الرئيسية ⁄ السينما العالمية ⁄ نجلاء سعيد تستعيد إرث والدها إدوارد سعيد في فيلم وثائقي جديد

نجلاء سعيد تستعيد إرث والدها إدوارد سعيد في فيلم وثائقي جديد

إدوارد سعيد

تعود الممثلة والكاتبة الفلسطينية الأمريكية نجلاء سعيد إلى حياة والدها، المفكر والناقد الأدبي إدوارد سعيد، من خلال فيلم وثائقي جديد يسعى إلى تقديم صورة إنسانية وفكرية متكاملة عنه، تجمع بين مسيرته الأكاديمية ومواقفه السياسية وارتباطه العائلي وشغفه بالموسيقى. ويأتي هذا العمل في سياق أعادت فيه الحرب على غزة إحياء النقاش حول تمثيل الفلسطينيين في وسائل الإعلام، وحقهم في التعبير عن تجاربهم ورواية تاريخهم بأنفسهم.
وفي مقابلة مع مجلة «فارايتي»، أوضحت نجلاء سعيد أن فيلم «إدوارد سعيد: بين عالمين» (Edward Said: Between Worlds) انطلق من رغبة العائلة في التعريف بجوانب متعددة من شخصية والدها، بعيداً عن الصورة التي تختزله في مواقفه السياسية وحدها. ويعتمد العمل على تسجيلاته وكلماته ومواد أرشيفية تتيح للجمهور الاقتراب من أفكاره وتجربته الشخصية.
وتولت مايكن بيرد إخراج الفيلم، فيما شارك أليكس غيبني في إنتاجه، وأسهمت نجلاء بصفتها منتجة استشارية، من خلال توفير تسجيلات منزلية وصور ووثائق أرشيفية تساعد على استعادة محطات من حياة المفكر الفلسطيني الراحل.
وعُرض الوثائقي ضمن فعاليات مهرجاني تورنتو ونيويورك السينمائيين، بينما لا يزال يسعى إلى العثور على موزع يتيح وصوله إلى جمهور أوسع. ويستعيد الفيلم مسيرة إدوارد سعيد، الذي ارتبط اسمه بكتاب «الاستشراق» الصادر عام 1978، والذي قدم فيه قراءة نقدية للطريقة التي صوّر بها الفكر الغربي الشرق، وعلاقة هذه التصورات بموازين السلطة والنفوذ.
كما يتناول العمل مسيرته أستاذاً للأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأمريكية، ودفاعه المستمر عن حقوق الشعب الفلسطيني، إلى جانب اهتمامه بالموسيقى، سواء من خلال عزف البيانو أو الكتابة النقدية عنها. وتقول نجلاء إن والدها اختار في سنواته الأخيرة تقليص مشاركاته في بعض المقابلات التلفزيونية، بعدما بات يشعر بأن ما تتيحه له من تأثير لم يعد يتناسب مع الإرهاق الذي تسببه له.
وتطرقت أيضاً إلى مسألة مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لوالدها، معربة عن اعتقادها بأنه كان يدرك احتمال خضوعه للمراقبة. واستعادت في هذا السياق ذكرى من طفولتها، حين كانت تمزح مع إحدى صديقاتها عبر الهاتف بشأن احتمال التنصت على مكالماتهما، قبل أن تدرك لاحقاً أن الأمر لم يكن مجرد فكرة طريفة، بل احتمالاً يرتبط بمخاوف حقيقية أحاطت بالعائلة.
وانتقلت نجلاء من سيرة والدها إلى انتقاد الطريقة التي تتناول بها وسائل الإعلام الأمريكية القضية الفلسطينية، معتبرة أن اتساع نطاق التضامن مع الفلسطينيين لم ينعكس بالضرورة على حجم المساحة الممنوحة لهم للتعبير عن أنفسهم. وترى أن بعض المؤسسات الإعلامية لا تزال تفضل استضافة شخصيات يهودية أو إسرائيلية من التيار اليساري لمناقشة القضية، بدلاً من إتاحة الفرصة للفلسطينيين لعرض تجاربهم ومواقفهم مباشرة.
واستحضرت تجربتها خلال الاعتصامات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين في جامعة كولومبيا، مشيرة إلى أنها شاهدت داخل الحرم الجامعي طلاباً ينخرطون في القراءة والنقاش ويتشاركون تفاصيل حياتهم اليومية، بينما بدت الصورة التي قدمتها بعض النشرات الإخبارية مختلفة عن المشهد الذي عاينته بنفسها. واعتبرت أن التباين بين الواقع والتغطية الإعلامية كان سبباً في شعورها بالغضب والإحباط.
كما انتقدت تعامل الجامعة مع إرث والدها، معتبرة أن الاحتفاء بأرشيفه المحفوظ في مكتبة «باتلر» يثير تساؤلات عند مقارنته بطريقة تعامل المؤسسة مع الاحتجاجات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين. وأشارت إلى أن الجامعة سبق أن دافعت عن الحرية الأكاديمية لإدوارد سعيد عقب الجدل الذي أثارته واقعة إلقائه حجراً خلال زيارة إلى جنوب لبنان، معربة عن شكوكها في أن تتبنى المؤسسة الموقف ذاته في الظروف الراهنة.
وبالنسبة إلى نجلاء، لا يقتصر ارتباطها بجامعة كولومبيا على إرث والدها الفكري، بل يمتد إلى ذكريات طفولتها وحياة أسرتها، الأمر الذي جعل شعورها بتغير أجواء الحرم الجامعي أكثر إيلاماً في ظل الحرب على غزة.
وفي سياق حديثها عن المشهد الإعلامي، وجهت نجلاء انتقادات إلى الصحفية باري فايس، معبرة عن قلقها إزاء تنامي نفوذها الإعلامي ومواقفها المؤيدة لإسرائيل. وربطت اعتراضها بنشاط فايس خلال دراستها في جامعة كولومبيا، حين خاضت حملات ضد أساتذة اتهمتهم بالتحيز ضد إسرائيل، معتبرة أن صعودها المهني يثير تساؤلات بشأن العلاقة بين النفوذ الإعلامي والمواقف من الحقوق الفلسطينية.
وأبدت كذلك مخاوف بشأن التحولات التي تعرفها ملكية وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، مع التركيز على منصة «تيك توك»، التي ترى أنها ساهمت في إيصال الرواية الفلسطينية إلى شرائح شابة من الجمهور. واعتبرت أن التغييرات المرتبطة بالسيطرة على هذه المنصات، في ظل مواقف بعض المستثمرين المؤيدة لإسرائيل، تفتح نقاشاً حول مستقبل وصول المحتوى الفلسطيني إلى المستخدمين.
وفي المقابل، تحدثت عن أشكال التضامن التي وجدتها لدى أصدقائها السود ومن خلفيات عرقية مختلفة، مشيرة إلى أنها فقدت بعض صداقاتها القديمة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، بينما وجدت لدى آخرين تفهماً أعمق لتجربتها الفلسطينية. وربطت هذا التقارب بالنقاشات المتعلقة بمناهضة العنصرية وبحركة «حياة السود مهمة»، التي ساعدت، بحسب رؤيتها، على بناء جسور بين قضايا العدالة المختلفة.
وأشادت نجلاء بمواقف مغني الراب ماكليمور الداعمة للفلسطينيين، معتبرة أن حضوره في هذا النقاش يعكس، من وجهة نظرها، فهماً يتجاوز التصريحات العابرة. كما تناولت الجدل المحيط بمواقف الفنانين، ومن بينهم ماكليمور وإد شيران، مشيرة إلى أن التداخل بين حرية التعبير والنفوذ المالي والمواقف من القضية الفلسطينية أسهم في توسيع نطاق النقاش حولها.
وأعلنت كذلك دعمها للسياسي زهران ممداني، الذي تربط عائلته علاقات قديمة بعائلتها، موضحة أنها تنظر إليه بوصفه سياسياً ديمقراطياً يعمل من داخل المؤسسات القائمة، مع إدراكها للقيود التي يفرضها العمل السياسي على طبيعة القرارات والمواقف الممكنة.
وعلى الصعيد السينمائي، تطرقت نجلاء إلى الصعوبات التي تواجه الأفلام المرتبطة بفلسطين في الوصول إلى التوزيع التجاري، رغم الاهتمام الذي تحظى به موضوعاتها لدى قطاعات من الجمهور. وأوضحت أن خبرتها في مجال التمثيل جعلتها تدرك طبيعة هذه العقبات، لكنها أعربت عن استيائها من استمرارها، خصوصاً أن السينما تظل، في نظرها، إحدى الوسائل القادرة على نقل القصص الإنسانية إلى جمهور واسع والتأثير في نظرته إلى القضايا المعقدة.
وتأمل نجلاء أن يجد فيلم «إدوارد سعيد: بين عالمين» جهة تتولى توزيعه، مشيرة إلى أن اعتماده على الأرشيف وتناوله سيرة شخصية فكرية قد يتيحان له مساراً مختلفاً عن الأفلام التي تركز مباشرة على الأحداث الجارية، مثل «لا أرض أخرى» و«نازا». وفي الوقت نفسه، أقرت بأن تأمين التمويل وإقناع الشركاء بالمشاركة في إنتاج العمل لم يكونا مهمتين سهلتين.
وتطمح ابنة إدوارد سعيد إلى أن يشجع الفيلم، ولا سيما بين فئة الشباب، على التعمق في تاريخ فلسطين والتعرف إلى التجارب التي عاشها الفلسطينيون. كما ترى أن التسجيلات العائلية التي صُورت بكاميرات «سوبر 8» تحمل قيمة تتجاوز الذكريات الخاصة، إذ توثق ملامح من مجتمع فلسطيني غاب عن حياة العائلة، وتربط الذاكرة الشخصية بالتاريخ الذي يسعى الوثائقي إلى استعادته.
وبالنسبة إلى نجلاء، لا يتمثل الهدف النهائي في تقديم صورة جديدة عن والدها فحسب، بل في إتاحة الفرصة للجمهور للتعرف إليه بعيداً عن الأطر السياسية المعتادة، واكتشاف الإنسان والمثقف والموسيقي الذي عاش خلف صورته العامة. كما تأمل أن يفتح الفيلم مجالاً أوسع لفهم التجربة الفلسطينية، وأن يسهم في ترسيخ حق الفلسطينيين في سرد حكاياتهم وحفظ ذاكرتهم الجماعية.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *