الرئيسيةالسينما العالميةبعد 20 عاماً.. فيلم DAU يخرج أخيراً من الظل إلى البندقية

بعد 20 عاماً.. فيلم DAU يخرج أخيراً من الظل إلى البندقية

فيلم DAU

على مدى ثلاثة أعوام، بنى المخرج الروسي إيليا خرزانوفسكي عالماً مغلقاً في أوكرانيا، جمع داخله آلاف المشاركين، وترك الكاميرات ترصد تفاصيل حياتهم في تجربة سينمائية غير مسبوقة. وبعد نحو عقدين من العمل، و14 فيلماً، وسلسلة طويلة من الجدل والفضائح، يصل الفيلم الذي كان في الأصل محور المشروع إلى مهرجان البندقية السينمائي، بعدما ظل لسنوات أشبه بأسطورة سينمائية غامضة.

في ليلة باردة من نوفمبر 2011، اقتحمت مجموعة من الرجال معهد أبحاث علمية سوفييتياً في أحد الحقول الواقعة خارج خاركيف شمال شرقي أوكرانيا، واعتدت على العاملين فيه وأهانتهم، قبل أن تحرق المبنى بالكامل. غير أن المشهد لم يكن حدثاً حقيقياً بالكامل، إذ كان المعهد في الأصل ديكوراً سينمائياً ضخماً أعيد بناؤه ليحاكي المعهد الذي كان يديره عالم الفيزياء الكمية الرائد ليف لانداو في موسكو. وكان المشروع يوصف آنذاك بأنه أحد أكبر مواقع التصوير التي عرفتها السينما الأوروبية.

وبين المشاركين في المشهد بعض الأشخاص الذين كانوا بالفعل من النازيين الجدد، وكان يقودهم مكسيم مارتينكيفيتش، وهو فاشي روسي حقيقي سُجن لاحقاً بسبب نشره مقاطع عنصرية، وخضع للتحقيق في قضية قتل، قبل أن يُعثر عليه ميتاً في زنزانته عام 2020 في واقعة وُصفت بأنها انتحار.

استمرت الكاميرات في التصوير بينما كان المبنى يشتعل، ثم واصلت تسجيل ما جرى بعد ذلك، حين أقام طاقم الفيلم حفلاً وسط الأنقاض والرماد، تخلله مشروب مفتوح وموسيقى قدمتها فنانة الموسيقى الإلكترونية بيتشز ومنسق الأغاني دي جي سبوكي.

لكن المشهد لم يكن سوى خاتمة لثلاث سنوات قضاها موقع التصوير باعتباره أشبه بدولة صغيرة مغلقة أكثر منه استوديو سينمائياً تقليدياً. ووفقاً لما تردد حول المشروع، كان المشاركون مطالبين بارتداء ملابس أصلية تعود إلى الفترة الممتدة من ثلاثينيات القرن الماضي إلى ستينياته، وصولاً إلى الملابس الداخلية.

وكان الطعام يقدم وفق النمط السوفييتي، فيما اشترى المشاركون الخبز من مقهى المعهد باستخدام روبلات سوفييتية صُنعت خصيصاً للمشروع، ودخنوا سجائر من علامات تجارية سوفييتية. كما مُنعت مظاهر العصر الحديث داخل الموقع؛ فلا هواتف محمولة ولا إنترنت ولا حواسيب محمولة. وقيل إن النساء مُنعن حتى من استخدام السدادات القطنية الحديثة.

وكانت الأخبار تصل إلى المشاركين عبر صحيفة ومحطة إذاعية تعملان داخل موقع التصوير. أما عناصر جهاز الاستخبارات السوفييتي “كي جي بي”، فقد أدى أدوارهم في بعض الحالات ضباط سابقون حقيقيون في الجهاز، وكان بإمكانهم احتجاز بعض المشاركين واستجوابهم.

لم يُصوَّر كل ما حدث داخل ذلك العالم المغلق، لكن جزءاً ضخماً منه وثقته الكاميرات. فقد جرى إنتاج نحو 700 ساعة من اللقطات المصورة على أفلام 35 ملم، إلى جانب قرابة 8 آلاف ساعة من الحوارات المسجلة.

ومع ذلك، لم تكن هذه هي الخطة الأصلية على الإطلاق. فعندما طرح المخرج إيليا خرزانوفسكي، وكان في التاسعة والعشرين من عمره عام 2006، فكرته للمشروع، كان يتصور فيلماً فنياً تقليدياً نسبياً يتناول سيرة ليف لانداو، العالم الذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1962 واشتهر بلقب “داو”. وكان المشروع ممولاً من مؤسسة يورايماج التابعة للاتحاد الأوروبي، بدعم ألماني وسويدي.

لكن الفكرة تحولت تدريجياً إلى مشروع “داو”، وهو كيان سينمائي وفني هائل امتد لنحو عقدين، وأنتج حتى الآن أكثر من عشرة أفلام تجريبية، إلى جانب منشآت فنية في باريس ولندن، وخطة لم تكتمل لإعادة بناء جدار برلين، ومنع في روسيا بدعوى إنتاج “دعاية إباحية”، فضلاً عن اتهامات بالإساءة والاستغلال.

ومع تضخم الأسطورة المحيطة بالمشروع، كادت الأعمال نفسها تختفي خلفها. وبمرور الوقت، تحول “داو” إلى واحدة من أكثر الحكايات غموضاً في تاريخ السينما، على غرار أفلام ظلت لسنوات محاطة بهالة من الأساطير قبل أن ترى النور، مثل “الجانب الآخر من الريح” لأورسون ويلز و”الرجل الذي قتل دون كيشوت” لتيري غيليام.

على مدى عشرين عاماً، انتشرت القصص والشائعات عن المخرج الذي وصفه البعض بـ”الروسي المجنون” وتجربته السينمائية غير المألوفة. وشبه البعض المشروع بنسخة ستالينية من برنامج “ذا ترومان شو”، بينما وصفه آخرون بأنه “الأخ الأكبر” بملابس الحقبة السوفييتية. وذهبت بعض التقارير إلى تصوير خرزانوفسكي على أنه مخرج مستبد فقد السيطرة بسبب السلطة التي امتلكها داخل عالمه المغلق.

لكن فكرة الفيلم الأساسي عن حياة لانداو لم تختف تماماً. فقد احتفظ خرزانوفسكي بكل المادة التي صورها في خاركيف بين عامي 2008 و2011، والتي بلغت نحو 700 ساعة، ووضعها في مخزن مبرد لأكثر من عقد. وبعد عشرين عاماً من بداية المشروع، اكتمل أخيراً ما يسميه المخرج “الفيلم الأم”، أي العمل الذي كان في الأصل نقطة انطلاق هذا المشروع السينمائي الضخم.

ويبلغ طول فيلم “DAU” نحو 165 دقيقة، ومن المقرر أن يعرض للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي هذا الشهر. ويقول خرزانوفسكي، البالغ حالياً 51 عاماً، إن الفيلم الجديد يقترب إلى حد كبير من النموذج الذي كتبه قبل نحو عشرين عاماً وصوره بدءاً من عام 2008، لكنه لم يعد إلى المادة الأصلية لإعادة تحريرها وتنظيمها إلا في ديسمبر 2023، حين بدأ البحث عن لغة سينمائية جديدة للعمل.

وكانت حياة ليف لانداو نفسها تحمل ما يكفي من عناصر الدراما لتشكل أساساً لفيلم ملحمي. فقد دخل الجامعة في الرابعة عشرة من عمره، ونشر أعمالاً مهمة في نظرية الكم قبل أن يبلغ العشرين، وعمل إلى جانب الفيزيائي الرائد نيلز بور. وفي عام 1937 عُين رئيساً للقسم النظري في معهد المشكلات الفيزيائية السري في موسكو.

وكان لانداو معروفاً أيضاً بحياة شخصية غير تقليدية، من بينها تبنيه علاقات عاطفية متعددة. وفي ذروة إرهاب ستالين، أُلقي القبض عليه بعد أن قارن ستالين بهتلر، لكنه نجا من معسكرات الاعتقال. وبعد إعادة الاعتبار إليه، شارك في مشروع تطوير القنبلة الذرية السوفييتية. وفي عام 1962، وهو العام نفسه الذي حصل فيه على نوبل، تعرض لحادث سير خطير أدى إلى إصابته بعجز شديد أبقاه طريح الفراش حتى وفاته في موسكو عام 1968.

وبالمقارنة مع الأفلام الأخرى التي خرجت من المادة المصورة في خاركيف، مثل “DAU. Natasha” و”DAU. Degeneratsiya”، اللذين عرضا في مهرجان برلين عام 2020، يبدو الفيلم الأم أكثر قرباً من السينما التقليدية. فهو عمل ملحمي يشبه في بعض جوانبه “دكتور جيفاغو”، وإن كان يمزج بين النقاشات حول ميكانيكا الكم ومشاهد جنسية صريحة.

لكن وصول الفيلم إلى البندقية يأتي وسط جدل سياسي جديد. فقد تقدمت الحكومة الأوكرانية رسمياً باعتراض إلى مهرجان البندقية على اختيار الفيلم للمسابقة. وقالت وزارات الخارجية والثقافة الأوكرانية والسفارة الأوكرانية في إيطاليا إن منح منصة ثقافية دولية مرموقة لمشروع يرتبط، بحسب رأيها، بالدولة الروسية وشبكات نفوذها، يمثل رسالة مقلقة في وقت تواصل فيه روسيا حربها ضد أوكرانيا وتدمر المدن والتراث والهوية الوطنية.

واستند الاعتراض الأوكراني إلى عدة روابط مفترضة بين الفيلم وروسيا، من بينها هوية خرزانوفسكي الروسية، والممثل الرئيسي تيودور كورنتزيس، وهو قائد أوركسترا يوناني روسي يؤدي شخصية لانداو، إضافة إلى رجل الأعمال الروسي سيرغي أدونييف، الذي موّل المشروع في بدايته وفرضت عليه أوكرانيا والولايات المتحدة لاحقاً عقوبات على خلفية صلاته المزعومة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ورد خرزانوفسكي على هذه الانتقادات عبر منشور مفصل، مؤكداً أن “DAU” ليس أداة للسياسة الثقافية الروسية، بل عمل فني يتناول طبيعة الشر الشمولي. وفي حديثه عن الموقف الأوكراني، قال إنه يتفهم حساسية البلاد في ظل الحرب، لكنه أراد تصحيح ما وصفها بالأكاذيب، خصوصاً الادعاء بأنه يمثل الدولة الروسية.

ويعكس هذا الجدل التحول الكبير الذي طرأ على الطريقة التي يُنظر بها إلى تجربة “داو” خلال العقدين الماضيين. فقد انتقلت من مشروع فني طموح يتجاوز حدود السينما، إلى تجربة أثارت اتهامات بالاستغلال والإساءة، ثم أصبحت اليوم نقطة تقاطع معقدة للصراعات الجيوسياسية الراهنة.

وتعود جذور المشروع إلى عام 2006، بعد عام واحد من فوز خرزانوفسكي بجائزة النمر في مهرجان روتردام عن فيلمه الأول “4”. وبعد نجاح الفيلم، حصل المخرج على التمويل الأوروبي لإنتاج فيلم عن لانداو، قبل أن يلتقي أدونييف ويقنعه بتمويل المشروع. وكان رجل الأعمال الروسي قد جمع ثروته من قطاع الاتصالات، وقدرت مجلة فوربس ثروته في عام 2017 بنحو 800 مليون دولار.

ومع تراجع القيود المرتبطة بالميزانية والجدول الزمني ومنطق التمويل السينمائي التقليدي، تحول الفيلم إلى تجربة هائلة تهدف إلى غمر المشاركين والجمهور لاحقاً في عالم الاتحاد السوفييتي خلال الحقبة الستالينية.

وتكشف أرقام المشروع عن حجمه الاستثنائي، إذ شملت نحو 392 ألف تجربة أداء، و40 ألف زي، وموقع تصوير مساحته 12 ألف متر مربع، و10 آلاف ممثل إضافي، و400 دور رئيسي، و700 ساعة من أفلام 35 ملم، و8 آلاف ساعة من الحوارات، ونحو 500 ألف صورة فوتوغرافية التقطت داخل موقع التصوير.

كما استقطب المشروع شخصيات بارزة من خارج عالم التمثيل، بينهم كورنتزيس، والفنانة مارينا أبراموفيتش، والمخرج المسرحي بيتر سيلرز، إلى جانب عالم الفيزياء الحائز نوبل ديفيد غروس وعالم الرياضيات المعروف شينغ-تونغ ياو، اللذين أقاما لفترات في خاركيف وأجريا أبحاثاً علمية حقيقية داخل الموقع وهم يرتدون ملابس الحقبة التاريخية.

وكانت فلسفة اختيار المشاركين تقوم على مطابقة الأشخاص مع الشخصيات التي يؤدونها، فعمال النظافة يؤدون أدوار عمال النظافة، والأكاديميون يجسدون العلماء، فيما أُسندت أدوار المجرمين وعناصر جهاز كي جي بي إلى أشخاص لديهم خلفيات حقيقية في هذه المجالات.

وخلال سنوات التصوير الثلاث، لم يُسمح سوى لعدد محدود من الصحفيين بدخول “المعهد”. وكان الصحفي مايكل إيدوف من القلة الذين تمكنوا من قضاء عدة أيام داخله، لكنه مُنح وضعية “ضيف أجنبي رفيع المستوى”، وطُلب منه ارتداء بدلة من ثلاث قطع وقبعة والتحدث بطريقة تناسب الحقبة الزمنية.

وفي تقرير نشر عام 2011، وصف إيدوف خرزانوفسكي بأنه مخرج مضطرب، ورسم صورة لمخرج ديكتاتوري حول موقع التصوير إلى مجتمع شمولي مصغر، حيث لم يكن المطلوب من الممثلين أداء أدوارهم فحسب، بل اختبار الحياة تحت النظام السوفييتي فعلياً.

وتحدث كورنتزيس في مقابلة لاحقة عن شعوره بأن العالم الحقيقي أصبح بالنسبة إليه أشبه بموقع تصوير، بعدما كان ينام ويستيقظ ويعمل بالملابس التي ارتداها داخل المشروع. لكنه أقر أيضاً بأن التجربة كانت في أوقات كثيرة غير مريحة، مشيراً إلى أن هذا الشعور بالانزعاج كان جزءاً من محاولة إنتاج شيء يبدو أقرب إلى الحياة الحقيقية.

ولم يرَ الجميع التجربة بالطريقة نفسها. فقد وصف ماتياس غانغهوفر، الذي عمل مساعداً أول للمصور في موقع خاركيف، تجربته بأنها مهينة. وقال إنه عندما ضُبط وهو يستخدم هاتفاً محمولاً، في خرق لقواعد المشروع، وُضع اسمه على لوحة أمام الجميع. وأكد لاحقاً أنه غادر المشروع بعد ثلاثة أشهر، بينما يقول خرزانوفسكي إنه هو من طرده.

ويرى المخرج أن الفترات التي لم يكن التصوير يجري خلالها كانت بمثابة “بروفات ممتدة”، حيث استمرت الحياة داخل المعهد وفق قواعد العالم السوفييتي. كما يقلل من بعض الروايات الأكثر تطرفاً، موضحاً أن عمليات الاعتقال والاستجواب التي نفذها ممثلو جهاز كي جي بي كانت متفقاً عليها مسبقاً.

وفي المقابل، يتذكر المصور السينمائي لول كراولي، الذي لم يكن ضمن فريق التصوير في خاركيف، الإنتاج باعتباره تجربة صعبة لكنها سعيدة، ويؤكد أن خرزانوفسكي لم يكن يشبه الديكتاتور الذي رسمته الشائعات. ويصفه بأنه كان مسيطراً على العمل كما ينبغي لأي مخرج جيد، لكنه كان أيضاً شخصاً دافئاً وكريماً في التعامل.

وبحلول عام 2011، نفدت أموال المشروع. ويقدر خرزانوفسكي أن أدونييف أنفق نحو 25 مليون يورو، أي ما يعادل قرابة 40 مليون دولار بقيمة اليوم، قبل أن يتوقف عن التمويل. وانتهى موقع التصوير بالمشهد الذي شهد إحراق المعهد في نوفمبر من العام نفسه.

أما ما بقي فكان المادة المصورة. وبدلاً من تحويلها إلى فيلم واحد، بدأ خرزانوفسكي في إنتاج عدة أفلام منها، إلى جانب سلسلة من المعارض والمنشآت الفنية التي أصبحت أكثر تعقيداً بمرور الوقت.

وفي عام 2019، أقيم أول معرض كبير للمشروع في باريس داخل مسرحي شاتليه ومدينة باريس، حيث دخل الزوار إلى غرف عرض وديكورات سوفييتية معاد بناؤها، وشاهدوا ساعات من المواد التي لم تكن قد ظهرت من قبل.

كما ظهرت لاحقاً خطة أكثر طموحاً لإعادة إنشاء مشروع “داو” في برلين، من خلال بناء نسخة من جدار برلين وتحويل المنطقة إلى “مدينة داخل مدينة”. وكان من المقرر أن يحصل الزوار على “تأشيرات” للدخول، ثم يعيشوا تجربة تحاكي الحياة في ألمانيا الشرقية القديمة، قبل أن ينتهي المشروع بهدم الجدار في 9 نوفمبر 2018، بالتزامن مع الذكرى التاسعة والعشرين لسقوط جدار برلين الحقيقي.

وكان الفنان الصيني المعارض آي ويوي سيشارك في بناء الجدار، فيما كان من بين المشاركين المحتملين أبراموفيتش والمخرج توم تيكوير، إلى جانب الموسيقي برايان إينو وروبرت ديل نايا من فرقة ماسيف أتاك. لكن المشروع لم يرَ النور بعد اعتراض السلطات في برلين لأسباب تتعلق بالسلامة، إلى جانب انتقادات بشأن تكلفته التي قاربت 8 ملايين دولار واستخدام أموال عامة لإعادة إنتاج نموذج ديكتاتوري.

وبمرور السنوات، واصلت أجزاء مختلفة من “داو” الظهور في صور متعددة. وفي العام الماضي، استضاف مركز سان ماركو للفنون في البندقية معرض “The Quantum Effect”، الذي عرض مواد مصورة في خاركيف لعلماء يناقشون ميكانيكا الكم ونظرية الأوتار.

أما أول فيلمين خرجا من المادة الأصلية، “DAU. Natasha” و”DAU. Degeneratsiya”، فقد أثارا موجة جدل واسعة عند عرضهما في برلين عام 2020. وحصل الفيلم الأول على جائزة الدب الفضي للمساهمة الفنية المتميزة لمصوره يورغن يورغس، الذي كان مسؤولاً عن تصوير الجزء الأكبر من المادة الأصلية.

تركز “DAU. Natasha” على عاملة في مقصف المعهد تؤدي دورها ناتاليا بيريجنايا، وزميلتها أولغا التي تجسدها أولغا شكبارنيا. وبعد سلسلة من اللقاءات والسهرات، تدخل ناتاشا في علاقة مع أحد علماء المعهد، قبل أن تستدعى للاستجواب والتعذيب على يد جهاز كي جي بي.

وكان مشهد الاستجواب والتعذيب الأكثر إثارة للجدل، بعدما اتهم منتقدون الفيلم بتصوير اعتداء جنسي حقيقي، خصوصاً بسبب الطريقة القاسية والمهينة التي عوملت بها الشخصية. إلا أن الممثلة نفت بشكل قاطع تعرضها للاغتصاب، وأكدت أن المشاركين كانوا على دراية بما يفعلونه وقادرين على التحكم في حدود التجربة.

كما أكد المصور يورغس وجود إجراءات أمان تتيح لأي شخص التوقف في أي لحظة إذا لم يعد يرغب في مواصلة المشهد. وأوضحت بيريجنايا أن العمل لم يعتمد على سيناريو تقليدي، بل على معايشة الشخصيات، مع التأكيد على وجود مخرجين ومونتيرين وممثلين محترفين قادرين على التحكم في المادة النهائية.

ورغم ذلك، استمرت الانتقادات، خصوصاً في ظل المناخ الذي فرضته حركة “أنا أيضاً” على صناعة السينما العالمية. وروسيا منعت عرض الفيلم لاحقاً باعتباره “دعاية إباحية”، بينما لم يحصل العمل على فرصة واسعة للعرض في الغرب، ثم جاءت جائحة كورونا لتحد أكثر من وصوله إلى الجمهور.

ومن اللافت أن الأفلام التي عرضت في برلين قُرئت في ذلك الوقت بشكل أساسي من خلال عدسة الجدل المرتبط بحركة “أنا أيضاً”، بينما تراجعت إلى الخلفية الموضوعات التي تناولت الشمولية الروسية والفن والفلسفة والدين والفيزياء الكمية.

واليوم يصل الفيلم الأم إلى البندقية محملاً بإطار سياسي جديد، يتعلق بالحرب الروسية على أوكرانيا والتغير الجذري الذي طرأ على العلاقات بين البلدين.

فكل مشاهد “داو” في أوكرانيا صُورت بين 2008 و2011، أي قبل أكثر من عقد من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. وكانت التعاونات الثقافية الروسية الأوكرانية في ذلك الوقت أمراً شائعاً، بل كانت تحظى بدعم المؤسسات السينمائية في البلدين.

كما أن أدونييف غادر المشروع قبل سنوات من فرض العقوبات عليه، فيما تغير موقف خرزانوفسكي نفسه تجاه روسيا بشكل كبير. فقد تخلى عن الجنسية الروسية احتجاجاً على الغزو، ويحمل حالياً جوازات سفر بريطانية وألمانية وإسرائيلية. كما أسس مؤسسة XZ مع الصحفي ميخائيل زيغار لمواجهة الدعاية الروسية، ما أدى إلى تصنيفه في روسيا كـ”عميل أجنبي”، وهي تسمية تستخدمها السلطات ضد عدد من منتقدي النظام.

أما كورنتزيس، الذي يعيش ويعمل في روسيا، فقد أصبح أكثر إثارة للجدل بسبب استمراره في العمل هناك وعدم إدانته علناً للحرب الروسية على أوكرانيا، إضافة إلى حصوله على الجنسية الروسية عام 2014.

ويقول خرزانوفسكي إن العالم الذي بدأ فيه المشروع قبل عقدين يختلف جذرياً عن الواقع الحالي، مشيراً إلى أن التاريخ والسياسة يغيران باستمرار الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الأعمال الفنية.

وبعد سنوات طويلة من الابتعاد عن المادة الأصلية، عاد المخرج إلى “الفيلم الأم” قبل نحو ثلاثة أعوام، بتمويل من ألمانيا وفرنسا والسويد، إضافة إلى صندوق هوبير بالز التابع لمهرجان روتردام.

ويصف خرزانوفسكي عودته إلى المادة القديمة بأنها تشبه زجاجة كونياك قديمة، حيث يكون الزمن هو البرميل الذي ينضج فيه العمل. فأسلوب الفيلم ولغته وطريقة المونتاج تغيرت بفعل مرور عشرين عاماً، رغم أن المخرج نفسه يعترف ساخراً بأن كونياكاً عمره عشرون عاماً قد لا يكون بالضرورة جيداً.

كما تغيرت شخصية لانداو داخل الفيلم بعد اختيار كورنتزيس لأداء الدور. فالشخصية لم تعد مطابقة تماماً للعالم الحقيقي، بل أصبحت شخصية يونانية، بينما ينحرف الجزء الثاني من الفيلم بالكامل تقريباً عن السيرة التاريخية للانداو الحقيقي.

وينقسم “DAU” إلى ثلاثة أجزاء، صور كل واحد منها مدير تصوير مختلف، لتمثيل مراحل مختلفة من حياة الشخصية. وقد اكتشف خرزانوفسكي عند عودته إلى المادة أنه كان قد جمع منذ عام 2008 فريقاً من أبرز المصورين الذين أصبحوا لاحقاً من الأسماء المؤثرة في السينما الفنية المعاصرة، بينهم يورغن يورغس، ولول كراولي، ومانويل ألبرتو كلارو.

ويقول كراولي إن التصميم البصري للفيلم كان مقصوداً منذ البداية، إذ جرى اختيار ثلاثة مصورين وثلاثة مصممي إنتاج وثلاثة أنماط بصرية مختلفة للأجزاء الثلاثة. وما يتذكره أكثر هو ضخامة المشروع والمشاهد المعقدة التي تطلبت إعادة التصوير مرات عديدة.

وظلت الساعات الـ700 من أفلام 35 ملم محفوظة في ظروف تخزين مضبوطة الحرارة، أولاً في سويسرا ثم في برلين. وكانت جميعها مصورة باستخدام أفلام Fuji 400 التي توقفت الشركة عن إنتاجها عام 2010، ما جعل تصوير مشاهد إضافية في السنوات الأخيرة يبدو شبه مستحيل.

لكن خرزانوفسكي كان قد احتاط لذلك، إذ تمكن من إقناع فوجي بإنتاج الفيلم لسنة إضافية خصيصاً للمشروع. وحفظ الكمية المتبقية إلى جانب اللقطات الأصلية. وفي عام 2024 أخرج البكرات من التخزين وصور المشاهد الإضافية، مؤكداً أنه استخدم الفيلم حتى آخر متر.

وقد فقدت المادة القديمة درجتين من الحساسية الضوئية بسبب مرور الوقت، ما جعل الصور أغمق بكثير، واضطر فريق العمل إلى تعويض ذلك بإضاءة إضافية. ومع ذلك، يرفض خرزانوفسكي الكشف عن المشاهد التي صورت في السنوات الأولى وتلك التي أضيفت لاحقاً.

ويبدو أن هوس المخرج بالمشروع لم يتراجع. فرغم أنه لم يحقق منه ثروة، بل تراكمت عليه ديون كبيرة، خصوصاً بسبب تكاليف التخزين، ورغم تعرضه لوصفه بالمسيء والمستبد والدكتاتور، واتهامه بالارتباط بالدولة الروسية، فإنه لم يتمكن من التخلي عن “داو”.

وربما كان هذا المشروع مناسباً لطبيعته منذ البداية. فقد نشأ خرزانوفسكي في عائلة سينمائية؛ فوالده أندريه مخرج معروف، ومن أبرز أعماله فيلم الرسوم المتحركة “الهارمونيكا الزجاجية” الذي أنتج عام 1968 وكان أول فيلم رسوم متحركة يُمنع في الاتحاد السوفييتي. كما كان عرابه الكاتب المسرحي والسيناريست السوفييتي سيرغي يرومولينسكي، الذي سُجن ونُفي داخلياً إلى كازاخستان بسبب ما وصف بأنه “أنشطة معادية للسوفييت”، قبل الإفراج عنه بعد تدخل المخرج سيرغي آيزنشتاين.

ويعتبر خرزانوفسكي الحقبة السوفييتية التي أعاد بناءها في “DAU” جزءاً من تكوينه الشخصي. كما يرى أن اختياره لانداو، العالم الذي أسهمت أبحاثه في تغيير فهم البشر للزمن والمكان، سمح له بصياغة ما يسميه “صورة كمية”، تتعايش فيها احتمالات متعددة للماضي والحاضر والمستقبل في الوقت نفسه.

ويقول المخرج إنه عندما عاد إلى المشروع بدأ يفكر في الشخص الذي كان عليه قبل عشرين عاماً، وفي السنوات التي مرت منذ ذلك الحين، وفي حياة جميع الشخصيات والممثلين الذين شاركوا في التجربة. ويرى أن مشروع “داو” بات أكبر من صاحبه، لكن فيلم “DAU”، بوصفه قصة خيالية عن المجتمع والعلاقات بين البشر، يظل في نظره عملاً شخصياً يحمل بصمته كمؤلف.

ويختلف الفيلم الأم بوضوح عن بقية أفلام “داو”، إذ يبدو أكثر تنظيماً وأقرب إلى السينما التقليدية، ويضم مشاهد ضخمة لم تظهر في الأفلام السابقة، من بينها مشهد لنساء يعملن على خط إنتاج ويحطمن سلسلة لا تنتهي من الأرانب المصنوعة من الطين، ومشاهد لحشود ضخمة بملابس الحقبة السوفييتية تعبر ساحة القديس إسحاق المعاد بناؤها، وطائرة سوفييتية عملاقة تعبر حقلاً واسعاً، إضافة إلى مشهد هائل من الملفوف الفاسد، قال المخرج إنه استخدم فيه نحو 70 طناً.

ويتذكر كراولي بشكل خاص مشهداً يتابع فيه كورنتزيس، في دور لانداو، وهو يحمل بالوناً أحمر عبر شوارع سانت بطرسبورغ، قبل أن يصل إلى ساحة مليئة بالكلاب والأسماك والترام والجنود الذين يقتحمون المكان ويحطمون اللوحات والأعمال الفنية.

ورغم كل ذلك، لا يزال خرزانوفسكي منشغلاً بالأسطورة التي أحاطت بمشروعه. فالشائعات والاتهامات والفضائح المتغيرة أصبحت في أحيان كثيرة أقوى من الأعمال نفسها.

ويقول إنه يفضل الحديث عن الفيلم الجديد بدلاً من المشروع ككل أو الأفلام الأخرى أو الشائعات، لأن تكرار نفي هذه القصص أو مناقشتها يؤدي إلى استمرارها، بينما يذوب العمل الفني نفسه داخل ما يسميه “بحيرة الشائعات”.

ويرى أن الصورة كانت ستختلف تماماً لو عُرض الفيلم الأم أولاً، بدلاً من أن تظهر أفلام المشروع الأخرى وتصبح محور الجدل. لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن الحكم التاريخي على الأعمال والأشخاص يتغير باستمرار.

وفي النهاية، لا يبدو أن “DAU” يمثل خاتمة فعلية لمشروع خرزانوفسكي. فالمخرج يؤكد أنه لا يريد الاستمرار في العمل عليه طوال حياته، لكنه ما زال ينتج أعمالاً جديدة ضمن العالم نفسه. وتتوفر حالياً ثمانية أفلام من المشروع عبر منصة الفيديو الخاصة به، بينما توجد خمسة أعمال أخرى مدرجة ضمن الإصدارات المرتقبة.

وتشترك العديد من هذه الأفلام في الشخصيات والأحداث نفسها، لكنها تعيد تقديمها من زوايا مختلفة. ففي “DAU. New Man” يخضع المشاركون لتجربة تهدف إلى صناعة “الجندي المثالي” عبر التخلص من الضعف والتعاطف، بينما يتناول “DAU. Sasha Valera” قصة حب بين اثنين من عمال النظافة في المعهد.

وهذه هي الفكرة الأساسية للمشروع كله: 14 فيلماً حتى الآن، بما فيها الفيلم الأم، إضافة إلى المعارض والمنشآت الفنية، وكل ذلك انطلاقاً من ثلاث سنوات من التصوير في خاركيف. أحداث واحدة يعاد تركيبها مراراً لتشكيل عوالم متوازية، وهي الفكرة التي يقصد بها خرزانوفسكي مفهوم “المشروع الكمي”، حيث تظل المادة نفسها موجودة في حالات متعددة إلى أن يأتي من ينظر إليها ويحدد معناها.

وبعد عشرين عاماً ظل “DAU” بالنسبة إلى كثيرين أقرب إلى الشائعة منه إلى الواقع، وإلى الفضيحة منه إلى الفن، شأنه شأن بعض أشهر الأفلام الأشباح في تاريخ السينما. لكن في السابع من سبتمبر، ومع عرضه في مهرجان البندقية، ستتاح للجمهور أخيراً فرصة مشاهدة الفيلم الذي ظل طويلاً مختبئاً خلف أسطورته.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *