الرئيسيةمتابعات سينمائية“نور في الظلام” رحلة من أمواج الإداعة إلى أمواج البحر، فيلم لإثارة أخطر نفاق ثقافي، المناورة بجسد المرأة والكفيف داخل مربعات الإقصاء

“نور في الظلام” رحلة من أمواج الإداعة إلى أمواج البحر، فيلم لإثارة أخطر نفاق ثقافي، المناورة بجسد المرأة والكفيف داخل مربعات الإقصاء

إطارات مربعات، تلفزيون، مدياع، مرايا كثيرة مربعة، نوافد مشرعة على الداخل المظلم، غرفة معتمة ومربعة تنافرات أجساد في القامات والأوضاع والحركات التعبيرية، لونين فقط الأبيض والأسود يغلقان أفق الإحساس بمرور الزمن على مربع الرتابة ويحرمان من التمتع بألوان الحياة الطبيعية توظيفات ابداعية وسينمائية للمخرجة الشابة الواعدة، خولة بنعمر، للتعبير عن واقع الإقصاء من داخل زنزانة الجسدين الأنتوي للبطلة نورة وللكفيف البطل منير. فيلم يخرج عن دائرة المألوف في كونه ارتقى بالقلق الثقافي إلى مدارج السؤال الكوني، وتعمد عدم السقوط في استدرار تعاطف الجمهور عبر الركوب على الحالات الاجتماعية أو تدنيس السؤال الثقافي بميوعة الخطبة السياسية، فيلم بدأ بقوة وانتهى بقوة. سأركزفي قرائتي لهذا الفيلم على تحقيق تفاعل ثقافي باستحضار الدور الإقصائي والتمييزي للمربعات والتعبيرات الجسدية والرموز الرازحة في المنطقة الرطبة والخصبة، التي يطالها الإهمال، قراءة وتعبيرا، بينما الدراسات تؤكد أن حوالي 70 % من الرسائل التعبيرية تمر عبر حركات الجسد. فحرام أن نكون نحن في دولة تقوم فوق محيط من الكنوز والرموز الثقافية التي لا تقدر بثمن، وأن تكون أجسادنا التي هي في الواقع حية متحركة ونشيطة بينما في تعابيرنا تعاني من تنمل الأطراف وأمراض الرطوبة.

والمربع المعني هنا قد يكون شكلا هندسيا مرئيا، أوصورة ذهنية والإقصاء قد يكون ذاتي كالتقوقع داخل نموذج في التفكير أو مفروض من طرف ثقافة أو عقيدة مجتمع: مثلا عقب نكبة 1967 التي خسر فيها العرب المعركة، خرجت كتابات وإشاعات كثيرة تخون المطربات وتنسب لهن العمالة لإسرائيل وهي لا تستند على أي أساس سوى كونها تمثل نموذجا لإنتاج فكري خارج من مربع التفكير الذكوري الذي ينسب الانجازات للذكور حتى لو كانت من فعل النساء (امرأة رجل) ويبرر هزائمه بنسبتها للنساء (رجل امرأة) لذلك يكون التأمل في القواعد الخفية لتشكل الأفكارأهم من مناقشة الأفكار نفسها.
وأبدا تأطير تفاعلي الثقافي بصياغة لعينة من التساؤلات ومشاريع الإجابات التي أتطرق لها في هذه القراءة.
في باب الإقصاء والحاجة إلى الجسد الكفيف
لماذا عندما يطلب الأستاذ من تلاميذه التفكير في حل معضلة رياضية أو فكرية أو الاثيان بصورة تخيلية، يضعون أصابعهم أو أقلامهم بمحيط عيونهم لعرقة رؤية العين أو يعضونها ؟
لماذا المحبون في أعلى درجات الحميمية يغلقون أعينهم؟ وقد أكد فرودان أعلى حالات الفشل في العلاقة بين المرأة والرجل تكون بسبب خلل في التخيل (خيال الأم وخيال الأب الذي يستحضر بشكل سيء).
لماذا في أعلى درجات التخشع نرفع رؤوسنا وأكفنا إلى السماء ونغلق أعينا؟ وكذلك في طقوس الحضرة. وكذلك حالة القائد الموسيقي أثناء توجيهه لسنفونية كبيرة بجسد أعمى.
في باب الدور الاقصائي لمربع النافذة وامتداداتها(التلفزيون والمرآة)
لماذا أقول أن ارتداء المرأة للبرقع الطويل هو توافق ثقافي بين رجل يريد بقاءها بداخل مربع المنزل وامرأة تريد الخروج منه.البرقع من آتاثالدار وهي تحمل الستارالذي يحيل إلى النافذة التي كانت تطل منها واللباس المربع غير الواصف للجسد هو واصف لمربع الدار إنه بمثابة حائط صامت حاجب للضوء لا يعبرعن أنثوية المرأة أو عن إنسانيتها؟
لماذا التلفزيون هو امتداد لوظيفة الأب ولمربع النافدة الخارجية؟والمرآة امتدادلوظيفة الأم ومربع النافدة الداخلية؟
لماذا لعبة المربعات (شريطة)la marelle هي لا أخلاقية ولا تربوية ويجب المطالبة بسحبها؟…..
هل يصح القول أن الألعاب الأولمبية النسوية ولذوي الاحتياجات هي لإبراز المؤهلات أم لإقصائها؟
تقدم المخرجة خولة فيلما هو بمثابة درس بليغ في الترويض والإعداد النفسي والجسدي للمرأة والكفيف، أدته البطلة الاستثنائية نورة التي تناضل بالهروب من نمطية مربع الجسد الذكوري، تحرشات الشارع والأستاذ في المعهد الموسيقي، ومن توريثها الصورة النمطية المثالية لأمها المنعكسة في المرايا الكثيرة المعلقة بجذران البيت.. حيث اختارت أن يكون حبها وإخلاصها خارج أسطورة الجسد المكتمل.

فيما استحقت المقتدرة لطيفة احرار اقتسام كعكة البطولة، بمجهودها في انقاد البطل الكفيف منير المنهار بعد إقصائه من مسابقة انتقاء مقدم أخبار تلفزي، بالاعتماد على مؤهلاتها المسرحية وعلى تمارين بناء الثقة. لجعله يستلهم ثقتك في نفسه ومؤهلاته من خارج مربع الجسد الكفيف والبيت المظلم. وذلك بفضلإقامتها لإحداثيات واختراقات وفتح خطوط ومنافذ للضوء في أضلع مربع الاقصاء، بالاستعانة بأجساد الممثلين وبؤر الضوء وعبر دبدبات التفاعل الصوتي والسمعي وتحسس حرارة وروائحالأشياء، وقد بدت وهي تقوم بذلك الجهد المضني كما لوانها تضبط مدياعا أو جهاز تلفاز على موجة بتردد ثقافي المجتمع هو من يحدد قيمها ويملك السلطة الضبطية عليها بمنتهى القسوة والصرامة داخل مربع بين موجتي الأشعة تحت الحمراء و فوق البنفسجيمثلما نقف أمام مربع المرآة ونضبط أجسادنا نبرز ونستر منها ليلتقطها و يسمعها الأخر الماثل و المتخيل بكامل رموزه الاقصائية.
هل نجح البطلين في الخروج من مربع الإقصاء؟ على مستوى الحط الدرامي للفيلم هناك انفراج جزئي مع التحسن في مزاج الممثلين ووصول منير إلى المرحاض دونما حاجة لمساعده صالح الذي رمز إليه كظل على الجدران، واعتذار الأب لولده، والانتعاشة باستنشاق رائحة نسائم البحر ولو أن الأجساد بقيت متقاطعة ومتعاكسة واللقطة الساحقة ظلت مهيمنة (contre plongée)، لكن على مستوى القراءة الانتروبولوجية لا يعدوان يكون الأمر مجرد إعادة تشوير لخطوط الإقصاء.وكما تشبه اجسادناالمذياع في حاجتها إلى الضبط، تشبه أيضا البحر: الجسد كما يقول فوكوهو نقطة الصفر الذي انطلاقا منه تقاسالأبعاد( قريب منه – بعيد عنه- فوقه وتحته) والبحر هو نقطة الصفر لبداية العد في الارتقاء في الأرض أمامك تحدي الارتفاع ووراءك الأمواج الهادرة والغادرة. نعم الأمر يشبه الابتهاج بنيل ميدالية أولمبية في مسابقة أعدها الذكور على مقاسات أسطورة الجسد المكتمل وكرستها امبريالية الصورة في عصر عادت فيه عبادة الضوء والصلوات للنجوم، نبتهج بالفوز الأولمبي وننسى الانتباه إلى قواعد اللعبةالتي هي مربعات وخطوط إقصاءمحروسة بالجيوشمن أجهزةتصوير ومراقبة متطورة ومسابقات كثيرةتعطي فيها الانطلاقة بطلقة سلاح أو بصافرةلشرطي لا يتكلم إلاالرموز العسكرية إشارته نافدة وحاسمة فورا، وفي مسابقة التناوب تحمل المتسابقات القضيب الرمزي وعليهن إيصاله إلى الهدف بمنتهى الحرص وإلا تم إقصاؤهن في الطريق.
هل سبق وأن طرحنا مع أنفسنا هذا التساؤل المستفز؟ ما هو أكبر إشكال تنظيمي تعرفه المسابقات النسوية الأولمبية ومسابقة دوي الاحتياجات الخاصة؟
الجواب ببساطة هو تحديد جنس البطلات بالنسبة للإناث والتمييز بين المعاق والذي هو بكامل قواه العقلية والبدنية، حيث ان قواعد اللعب المبنية على اقصاء الخاصيات والصفاتالأنتوية بالنسبة للإناثوالجسدية والعقلية بالنسبة لذوي الاحتياجات وهو ما جعل 26,7 مثلا من بطلات ألعاب دورة طوكيو 1964 لسن اناثا حسب إفادةJean-Pierre Manderantلجريدة Le Mondeو10 لاعبا من أصل 12 لاعب لمنتخب اسبانيا لكرة السلة الفائز بدورة سيدني لذوي الاحتياجات كلهم كانوا بكامل قواهم العقلية والبدنية؟ وهي حالات جد متواثرة، فعلى من يضحكون هؤلاء؟ وهذا الطقسالإقصائيالتمييزي يتأكد كذلك في منصة التتويج حيث المكافأة تكون بتقديم الرمزالأنثوي (ميدالية دائرية مبنية على أسس تمييزية) حسب اللون والمعدن والقيمة الدالة على الأصل الطبقي (مكافأة بامرأة من طبقة الملوك والنبلاء ومن طبقة الفلاحين والجيوش وعموم الشعب تباعا ذهب وفضة ونحاس وفق التراتبية الطبقية للمجتمع الإغريقي.
يعتقد الكثيرأن شكل ميدان كرة القدم مستطيل وهو في واقع الأمر مربعين حيث يرمز المستطيل لاكتمال الجسد الثقافي، بينما المربع لا يمثل إلا نصف الجسد + نصف دائرة + نصف كرةاللذين يرمزان إلى البيضة غير المكتملة واللعبة تقوم على احتلال مربع الطرف الآخر بإقصائه وتجريده من فعاليته الجسدية والسلطوية(نصف الدائرة ونصف الكرة والمربع) باستكمال جسدك واخد الكرة كاملة ووضعها بالمبيض او الشبكة او الثقب او الحفرة تبعا للنوع الرياضي، حيث الرمز الانثوي السلبي يتحمل اللعبة ولايمتلك فيها حق المبادرة او المناورة او التأثير.
ان المجتمع الذكوري لا يلعب إذ لو كان كذلك لقبل اللعب بقواعد تحتمل الكسب والخسارة.
لماذا ينبغي سحب لعبة المربعات أو الشريطة la Marelle؟
بعض المقاربات الغربية للعبة المربعات، أعطت تفاسير دينية بربطها لتقليد الدخول الى الكنيسة وبعضها أعطاها تعبيرا لشكل من السفر من الأرض صعودا إلى السماء. لكن الأمر في رأيي لا يزيد على أن يكون تخفي وراء التغليف الديني لممارسة السلطة الذكورية على المربع لما يرمز له من إيحاءات ثقافية، وإلا لماذا يرفض الذكور هذه اللعبة؟ كما أن هناك كتابات ترجح ظهورها إلى ما قبل المسيحية.
ان المتأمل لشكل الرسم – الرمز الذكوري- وحركات جسم الطفلة والرمزية الثقافية للشكل المربع الاقصائية ورمزية الأرقام من 1 إلى 9 أو من 1 إلى 10 ومقارنتها مع لعبة الأوراق أو ارقام الخوارزمي مثلا وللرمزية الأنثوية الدائرية لأداة اللعب والانطلاقة من نصف الدائرة التي تعني بيضة غير مكتملة والوصول في النهاية إلى استكمال البيضة النصف الآخريوجد بعد الرقم 9 الذي يرمز لمدة الحمل ثم الولادة وهكذا فإن عملية التخصيب تبتدأ ببداية العد من 1 تم اثنين ثم القفز لفتح الفخذين بوضع الرجلين في المربعين 3 و 4 وفي مواجهة جسد أخر متخيل يفتح فخذيه بوضع الرجلين في المربعين السادس والسابع بينما المربع رقم خمسة يكون هو وسيلة الاتصال والتخصيب ثم القفز بسرعة مع الاستدارة بالجسم وفتح الفخذين في المربعين 9 و 10 مع الانحناءة في تقليد عملية وضع البيض عند الدجاجة حيث يكون رقم 0 ذو الشكل البيضاوي الذي يوضع وراء أول رقم صحيح الذي يرمز إلى امرأة وراء رجل وفق الثقافة المهيمنة الذكورية الذي يعني التزاوج.
إن القفز أو الوقوف على رجل واحدة يرمز إلى الاستسلام في اللغة العسكرية وافتقاد السيطرة أو عدم الحق في امتلاك أو الثبات أو السيادة على المجال العائد للذكر وهو ما يمكن من تشبيهها برقصة كناوة المبنية على القفز وتخفيض الظهر حيث العبيد يقصون من حق تملك الأرض والمجال بخلاف رقصة الهيت واحيدوس التي تعبرعلى التشبت بالمجال.كما أن حمل الطفلة لحذائها بيدها أثناء ممارسة اللعبة تشبه حمل الكناوي لحدائه الذي ترمز إليه القراقب (التيتعني في اللهجة المغربية حداء االحمام والة العزف في نفس الوقت)
حيث يكون حمل الحداء تواضعا امام السيد. إن انسحاب الطفلة بسرعة وبقفزة واحدة بعد اداء وظيفتها المحصورة في التبييض ووجود ترهيب رمزي بعدم المس بخطوط الاقصاء، بالرجل أو بأداة اللعب وبعدم الاستواء او الثبات داخل المربع يبين حجم العنف الذي يختصر وظيفة المرأة في التناسل والانسحاب من الحياة. والمثير حقا هوانني بعد أن انتهت من هذه القراءة المختصرةملت إلى الاعتقاد أن هذه اللعبة فيها نوع من التقليد لوظيفة الدجاجة وهو ما تأكد بعد ان انتبهت إلى أن بعض دول الشرق الأوسط يسمونها لعبة الحجلة وهي قريبة من الدجاجة.
التلفزيون – المريا – النوافد تفاعلات الرسائل الابداعية والإيحاءات الثقافية
رمزية التلفزيون – نافدة البيت المغلقة – نافدة الشاحنة المتحركة لماذا التشبت بالعمل بالتلفزيون حد الاكتئاب؟
في مقال نشرته حوالي عقدين من الزمن. تساءلت فيما إذا كان علينا تقبيل رأس التلفزيون لما لعبه من دور حاسم إلى جانب ظهور العمل المأجور للمرأة والأولاد في التحرر من قسوة المجتمع الأبوي الذكوري حيث كان الأب، هو مركز الكون العائلي داخل المنزل، في المجتمع المغربي، كان هو من يحدد وقت الدخول والخروج، ومن يختار الاسم الشخصي للأبناء والأزواج والزوجات والصديق والمهنة وطريقة قص الشعر (في المجتمع المغربي)إلى وقت متأخر كانت طريقة قص الشعرعلى شكل العرف حيث عدد الخطوط يرمز للزاوية التي يواليها الأباء). كان الاب يحتل المكان المركزي في المنزل، عندما يأمر بإحضار المائدة تحضر فورا ويأتي الأولاد بعضهم يحمل إناءلغسل الاياديوالأخر الفوطة كان هو من يحدده الأفراد الذين سيجالسونهوموضوع النقاشات ووجهتها ومن العيب مقاطعته أومعارضته وفي أحيان كثيرة حتى التكلم معه (احترام الرأي والرمزية الأبوية).
مع ظهور شاشة التلفزيون صار أفراد العائلة يجلسون في البيت الذي يوجد فيه التلفزيون بينما يناقشون المواضيع التي يعرضها يتماهون به ويستلهمون منه عاداتهم في الأكل والشرب وقص الشعر وحمل الأسماء. الاب كان هو نافدة الأسرة الخارجية، صار التلفزيون بشاشته المربعة يمثل هذه النافدة يغطى بالستائر وتوضع فوقه المزهريات.
ومن المثير في ثقافتنا الشعبية أن الأب أصبح في المرتبة الثالثة في هرم المقامات الاجتماعية داخل الأسرة بعد الضيف والتلفزيون وقد ظهر التلفزيون في أول الأمر في المغرب في بيت الضيوف قبل أن يبتكر المغاربة بيت الجلوس. وما تزال أكبر الشاشات تعلق ببيت الضيوف لذلك فإن هذا البيت هو الأكبر والذي يضم أفخر الأواني والأغطية والمأدبات، ولرمزية الضيف الروحية وكاعتراف مجتمعي ما زال المغاربة يخصصون أكبر البيوت له ويؤجلون أكل اللحم إلى آخر وجبة تحسبا لمجيئه رغم أن فرضية حضوره لهذا البيت أو لاقتسام الأكل صارت قليلة، وفي غياب الضيوف المحتملون يبقى التلفزيون بشاشة الكبيرة في المقام الأول.
وقد ربطت المخرجة في مشهد واحد بين الأب وهو يحتل بجسمه كامل اطار نافدة الشاحنة حيث ان النافدة المتحركة بالشاحنة أو القطار اقرب لشاشة التلفزيون وطلب الابن المساعدة للخضوع لتكوين يؤهله للاشتغال بالتلفزيون كما أن التلفزيون بالنسبة له كأعلاميإذاعي يمثل له طوق نجاة في مواجهة الصورة والثقافة المشهدية التي جاءت للقضاء على الراديو وعلى أساليب الحكي والتخييل الكلاسيكية.
حركة البطلة نورة أمام المرايا رفض لضبط الجسد وبناء الأنا على دبدبة وشاشة ثقافية قائمة على الإقصاءوالنمطية
لا حاجة لنا لاستحضار كتابات Jacques Lacan عن دور المرآة في بناء الأنا او ادراك أجسادنا بناء على الاختلاف مع الأخر المتخيل. .لأن المقاربة هنا ستكون ولادة المرأة – الزوجة في علاقتها بالمرآة فاذا كان التلفزيون امتدادا ثقافيا لوظيفة الأب فإن المرآة هي امتداد لدور الأم، في المجتمع التقليدي المغربي، حيث كانت الفتاة تمنع من التزين أوالوقوف أمام المرآة، إلا في إطار التحضير للزواج، وكانت الأم هي من تشرف على تلبيسها وتقديمها في الصورة النمطية للمجتمع، كانت هي الشخص الوحيد الذي تثق بها البنت وتصدقها وتبوح لها بتفاصيل جسدها وما يشغل بالها من القضايا الأشد حميمية وسرية، وتعطي لها رأيها في اللباس واختيار اللون وفي الزوج المقبل. بعد الزواج تحمل المرآة ووسائل الزينة قبل كل مقتنيات العروس الأخرى وتوضع في الجناح الحميمي من الدار فتصبح المرآة بمثابة الأم في بيت الزوجية فهي من تطمئن إليها في عكس صورتها بمنتهى الصدق وتحفظ وتكتم اسرارها وتهتدي بما تظهره لها، في اختيار هذا اللباس دون ذلك وهذا اللون دون اللون الآخر وفي مساعدتها في اخفاء العيوب ودفع انتناءات اللباس إلى الوراء- أو الشعر إلى القفا… ولهذا تكون علاقة المرأة مع المرآة مبنية على الصدق والحميمية وهي دائمة وطويلة بخلاف الرجل.
غير أن ما يميز الوقوف أمام المرآة هنا عن مرآة جاك لاكانهو أن هذه المرآة لا تعمل على تجميع وبناء الجسد الموحد ولكن في التركيز على ابراز الوجه والشعر وإقصاء ذاتي لباقي الأطراف حيث في السياق الثقافي الذكوري تتشابه الأجساد والقامات والتمايز يكون عن طريق بناء رأسمال ثقافي رمزي مكون أساسا من الوجه والشعر باعتبارها النافدة التي قد تحمل ستارا كما قد لا تحمله تطل عبرها على المجتمع.هذا الرأسمال لا تظهره المرأة فقط أمام المرآة كفخر لهاوإنما كذلك في طقوس العراك مثلا بين النساء حيث تكشف المرأة عن وجها وشعرها للافتخار به أمام مخاصمتها وإذا حدث وأن هاجمتها تتوجه إليها مباشرة إلى رأسمالها بنتف الشعر وتشويه الوجه. وكذلك عندما تفقد المرأة شخصا عزيزا تخدش وجهها وتنتف شعرها كتعبير عن افتدائها للفقيد بأعز ما تملك.وكذلك الشأن في طقس الحضرة الحمدوشي،حيث يكون المطلوب تقديم أغلى ما في الجسد قربانا للضريح.
وإذا ما أردنا اختصار مقارنة الفرق بين المرآة والتلفزيون يمكن القول ان المرآة هي النافدة الداخلية الموجودة في الجناح الحميمي والتلفزيون هو النافدة الخارجية والتي سلبت كثيرا من وظائف المرآة وهو من جعل خروج المرأة إلى الخارج ممكنا وحول نوافد الدور المغربية التي كانت مفتوحة على بهو الدار إلى فتحها على الشوارع والأزقة.
أما المرأة التي فرضت عليها الإقامة في الدار فقد ابتدعت صيغ جديدة في الاحتجاج ويمكن القول أن المرأة التي تلبس البرقع الطويل انما تحمل ستار النافدة اذ البرقع من أثاث الدار وليس من لباس المرأة وحتى اللباس الصامت المربع غير الواصف للجسد هو واصف لشكل الدار ولشكل الإقصاء، حاجب للضوء ولإنسانية وأنوثة المرأة.
الصدام بين واجهتي الجسد في الفيلم ظهر في مواجهة صدر كتعبير ابداعي وثقافي
لا تقتصر عملية ابراز اطراف وإقصاء أخرى من الجسد عند الوقوف فقط امام مربع المرآة بل تمتد إلى الحقل الثقافي الطقوس العامة، ويمكن الجزم بأنه ليس هناك جزءا مظلوما ومقصيا في جسد الإنسان مثلما هو عليه الأمر بالنسبة للظهر، فرغم رمزية الصبر وقوة التحمل والبراءة لكونه الرمز المعاق في الجسد، صفحة كفيفة صماء بكماء اعزل بلا ايدي أو عين ولا حتى قدرةعلى قيادة مسيرة الجسد إلى الوراء في الطقس الشيعي والعيساوي المغربي ينشطر الجسد الإنساني إلى نصفين كبيرين لخدمة الزمن الداراماتيكي للطقس، الظهر يرمز إلى الزمن الماضي المليء بالذنوب والرذائل والخيانات والخدلان – خدلان الحسن بن علي عندالشيعة مثلا – عليه تمارس اقسىواعنف واظلم محن التعذيب ضرب بالسلاسل جلد وهو من ينحني لغسل الذنوب في الطقوس التطهيرية، هو الممر والمجرى للتخلص من الأوساخ والذكريات المذمومة، قرب ضريح عائشة مولاة الواد وقرب ضريح علي بن حمدوش، تذهب الراغبات في الزواج ويولين ظهورهن صوب الواد ويرمون ملابسهن الداخلية لجعلها من الماضي المشؤوم حيث يمثل الظهر قناة الصرف الثقافي للأوساخ والنحس والمطارد.
فيما على العكس من ذلك يرمز الصدر إلى الإيمان والمحبة والفأل والخير الطالع وفي كل الطقوس عند التخشع نطلب الخيربرفع الرؤوس والكفوف ونفتح الأدرعليستقبل الصدر الخير،نتوسل لهالرحمة وللظهر مغفرة الذنوب وحتى في اللغة المسرحية والسينمائية يعتبر جعل المشاهد على ظهر الممثلخطأ أخلاقيا ينبغي تبريره إبداعيا.
هل نحن سعداء باعيننا لماذا تكبر اليوم حاجتنا إلى خيال الكفيف؟
عندما اختارت المخرجة خولة عدم إظهار وجه الإعلامي والإداعي الشهير رشيد الصباحي في فيلمها رغم ان الفيلم تضمن إيحاءات عن سيرته. كنت أنا شخصيا من المبتهجين بهذا الاختيار وقد عبرت لها عن ذلك أثناء مناقشة الفيلم، بل كنت أضع يدي على قلبي وأنا أشاهد هذا الفيلم، مخافة افتقادي للصورة الخيالية الجميلة التي شاركت في بناءها كمتلقي منذ فترة الشباب لإذاعي كان صوته وطريقته في التنشيط، تعطينا إطار صورته ونملئ نحن بقية عناصر الصورة من تخيلاتنا، كنت أخشى أن يتكرر لي الأمر معه كما وقع لي وأنا أشاهد فيلما عن كيلوباترة – حيث كان محمد عبد الوهاب قد رسم لنا بإحساسه إطارا لصورتها وترك لناعملية أعمارها حتى جعلناها مخلوقا نصفه إنسانا ونصفه الآخر ملاكا، بنيناه من صميمأحلامنا.بظهور كيلوباترةفي السينما والمسرح انهار معه خيال المتلقي ونصبت الصورة هيمنتها المطلقة على العملية الابداعية
مع اكتساح الصورة لحياتنا اليومية، تحول النجار من صاحب خيال إلى ناقل للصوركاتالوج – وصار الرحالة الناظم للحكايا والقصص مجرد حائزللبومات صور سفر والصورة الإيكوغرافية سلبت للآباء سحر ومتعة الانتظار.
اقتطعت التلفزة الهزيع الكبير من ليلنا الإبداعي، ولاحقتنا صورة الهاتف النقال حتى الفراش لتصادر ما تبقى لنا من حلم يقظة… ولكي نبدع أو نكتب أو نفكر علينا أن نثبت اصبعنا أو قلمنا بمحيط العين لنعرقل رؤيتها لقد عدنا إلى عصر عبادة الأضواء والنجوم المكتملة الاجسام فاقدة الأفكار والخيال ويبقى لنا الأمل في الجسد الكفيف ولذلك وعندما جاء على صوت رؤوف الصباحي ان والده لا يتمنى ان يرى كان صادقا وملما بقلق السؤال.

 

عبد الفتاح بجقار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *