الرئيسيةالسينما العالميةريدلي سكوت يكشف أسرار مسيرته الطويلة ويستعيد أبرز محطات حياته

ريدلي سكوت يكشف أسرار مسيرته الطويلة ويستعيد أبرز محطات حياته

السينما العالمية

في حوار صريح ونادر، يستعيد المخرج البريطاني المخضرم ريدلي سكوت أبرز محطات مسيرته الممتدة لنحو خمسة عقود، متحدثاً عن تجربته في صناعة الأفلام، وأسلوبه في إدارة مواقع التصوير، والدروس التي راكمها خلال مسيرة طويلة جعلته واحداً من أبرز المخرجين في تاريخ السينما العالمية.

جاء الحوار ضمن كتاب جديد يضم مقابلات مع عدد من الشخصيات التي يحظى بها صاحب الكتاب بإعجاب كبير، وكان سكوت، بحسب روايته، أكثر المخرجين الذين أراد محاورتهم. والمفارقة أن أول لقاء جمعهما لم يكن في موقع تصوير، بل خلال مأدبة غداء مرتبطة بموسم جوائز الأوسكار في نيويورك عام 2016.

كان صاحب الحوار حينها يشارك في الحملة الترويجية لفيلم “Meru”، بينما كان ريدلي سكوت والممثل مات ديمون يروجان لفيلم “The Martian”. ورغم أن الكاتب كان يعرف ديمون من خلال مدرب رياضي تجمعه به صداقة، فإنه لم يسبق له أن التقى سكوت، الأمر الذي جعله يشعر بالتوتر والرهبة أمام المخرج الذي ارتبط اسمه بأعمال سينمائية شهيرة.

ويعود صاحب الحوار بذاكرته إلى طفولته، حين شاهد فيلم “Alien” للمرة الأولى في بداية الثمانينيات، من دون أن يعرف آنذاك اسم مخرجه. وبعد سنوات، وخلال دراسته الجامعية، شاهد النسخة المخرجة من “Blade Runner”، ليدرك أن الفيلم والمغامرة السينمائية المرعبة التي أثرت فيه خلال طفولته يقف وراءهما الشخص نفسه: ريدلي سكوت.

ومنذ ذلك الحين، تحول سكوت في نظره إلى أيقونة سينمائية، خصوصاً مع قائمة طويلة من الأعمال التي حملت بصمته، من “Thelma & Louise” و”Black Hawk Down” و”Hannibal” و”Gladiator” إلى “Prometheus” و”Robin Hood”، وغيرها من الأفلام التي رسخت مكانته في هوليوود.

لكن السؤال الذي كان يشغل الكاتب لم يكن متعلقاً بما يعرفه سكوت في مجال الإخراج، بقدر ما كان يتعلق بقدرته على الاستمرار بهذا المستوى طوال هذه السنوات، مع الحفاظ على حضوره الإبداعي وإنتاجه المتواصل.

وبعد سنوات من ذلك اللقاء، وجد الكاتب نفسه يفكر في سكوت أثناء إخراجه فيلم “Nyad”، بسبب الكم الهائل من القرارات التي يتعين على المخرج اتخاذها يومياً. فكل تفصيل، مهما بدا صغيراً، يمكن أن يمر عبر المخرج، بدءاً من اختيار صورة تعلق على أحد جدران الديكور، وصولاً إلى تحديد مواقع عشرات الممثلين الإضافيين واختيار الملابس المناسبة لكل واحد منهم.

ويقول صاحب التجربة إنه أحب بشكل خاص كثافة العمل التي رافقت إخراج “Nyad”، وهي تجربة جعلته يقدّر أكثر حجم الإنجاز الذي حققه ريدلي سكوت على مدار عقود. فبينما كان فيلمه محدوداً من حيث الشخصيات والأماكن والزمن، اشتغل سكوت على مشاريع ضخمة مثل “Blade Runner” و”Alien” و”Robin Hood”، إضافة إلى أفلام تطلبت مواقع واسعة وآلاف المشاركين، مثل “Kingdom of Heaven” و”Black Hawk Down” و”Prometheus”.

وخلال السنوات العشر التي أعقبت ذلك اللقاء، أخرج سكوت سبعة أفلام أخرى، هي “Alien: Covenant” و”All the Money in the World” و”The Last Duel” و”House of Gucci” و”Napoleon” و”Gladiator II” و”The Dog Stars”، وهو إيقاع إنتاجي لافت بالنسبة إلى مخرج في عمره.

وخلال الحوار، تحدث سكوت عن طفولته وتأثير أسرته في تكوين شخصيته. وقال إن والدته علمته أهمية المثابرة وعدم الاستسلام، بينما كان شقيقه الأصغر توني سكوت، الذي أصبح لاحقاً مخرجاً معروفاً، وراء تجربة كادت تنتهي بكارثة عندما اصطحبه لتسلق الصخور في منطقة يوركشاير.

وتذكر سكوت كيف حاول تسلق جدار صخري مرتفع باستخدام الحبل الذي ثبته شقيقه، قبل أن تفقد ذراعاه قوتهما ويسقط معلقاً بالحبل. ويرى أن تلك التجربة المبكرة علمته أهمية التوازن، كما أن والدته غرست فيه منذ الصغر الإصرار على مواصلة الطريق وعدم قبول كلمة “لا” بسهولة.

وأوضح أن صناعة الأفلام تتطلب هذه الروح تحديداً، لأن المشروع الذي يعمل عليه المخرج لعدة أشهر يمكن أن يتوقف فجأة بسبب قرار من الاستوديو. وفي هذه الحالات، يرى سكوت أن الحل هو البحث عن طريق آخر، مؤكداً أن الاستمرار جزء أساسي من المهنة.

بعد دراسته في الكلية الملكية للفنون في لندن خلال خمسينيات القرن الماضي، عمل سكوت في تصميم الديكورات لصالح هيئة الإذاعة البريطانية، ثم اتجه إلى إخراج الإعلانات التجارية. ويقول إنه أنجز أكثر من ألفي إعلان، معتبراً أن هذه التجربة لعبت دوراً محورياً في نجاحه السينمائي لاحقاً؛ فدراسة الفن ساعدته على معرفة ما يريد التعبير عنه، بينما علمته الإعلانات كيفية جذب انتباه الجمهور.

ومن بين الأفلام التي توقف عندها الحوار مطولاً “Black Hawk Down”، وهو العمل الذي يقول الكاتب إنه شاهده نحو 25 مرة، وظل يتساءل طويلاً عن الطريقة التي تمكن بها سكوت من تصوير أحداثه الحربية الكثيفة بهذا القدر من الواقعية والحيوية، مع الحفاظ على وضوح الحركة واستمراريتها رغم تعدد المواقع والشخصيات.

وكشف سكوت أن الفيلم استند إلى أحداث معركة مقديشو التي امتدت لنحو 18 ساعة، وشارك فيها عدد كبير من الجنود والمروحيات والمركبات داخل مدينة كاملة، ما فرض تحدياً بصرياً هائلاً.

وللتعامل مع هذا التعقيد، اعتمد سكوت على خبرته الطويلة في مجال الإعلانات، واستخدم 11 وحدة تصوير تعمل في الوقت نفسه من زوايا مختلفة. وبذلك استطاع تصوير الأحداث المتزامنة من عدة مواقع، ثم تركيبها في المونتاج بحيث يشعر المشاهد بأنه وسط المعركة ويتابع تطوراتها المتعددة في اللحظة نفسها.

ويرى سكوت أن استخدام هذا العدد الكبير من الكاميرات لا يجعل الإنتاج أكثر تكلفة بالضرورة، بل يمكن أن يقلل عدد أيام التصوير بشكل كبير. وضرب مثالاً بفيلم “Napoleon”، الذي أنجزه خلال 42 يوماً بدلاً من 130 يوماً، و”Gladiator II” الذي صوره في 47 يوماً بدلاً من 120 يوماً.

وتطرق الحوار كذلك إلى تجربة انتقال صاحب الكتاب من إخراج الأفلام الوثائقية إلى الأفلام الروائية، وهي خطوة واجه خلالها تساؤلات حول قدرته على التعامل مع الممثلين، بعدما اعتاد العمل لسنوات مع الرياضيين المحترفين.

وعندما بدأ إخراج “Nyad”، الذي شاركت فيه أنيت بينينغ وجودي فوستر، طلب نصائح من عدد محدود من الممثلين الذين يعرفهم. وكان التحذير المشترك بينهم أن المخرج المبتدئ يميل إلى الإفراط في توجيه الممثلين، والتحدث كثيراً أثناء العمل، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان تركيزهم وإرباك أجواء التصوير.

وأكد سكوت هذا التصور، موضحاً أن الممثلين المحترفين لا يحتاجون إلى شرح طويل قبل كل لقطة، بل إلى توجيهات مباشرة ومختصرة مثل الإسراع أو الإبطاء أو رفع الصوت. وأشار إلى أن الممثل المتمرس يأتي إلى موقع التصوير وقد بنى بالفعل تصوراً واضحاً للشخصية والمشهد، ولذلك ينبغي للمخرج أن يترك له مساحة للإبداع.

وبالنسبة إلى سكوت، فإن الثقة لا ينبغي أن تقتصر على الممثلين، بل يجب أن تشمل جميع أفراد فريق العمل. فهو يؤمن بأن المخرج لا يستطيع إنجاز فيلم كبير بمفرده، وأن جودة الفريق المحيط به تصبح أكثر أهمية كلما تطورت خبرته.

وتحدث كذلك عن حجم الفرق التي عمل معها، مشيراً إلى أن فريق “Napoleon” وصل إلى نحو 1200 شخص، بينهم مئات من المشاركين وخيول وفرق متخصصة في الملابس والمكياج وغيرها. وروى موقفاً طريفاً مع خواكين فينيكس، الذي يؤدي شخصية نابليون، عندما شعر بالرهبة من ضخامة موقع التصوير، فما كان من سكوت إلا أن حاول تخفيف توتره وإقناعه بأن كل ما يحيط به مجرد ديكور.

وفي “Gladiator II”، لجأ سكوت إلى الأسلوب نفسه مع بول ميسكال عندما رأى الممثل ضخامة ديكور الكولوسيوم الروماني والحشود الموجودة حوله، مؤكداً له ألا يسمح لحجم الموقع بأن يسيطر عليه نفسياً.

ويولي سكوت أهمية كبيرة للحسم وسرعة اتخاذ القرار. ويقول إنه يدخل موقع التصوير وهو يمتلك خطة واضحة، لكنه قد يغير اتجاهه في اللحظة الأخيرة إذا خطرت له فكرة جديدة. وفي هذه الحالة، يرى أن على المخرج أن يثق بحدسه وأن يحدد الاتجاه بسرعة، لأن التردد قد يربك فريق العمل.

في الوقت نفسه، يعترف سكوت بأنه كان سريع الغضب في بداياته، لكنه تعلم لاحقاً السيطرة على انفعالاته. ويؤكد أن الصراخ والغضب وتحطيم الأشياء لا تجعل الفريق يحترم المخرج، بل قد تدفع العاملين إلى الشعور بالتوتر، وهو ما ينعكس سلباً على أدائهم. لذلك يرى أن المخرج الناجح ينبغي أن يكون هادئاً، واثقاً، حازماً، ويفضل أن يحتفظ بروح الدعابة حتى في أصعب الظروف.

أما بالنسبة إلى النقد، فيعتقد سكوت أن المخرج يجب أن يكون ناقد نفسه الأول والأخير. واستعاد الهجوم القاسي الذي تعرض له فيلم “Blade Runner” عند عرضه، خصوصاً من الناقدة السينمائية بولين كايل في مجلة “The New Yorker”. ورغم أن المقال كان مؤذياً له في حينه، فإنه احتفظ به مؤطراً ومعلقاً على الحائط، ليذكر نفسه بأهمية عدم السماح للآخرين بتحديد قيمة العمل بالنسبة إلى صاحبه.

ويختصر سكوت واحداً من أهم الدروس التي تعلمها خلال مسيرته في عبارة بسيطة: “اتخذ قرارك بسرعة”.

وأوضح أن وفاة شقيقه الأكبر فرانك بعد إصابته بسرطان الجلد أثرت فيه بشدة، خصوصاً أنه كان في تلك الفترة يعمل على مشروع “Dune”. وبعد توقف المشروع، ابتعد عن العمل السينمائي لسنوات قبل أن يعود بفيلم “Blade Runner”. ويعتقد أن تلك المرحلة علمته لاحقاً عدم إضاعة الكثير من الوقت في التفكير في المشروع المقبل.

ومع مرور السنوات، تسارعت وتيرة عمله حتى وصل رصيده إلى 29 فيلماً روائياً. ويختصر فلسفته المهنية في ضرورة إنجاز الفيلم ثم الانتقال إلى الفيلم التالي، من دون الإفراط في التفكير أو انتظار الوصول إلى عمل مثالي يحمل “معنى الحياة”.

وعندما سُئل عن النصف الثاني من الحياة وما تغير في نظرته إلى النجاح، كشف سكوت أن طموحه في شبابه كان امتلاك سيارة فاخرة من طراز “E-Type Jaguar”، بينما يقود اليوم سيارة “Prius” يمتلكها منذ نحو عشر سنوات. وقال إن نظرته تغيرت مع الوقت، وأصبح يرى أن البساطة أفضل من تراكم السيارات الفاخرة والممتلكات التي لا يحتاج إليها الإنسان فعلياً.

وفي سن 88 عاماً، يقول سكوت إنه لا ينشغل كثيراً بما ينتظره في المستقبل، بل يركز على حظه الجيد في التمتع بالصحة والقدرة على مواصلة العمل. ويشبه الحياة بتسلق الجبال، حيث ينبغي للشخص أن يكون أكثر حذراً كلما اقترب من القمة، لأن الشعور بالاقتراب من الهدف قد يدفعه إلى التراخي أو الإهمال.

وفي ختام الحوار، تطرق سكوت إلى السؤال عما كان يتمنى لو عرفه عندما كان أصغر سناً، فجاءت إجابته مختلفة عن المتوقع: لا شيء تقريباً. فهو يرى أن تجاربه السابقة كانت جزءاً ضرورياً من تكوينه، وأن الأخطاء والقرارات والنجاحات تصنع ما يسميه “الخبرة”، التي تتحول مع مرور الوقت إلى حدس يساعد الإنسان على اتخاذ قراراته بصورة أسرع.

ويستعيد سكوت في هذا السياق حادثة طريفة وقعت له عندما فقد أعصابه داخل مقطورة وأقدم على ركل أحد الجدران، فاخترق قدمه الجدار وسقط على الأرض. يقول إن شعوره بالإحراج في تلك اللحظة كان كافياً ليجعله يتعلم درساً لن ينساه: هناك أشياء لا ينبغي تكرارها أبداً.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *