أكد النجم الأميركي توم كروز أنه اعتاد منذ طفولته على النجاح، لكنه لا يزال يبحث عن تحديات جديدة تدفعه إلى تجاوز ما حققه سابقاً. وقال كروز خلال لقاء مع الجمهور عقب عرض فيلمه الجديد «ديغر» في متحف الأكاديمية بمدينة لوس أنجلوس: «كنت ناجحاً جداً منذ أن كنت طفلاً». ويبدو أن هذا النجاح لم يدفعه إلى الاكتفاء بما وصل إليه، بل جعله أكثر رغبة في خوض تجارب مختلفة، واكتساب مهارات جديدة، ثم توظيفها في مشاريع أكثر مغامرة.
وأضاف كروز: «حسناً، الباب مفتوح. والآن أريد أن أدفعه مرة أخرى»، في إشارة إلى رغبته المستمرة في توسيع حدود تجربته الفنية.
ويجسد كروز في «ديغر»، للمخرج المكسيكي الحائز أربع جوائز أوسكار أليخاندرو غونثالث إينياريتو، دور قطب نفطي من تكساس يجد نفسه مضطراً إلى مواجهة عواقب كارثة بيئية تهدد العالم. ويقدم الفيلم، الذي أنتجته «وارنر براذرز»، مزيجاً شديد الطموح والغرابة من الكوميديا والعوالم غير المألوفة، في مشروع بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقارير، نحو 125 مليون دولار.
ويخوض كروز، البالغ 64 عاماً، وإينياريتو، البالغ 63 عاماً، هذه المغامرة وهما من الجيل نفسه تقريباً، لكن مساريهما في السنوات الأخيرة اتخذا اتجاهات مختلفة. فقد سبق لكروز أن خاض أدواراً بعيدة عن صورته التقليدية كنجم جماهيري، خصوصاً في فيلم «ماغنوليا» لبول توماس أندرسون، الذي نال عنه ترشيحاً للأوسكار، وكذلك في الكوميديا «تروبيك ثاندر» لبن ستيلر، حيث ظهر تحت طبقات من المكياج والمؤثرات الخاصة.
غير أن الجزء الأكبر من مسيرته الأخيرة ارتبط بسلسلة «مهمة مستحيلة»، التي قدم خلالها عروضاً ضخمة ومشاهد خطرة ومعقدة، مستفيداً من معرفته العميقة بما ينتظره جمهور هذه السلسلة. أما «ديغر»، فيفرض عليه نوعاً مختلفاً من المخاطرة، لأنه يطلب منه ومن جمهوره على حد سواء الدخول إلى منطقة فنية أقل ألفة وأكثر غرابة.
وقد انقسم النقاد بشدة حول الفيلم، إذ جاءت بعض المراجعات قاسية للغاية، في حين رأى آخرون فيه تجربة تستحق الاهتمام. وعلى الرغم من الملاحظات التي أثيرت حول العمل، فإن حجم الطموح والموارد والطاقات الفنية التي اجتمعت لصناعة فيلم بهذه الخصوصية يمنحه، في حد ذاته، قدراً من الجاذبية، حتى عندما لا تنجح جميع عناصره في الانسجام بالدرجة نفسها.
وخلال النقاش الذي أعقب العرض، قدم إينياريتو رواية صريحة عن الصعوبات التي واجهها في صناعة الفيلم، موضحاً أن بناء هذا العالم القائم على الوهم البصري تطلب مفاوضات مستمرة بين المسرحة وحضور الكاميرا. فما كان يبدو ملهماً أثناء التصوير قد يظهر في اليوم التالي مختلفاً تماماً عند مشاهدة اللقطات المصورة.
وقال المخرج المكسيكي إن فريق العمل كان «يضحك طوال اليوم»، لكنه كان يعود لاحقاً لمشاهدة المواد المصورة، فيكتشف أحياناً أن ما بدا ناجحاً أثناء التصوير لا يعمل بالضرورة على الشاشة. وروى أنه كان يفكر أحياناً: «يا إلهي، هذا لا ينجح»، قبل أن يكتشف أن تعديل الأداء في الاتجاه المعاكس قد يجعله طبيعياً أكثر من اللازم، وبالتالي يفقد الجانب الكوميدي المطلوب.
وكان إينياريتو يتحدث بذلك عن صعوبة الوصول إلى النبرة الخاصة بالفيلم، وليس عن فشل التجربة. غير أن حديثه كشف مدى هشاشة التوازن الذي حاول صناع «ديغر» تحقيقه. فقد كان على الممثلين أن يعثروا على هذه النبرة من خلال أجسادهم وأصواتهم وطريقة حضورهم أمام الكاميرا. وقال المخرج إن النبرة لا يمكن ببساطة أن تكتب على الورق، لأنها لا توجد بهذه الصورة في السيناريو.
وأشاد إينياريتو بالدقة الكبيرة التي يتعامل بها كروز مع الأداء، مشبهاً تركيزه أثناء التمثيل بتلك «القرارات الصغيرة» التي يتخذها خلال تنفيذ المشاهد الخطرة، حيث يمكن لثانية واحدة أن تفصل بين الحياة والموت. وأوضح أن انتباه كروز للتفاصيل يمتد إلى حركة يديه، وتوقيت ابتسامته أو غمزته، وحتى اللحظات التي يختار فيها الصمت. وأضاف أن الممثل، في كل لقطة، يكون حاضراً ويراقب بشكل طبيعي.
في المقابل، بدا كروز سعيداً بالعمل مع زملائه في الفيلم، ولم يتوقف عن الإشادة بهم. واستعاد صعوبة الحفاظ على الجدية أمام الممثل جون غودمان، بينما وصف ساندرا هولر بأنها «ممثلة استثنائية»، قبل أن يواصل التعبير عن إعجابه بأدائها.
وكان حماس كروز تجاه زملائه أكثر وضوحاً من حديثه عن أسلوبه الخاص في التمثيل. وعندما قدم شرحاً مطولاً حول اعتماده على مراقبة البشر والحياة من حوله لبناء شخصياته، مازحه إينياريتو قائلاً إنه لا يزال يحتفظ بسر طريقته ولا يقدم إجابة مباشرة.
وفي ختام اللقاء، انتقل كروز إلى الحديث عن علاقته بالجمهور وعن طبيعة السينما التي يعتقد أنها تستحق أن تصل إلى الشاشة. وقال إن «ديغر» فيلم «مصنوع يدوياً»، مشيراً إلى أنه كان يتوقف أحياناً مع زملائه أثناء التصوير ليتأملوا التفاصيل التي بذل فريق العمل جهداً كبيراً في إنجازها داخل العالم المادي للفيلم. وأضاف أن الجمهور يريد أن يرى أشياء حقيقية، وأن يعيش تجارب حقيقية.
ورغم أنه لم يذكر الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر، فإن إصراره على عبارتي «الأشياء الحقيقية» و«الفيلم المصنوع يدوياً» يمكن قراءته في سياق النقاش المتزايد حول مستقبل صناعة السينما في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد ركز كروز على قيمة الأشخاص الذين يصنعون الأفلام، وعلى المهارات التي اكتسبوها، وعلى المتعة الناتجة عن العمل الجماعي في إنتاج تجربة سينمائية ملموسة. وقال إن أياً من هذه الأشياء لم يُمنح لهم بسهولة.
ومع كل هذه الثقة، أقر كروز بأن استمراره في خوض مثل هذه المغامرات مرتبط في النهاية بقدرة الأفلام على جذب الجمهور إلى دور السينما. وقال إن أمله الدائم هو أن تحقق أفلامه ما يكفي من النجاح حتى تتاح له فرصة خوض تجربة أخرى.
ولا يزال من المبكر معرفة مدى استعداد الجمهور لمرافقته في مغامرته الجديدة مع «ديغر»، لكن كروز بدا ممتناً لخوض هذه التجربة، مؤكداً أنه، رغم التحديات التي تواجهه وفريقه، يختار أن يتعامل مع عملية الإبداع بروح إيجابية، قائلاً إنه يفضل أن يكون سعيداً أثناء صناعة الأفلام.
وبعد التقاط صورة جماعية مع طاقم الفيلم، واصل كروز عادته في الاقتراب من الجمهور، حيث أمضى نحو 15 دقيقة في التفاعل مع المعجبين الذين اندفعوا نحو المنصة لالتقاط صور سيلفي والتحدث معه. وبعد أربعة عقود من العمل في السينما، لا يزال النجم الأميركي يبحث عن طرق جديدة لخوض مغامرة صناعة الأفلام، حتى عندما تعني هذه المغامرة الابتعاد عن المنطقة الآمنة التي صنعت جزءاً كبيراً من نجوميته.
سينفيليا

