استضاف مهرجان «لوميير» السينمائي بمدينة ليون الفرنسية المخرج الأمريكي روبرت إيغرز، أحد أبرز الأسماء المعاصرة في سينما الرعب ذات الأجواء القوطية والفولكلورية، في لقاء استعرض خلاله ملامح تجربته الفنية ورؤيته للصورة واللغة وبناء الشخصيات المرعبة، بالتزامن مع تقديم مشاهد افتتاحية من فيلمه الجديد «Werwulf» في عرض عالمي حصري.
ويشتهر إيغرز بأعمال سينمائية رسخت أسلوبه البصري الخاص، من بينها «The VVitch» و«The Lighthouse» و«Nosferatu»، إذ يستلهم في أفلامه الأساطير والموروثات الشعبية، ويعيد بناء عوالم تاريخية قاتمة تتداخل فيها المخاوف الإنسانية مع المعتقدات القديمة.
ويأتي فيلم «Werwulf» ضمن هذا التوجه، إذ تدور أحداثه في إنجلترا خلال القرن الرابع عشر، مستعيدا أسطورة المستذئب من خلال معالجة تمزج الرعب بالواقعية التاريخية. ويشارك في بطولته آرون تايلور-جونسن وليلي-روز ديب وويليم دافو، في عمل ينتظر أن يواصل من خلاله المخرج استكشاف العلاقة بين الطبيعة البشرية والوحشية.
وقبل عرض المشاهد الأولى، أوضح إيغرز أن الفيلم لا يزال يمر بمراحل تقنية تتعلق بتصحيح الألوان ومعالجة بعض التفاصيل داخل المختبر. ومع ذلك، أتيحت للحاضرين فرصة الاطلاع على بداية العمل، التي تقدم تصورا جسديا قاسيا ومباشرا لتحول الإنسان إلى مستذئب، بعيدا عن المعالجات التقليدية التي تكتفي بتغيير الملامح الخارجية للشخصية.
وتبدأ المشاهد بأصوات عواء في الظلام، قبل الانتقال إلى عملية تحول تتسم بالعنف الجسدي والصراخ والتواء الأطراف وتكسر العظام، في محاولة لتقديم التحول باعتباره تجربة مؤلمة ومخيفة. ولا يكتفي الفيلم بإظهار آثار هذا الحدث على الجسد، بل يكشف أيضا عن نتائجه المروعة، من بينها نفوق عدد كبير من الماشية، قبل ظهور شخصية يؤديها تايلور-جونسن وقد استعادت هيئتها البشرية، في مشهد يضعها أمام امرأة تؤدي دورها ليلي-روز ديب.
وتوحي هذه اللقطات بأن الفيلم يتجه إلى مقاربة الحدود المضطربة بين العنف والغريزة والجنس، ضمن رؤية سينمائية تستند إلى الموروث الأسطوري، مع منح الجسد دورا أساسيا في التعبير عن الرعب. ويترقب عشاق هذا النوع من الأفلام العمل الجديد، خصوصا بعد النجاح الذي حققه «Nosferatu» في استعادة أجواء الرعب القوطي.
وخلال اللقاء، تحدث إيغرز عن علاقته بتاريخ السينما، موضحا أنه يفضل العودة إلى أعمال المخرجين الكبار الراحلين، ويحرص على إعادة مشاهدة بعض الأفلام بصورة منتظمة، من بينها «The Innocents» لجاك كلايتون. وأضاف أن انشغاله بالبحث المرتبط بمشاريعه الجديدة يدفعه باستمرار إلى اكتشاف أفلام قديمة وإعادة النظر في تجارب سينمائية سابقة.
كما توقف عند أهمية السينما الصامتة في تشكيل رؤيته الإخراجية، معتبرا أن انتقال الفن السابع إلى مرحلة الصوت أدى إلى تراجع الاعتماد على الصورة بوصفها أداة رئيسية لسرد الحكايات، لصالح الحوار والكلام. وأشار إلى أن بعض المخرجين، ومن بينهم فريتس لانغ، تمكنوا من التعامل مع هذا التحول بوعي فني مبكر، مؤكدا أنه سعى في «Werwulf» إلى بناء سرد بصري يسمح بفهم القصة حتى عند إطفاء الصوت.
وأوضح أن الفيلم يستخدم الإنجليزية الوسطى، وهي مرحلة تاريخية من تطور اللغة الإنجليزية، لكنه لا يجعل فهم كل الحوارات شرطا ضروريا لاستيعاب الأحداث، خاصة لدى المشاهدين الذين لا يعتمدون على الترجمة النصية. وبالنسبة إليه، تظل الصورة قادرة على نقل المعنى وبناء التجربة السينمائية، حتى عندما تصبح اللغة عائقا أمام جزء من الجمهور.
وفي حديثه عن اعتماده المتكرر على تصوير عيون الشخصيات النسائية، استشهد بالممثلتين أنيا تايلور-جوي وليلي-روز ديب، اللتين شاركتا في أعماله السابقة، مشيرا إلى أن ملامح عيونهما تساعده على تحقيق التأثير البصري الذي يبحث عنه. وكشف أنه يطلب أحيانا من الممثلين توجيه نظراتهم نحو الكاميرا أو بالقرب منها، مستخدما قطعة صغيرة من الشريط اللاصق لتحديد نقطة النظر، بما يعزز الإحساس بالتواصل المباشر بين الشخصية والمشاهد.
واستحضر في هذا السياق تجربة المخرج الروسي إيليم كليموف في فيلم «Come and See»، معتبرا أن التحكم في اتجاه النظرات يمكن أن يخلق أثرا نفسيا قويا، ويجعل العينين وسيلة لنقل الخوف والانفعال دون الحاجة إلى شرح مباشر.
أما انجذابه إلى العوالم التاريخية، فيفسره إيغرز برغبته في الابتعاد عن المعالجة المباشرة لقضايا الحاضر، موضحا أن السينما تعكس المجتمع بالضرورة، لكن الاقتراب المفرط من الواقع المعاصر قد يجعل الفيلم يبدو وكأنه يسعى إلى تمرير رسالة محددة على حساب التجربة الفنية. ويرى أن إعادة بناء الماضي ماديا وفكريا تتيح فرصة لفهم الحاضر بصورة غير مباشرة، والتأمل في هوية الإنسان والاتجاه الذي يسلكه المجتمع.
وتحتل اللغة بدورها مكانة محورية في أعماله، إذ يعتبرها عاملا يؤثر في طريقة التفكير والإدراك، وليس مجرد وسيلة للتواصل. وأوضح أن تعلم لغات مختلفة يكشف عن طرق متعددة لفهم العالم، ويمنح الإنسان مفاهيم وتعبيرات قد لا يجد لها مقابلات دقيقة في لغته الأصلية، وهو ما يفسر حرصه على مراعاة الخصوصية اللغوية في أفلامه التاريخية.
ولم يخف المخرج صعوبة التصوير الليلي، رغم أنه عنصر يكاد يكون ضروريا في أعمال تتناول مصاصي الدماء والمستذئبين. وأشار إلى أن الظلام يمنح الوحش قوته، كما أن إبقاءه بعيدا عن الرؤية الواضحة يعزز الغموض والخوف، مستشهدا بفيلم «Alien» للمخرج ريدلي سكوت، الذي يعود إليه بوصفه مرجعا أساسيا في بناء صورة المخلوق المرعب. واعتبر أن الكشف الكامل عن الوحش تحت إضاءة ساطعة قد يضعف الإيهام السينمائي، لأنه يجعل المشاهد أكثر وعيا بالحيل والمكياج المستخدمين في تجسيده.
وتطرق إيغرز أيضا إلى الشائعات التي ربطته بإخراج فيلم عن شخصية «باتمان» تدور أحداثه في ثلاثينيات القرن الماضي، بأسلوب أبيض وأسود أقرب إلى أفلام الجريمة القديمة. ورغم إقراره بأن الفكرة قد تكون ممتعة من الناحية البصرية، أكد أنه لا يعتزم إخراج فيلم مقتبس من القصص المصورة، مذكرا بأن عدد الأفلام التي يستطيع المخرج إنجازها خلال حياته يظل محدودا. ومع ذلك، مازح الحاضرين بشأن إمكانية تصور سيارة «باتموبيل» مستوحاة من سيارات رولز رويس في ثلاثينيات القرن العشرين.
وفيما يتعلق بابتكار الوحوش، أوضح أنه لا ينطلق بالضرورة من الرغبة في اختراع مخلوقات جديدة بالكامل، بل يفضل العودة إلى حكايات ومعتقدات لم يسبق له استكشافها سينمائيا. وأشار إلى أن بعض العناصر الفولكلورية، مثل تحول الساحرات إلى أرانب في الموروث البريطاني والكلتي، تراجعت أو اختفت من الذاكرة الثقافية الأمريكية، وهو ما يدفعه إلى البحث في التقاليد القديمة واستعادة ما بقي منها.
واعتبر المخرج أن الوحش في السينما يمثل، في جوهره، انعكاسا للإنسان ومخاوفه، مؤكدا أن مرجعيته الأساسية في تصميم المخلوقات تظل فيلم «Alien» الصادر عام 1979، ولا سيما المظهر الذي ابتكره الفنان السويسري إتش. آر. غايغر. ويرى إيغرز أن هذا التصميم يثير الرعب بسبب مزيجه المقلق من السمات البشرية والجسدية الغريبة، فضلا عن غياب العينين، الذي يمنح المخلوق حضورا باردا يصعب توقع حركته أو فهم نواياه.
وأضاف أن أحد التحديات المتكررة في أفلام المستذئبين يتمثل في تصميم العيون، إذ قد تكشف ملامحها غير المقنعة عن الطبيعة الاصطناعية للمخلوق وتضعف الإحساس بالخطر. وفي المقابل، ينجح وحش «Alien»، وفق رؤيته، في الحفاظ على غموضه وتهديده، لأنه يبدو منفصلا عن المألوف الإنساني.
ومن المرتقب أن يصل «Werwulf» إلى دور العرض في الولايات المتحدة وكندا يوم 25 ديسمبر، على أن يبدأ عرضه في المملكة المتحدة في الأول من يناير، ثم في عدد من الأسواق الأوروبية خلال الأسبوع الأول من يناير 2027، ليقدم روبرت إيغرز فصلا جديدا من مشروعه السينمائي القائم على إعادة إحياء الأساطير القديمة بلغة بصرية معاصرة.
سينفيليا

