على كرسي متحرك، واضعا دعامة طبية حول رأسه. وفي مقابلة مع موقع «A.V. Club» سنة 2017، روى ريلي أن تصوير المشهد تطلب الاستعانة بمسعف لتثبيت المعدات الطبية والجبائر، بسبب غياب متخصص في المؤثرات الخاصة خلال ذلك اليوم.
وأوضح أنه قضى ما يقارب ثماني أو تسع ساعات على الكرسي المتحرك وهو يرتدي الجبائر، قبل أن يتمكن أحد مساعدي الإنتاج من إزالتها في نهاية التصوير. كما تحدث عن مصير البساط الشهير، مؤكدا أنه لم يتمكن من العثور عليه، وأن مخرج الفيلم مايك جادج نفسه لم يكن يعرف مكانه. وأضاف أنه سأله عنه خلال لقائهما أثناء العمل على فيلم «Extract» سنة 2009، فأخبره بأن البساط اختفى.
ولد ريلي في 12 ماي 1948 بمدينة مينوموني فولز بولاية ويسكونسن، وكان واحدا من سبعة أبناء. عملت والدته ماري مارغريت في التمريض، فيما كان والده هربرت موظفا في مصلحة البريد، قبل أن يفارق الحياة عندما كان ابنه في الثانية من عمره.
وتخرج ريلي في جامعة نوتردام سنة 1970، حيث انخرط في الأنشطة المسرحية، فشارك في التمثيل وتصميم الديكورات وتولى مهام إدارة الخشبة. وبعد ذلك، درس اللغة الألمانية خارج الولايات المتحدة، قبل أن يتابع تكوينه الفني في أكاديمية الفنون الدرامية بجامعة أوكلاند في مدينة روتشستر بولاية ميشيغان.
وشكلت مشاركاته في المسرح الجهوي بمنطقة شمال غرب المحيط الهادئ مرحلة مهمة في بداياته، إذ مهدت له الطريق للعمل في السينما. وكانت أولى تجاربه في هذا المجال ظهوره ككومبارس في فيلم «Rooster Cogburn» سنة 1975، الذي جمع جون واين وكاثرين هيبورن، قبل أن يحصل على دور ناطق في فيلم «Joyride» سنة 1977، مجسدا شخصية نادل إلى جانب ديزي أرناز الابن وميلاني غريفيث.
وعلى خشبة برودواي، ظهر ريلي سنة 1986 في مسرحية «Execution of Justice» للكاتبة إميلي مان، التي تناولت محاكمة دان وايت على خلفية اغتيال عمدة سان فرانسيسكو جورج موسكون وعضو مجلس المدينة هارفي ميلك سنة 1978. ثم عاد إلى برودواي سنة 1999، مشاركا كيفن سبيسي بطولة إحياء مسرحية «The Iceman Cometh»، في دور الشرطي السابق الفاسد بات ماكغلون، وهو العمل الذي حصل على خمسة ترشيحات لجوائز توني.
وشملت أفلامه الأخرى «Black Rain» سنة 1989، و«Fried Green Tomatoes» و«Shadows and Fog» سنة 1991، و«Free Willy» و«Body of Evidence» سنة 1993، و«Stuart Saves His Family» سنة 1995، و«Executive Decision» و«Ghosts of Mississippi» سنة 1996. كما شارك في «Lethal Weapon 4» و«Mercury Rising» سنة 1998، و«The Fluffer» سنة 2001، و«Bridesmaids» سنة 2011، وصولا إلى «The Cowboy Killer» سنة 2026.
أما على مستوى المسلسلات، فقد جسد شخصية مدير المدرسة إد روني في النسخة التلفزيونية من «Ferris Bueller»، التي عرضتها شبكة «NBC» بين عامي 1990 و1991. وشارك كذلك في مجموعة من الأعمال الشهيرة، من بينها «The West Wing» و«Buffy the Vampire Slayer» و«The Golden Girls» و«Boston Legal» و«ER» و«NCIS» و«Modern Family» و«L.A. Law» و«The Middle» و«Maron» و«Barry».
ويترك ريلي وراءه سجلا فنيا حافلا بالتجارب والشخصيات، بعدما أمضى سنوات طويلة في إثراء السينما والتلفزيون بأدوار متنوعة، أثبت من خلالها أن الشخصيات المساندة يمكن أن تتحول، بفضل الأداء المتقن والحضور المميز، إلى جزء لا ينسى من ذاكرة الأعمال الفنية.
سينفيليا

