نال المخرج الفلسطيني كمال الجعفري تنويها خاصا ضمن الدورة الخامسة والأربعين من مهرجان فانكوفر السينمائي الدولي، عن فيلمه القصير «العودة إلى الوطن» (Going Home)، الذي يقدم تأملا بصريا في الدمار الذي تشهده غزة، من خلال صور تبثها شاشة تلفزيون داخل منزل والديه. وفي المقابل، حصد الفيلم الكندي «نينا روزا» (Nina Roza) الجائزة الرئيسية لمسابقة الأفلام الروائية الكندية، في دورة احتفت بأعمال سينمائية تستكشف قضايا الحرب والهجرة والهوية والذاكرة والبيئة.
وأعلن المهرجان، مساء الأربعاء، عن جوائز لجان التحكيم، قبل اختتام فعاليات دورته المنظمة خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر إلى الحادي عشر منه، والتي تضم أكثر من 160 فيلما طويلا و85 فيلما قصيرا، إلى جانب عروض موسيقية وندوات ولقاءات مهنية مرتبطة بعالم السينما وصناعتها.
وفي فيلم «العودة إلى الوطن»، الذي يمتد على مدى 21 دقيقة، يستعين كمال الجعفري بصور شاشة التلفزيون داخل منزل أسرته، ليتتبع المشاهد القادمة من غزة، متأملا ما تبقى من تفاصيل الحياة اليومية وسط الدمار. ويختار المخرج مقاربة لا تعتمد على التصوير المباشر داخل القطاع، وإنما تركز على كيفية تسلل مشاهد الحرب إلى البيوت، وتحولها إلى جزء من الذاكرة الجماعية للفلسطينيين الذين يعيشون بعيدا عن أرضهم.
وحصل العمل، وهو إنتاج فلسطيني ألماني فرنسي، على تنويه لجنة تحكيم منتدى الأفلام القصيرة، فيما صنفه المهرجان ضمن الأفلام الوثائقية التي تتناول حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. كما أشار التعريف الرسمي بالفيلم إلى تناوله الإبادة الجماعية في فلسطين، ويعتمد في حواراته اللغتين العربية والإنجليزية، من إنتاج شركة كمال الجعفري للإنتاج.
ويواصل الجعفري من خلال هذا العمل اشتغاله السينمائي على الصور المنزلية والأرشيفية بوصفها وسيلة لاستعادة المكان الفلسطيني ومساءلة ما تخفيه الصور أو تعجز عن إظهاره. ويرتبط مشروع المخرج والمنتج، المولود بمدينة الرملة، بقضايا الذاكرة والمحو والغياب، وبالعلاقة التي تجمع الفلسطيني بصور المدن والمنازل التي تركها خلفه.
أما الجائزة الكبرى لمنتدى الأفلام القصيرة، وقيمتها خمسة آلاف دولار كندي، فآلت إلى فيلم الرسوم المتحركة التايواني «ما قبل الأبوة والأمومة» (Pre-Parenting)، للمخرجة يو يو. ويتناول العمل، الذي تبلغ مدته 15 دقيقة، تجربة امرأة تستعد للأمومة باستخدام نظارات للواقع المعزز، قبل أن تفقد ابنتها التي لم تولد بعد إثر حادث سيارة، لتستقر شظية من عدسة النظارة داخل دماغها، وتبدأ بعدها في رؤية الطفلة في أماكن مختلفة. ويمزج الفيلم بين تحريك الدمى والخيال العلمي والرعب النفسي، في معالجة لمشاعر الفقد والحزن.
وفي مسابقة الأفلام الروائية الكندية، منحت لجنة «سَمِت» جائزتها الرئيسية، البالغة 15 ألف دولار كندي، للمخرجة جينيفييف دولود دو سيل عن فيلم «نينا روزا». وأشادت اللجنة بالمعالجة السينمائية لموضوعات الهجرة والهوية والحنين إلى الوطن، فضلا عن الإخراج وأداء الممثلين والتصوير والموسيقى.
وتدور أحداث الفيلم حول ميخائيل، وهو خبير في الفن المعاصر غادر بلغاريا برفقة ابنته روزا ليستقر في مونتريال قبل نحو ثلاثة عقود. وتتغير حياته عندما يكلفه أحد جامعي الأعمال الفنية بالعودة إلى بلده الأصلي للتحقق من لوحات تنسب إلى نينا، وهي طفلة تبلغ ثماني سنوات وتوصف بامتلاك موهبة فنية استثنائية. غير أن الرحلة تتحول تدريجيا إلى مواجهة مع ماضي ميخائيل وأسئلة تتعلق بمستقبل الطفلة.
ويجسد الشخصية الرئيسية المخرج المسرحي البلغاري الكندي غالين ستويف، في أول ظهور سينمائي له، بينما تؤدي التوأمتان صوفيا وإيكاترينا ستانينا شخصية نينا. ويبلغ الفيلم 103 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين كندا وإيطاليا وبلغاريا وبلجيكا، وتدور حواراته باللغتين البلغارية والفرنسية.
ويأتي هذا التتويج ليعزز الحضور الدولي للفيلم، الذي سبق أن نالت مخرجته الدب الفضي لأفضل سيناريو في مهرجان برلين، كما حصد جائزتين في سوق لوكارنو سنة 2025، قبل أن يفوز بجائزة الجمهور في مهرجان صوفيا. واختارت لجنة تابعة لمؤسسة «تيليفيلم كندا» العمل من بين 17 فيلما لتمثيل البلاد في المنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم دولي لعام 2027، على أن تعلن القائمة المختصرة في 15 ديسمبر المقبل، والترشيحات النهائية في 21 يناير 2027.
وفي المسابقة ذاتها، حصل فيلم «الابن القوي» (Strong Son)، للمخرج إيان باوا، على تنويه خاص، بفضل تناوله الضغوط النفسية التي يواجهها رجل يمارس كمال الأجسام، ويعود إلى منزل أسرته لرعاية والده المسن. ومع تصاعد أعباء الرعاية والقلق، تبدأ صورته عن القوة في التصدع، ليطرح الفيلم أسئلة بشأن الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، خصوصا بين الآباء المهاجرين من الجيل الأول وأبنائهم. كما يناقش مفهوم الرجولة الذي يربط الصلابة بالصمت والتحمل، في مقابل اعتبار طلب المساعدة شكلا من أشكال القوة.
وفي فئة الأفلام الروائية الأولى والثانية، فاز فيلم «في قلب الجنوب» (In the Heart of the South)، للمخرجة نيلا إينوكسوك، بجائزة «هورايزن» التي تبلغ قيمتها ثلاثة آلاف دولار كندي. وتبدأ أحداث الفيلم خلال عاصفة ثلجية بمدينة إيكالويت في شمال كندا، حين تمر طفلتان من شعب الإنويت بتجربة غامضة تترك أثرا عميقا في حياتهما.
وبعد مرور سنوات، تنتقل الأحداث إلى تورنتو، حيث تحاول إحداهما استعادة تلك التجربة وتحويلها إلى مشروع سينمائي، لتجد نفسها أمام أسئلة معقدة بشأن تمثيل السكان الأصليين والجهة التي تملك حق سرد قصصهم وعرض معاناتهم على الشاشة. وتوظف إينوكسوك عناصر الدراما والرعب النفسي والسخرية لتسليط الضوء على اختلال موازين القوة داخل صناعة السينما، وعلى إمكانية استغلال تجارب المجتمعات الأصلية من طرف مؤسسات ثقافية لا تنتمي إليها.
وتؤدي آنا لامبي وزورغا قوناك دوري البطولة، بعد مشاركتهما في مسلسل «شمال الشمال» (North of North)، فيما تضفي الموسيقى المستوحاة من تقاليد الغناء لدى الإنويت بعدا إضافيا على العالم النفسي للفيلم. وفي المسابقة نفسها، حصل «تشوه القدم» (Clubfoot)، للمخرج ناثان دونوفان، على تنويه خاص.
وامتد حضور أفلام السكان الأصليين إلى فئة الوثائقي، حيث فاز فيلم «المراسم» (Ceremony)، للمخرجة بانشي هانوز، بجائزة «تايدز» المخصصة للأفلام الوثائقية الكندية وأعمال مخرجي السكان الأصليين، وتبلغ قيمتها 15 ألف دولار كندي.
ويتناول الفيلم اختفاء سمك الأوليغان من منطقة بيلا كولا، متتبعا جهود شعب نوكسالك لفهم أسباب هذه الظاهرة والدفاع عن الأرض والموارد المائية. وتكتسب هذه السمكة أهمية تتجاوز توفير الغذاء، إذ ترتبط أيضا بالطب التقليدي والاقتصاد والممارسات الطقوسية والمعارف التي تناقلتها الأجيال.
وتجمع هانوز بين شهادات أفراد مجتمعها والرسوم المائية المتحركة والمواد الأرشيفية، لتربط الأزمة البيئية بتاريخ السياسات الاستعمارية والصراع من أجل حماية اللغة والموارد الطبيعية. وكان الفيلم قد حصل في وقت سابق من سنة 2026 على جائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم الوثائقي الكندي في مهرجان «هوت دوكس».
كما نال فيلم «ليل ساكن، منزل يحترق» (Still Night, Burning House)، للمخرجة كارول نغوين، تنويها خاصا. وفي فئة الإنتاج السينمائي المنجز بمقاطعة بريتيش كولومبيا، ذهبت جائزة «أربوتوس» إلى فيلم «كيف نقف» (How We Stand)، للمخرجة ماري كليمنتس، وهي جائزة تبلغ قيمتها عشرة آلاف دولار كندي، إلى جانب خدمات ما بعد الإنتاج بقيمة 15 ألف دولار.
ويستعيد الفيلم قصة أم من السكان الأصليين تنتقل، خلال خمسينيات القرن الماضي، من أوكلاهوما إلى لوس أنجلوس برفقة بناتها الثلاث، استجابة للوعود التي روج لها برنامج حكومي لنقل السكان الأصليين إلى المدن. لكن الآمال المرتبطة بالعمل والاستقرار تتبدد، قبل أن تؤدي واقعة صادمة إلى تفرق الشقيقات.
وبعد مرور عشرين عاما، يكشف الفيلم مساراتهن المتباينة؛ إذ أصبحت إحداهن طبيبة، فيما اختارت الثانية النشاط السياسي ثم التمثيل، بينما لا تزال الثالثة عاجزة عن تجاوز صدمة لم تستطع البوح بها. وتعتمد كليمنتس على الواقعية السحرية والسخرية من أفلام الغرب الأمريكي لتفكيك آثار العنصرية وعنف المؤسسات في حياة الأسر عبر الأجيال.
وحصل فيلم «أرسل المطر» (Send the Rain)، للمخرجتين هايلي غراي وكايلا واتشيل، على تنويه خاص أيضا. ويتابع العمل قصة رسامة كندية من أصول أوكيناوية تحاول إقناع جدتها بمغادرة مزرعة الأسرة مع اقتراب حرائق الغابات، في رحلة تكشف جوانب من تاريخ العائلة وصلتها بالأرض والهجرة والعمل الزراعي.
وفي فئة «فانغارد»، توج فيلم «اسمع الأصفر» (Hear the Yellow)، للمخرجة التركية بانو سيفاجي، بالجائزة التي تبلغ قيمتها خمسة آلاف دولار كندي. ونوهت لجنة التحكيم بلغته السينمائية وتوظيفه الاستعارة لبناء مواجهة بين الريف والمدينة، وبين أفراد أسرة فرقتهم السنوات والتجارب.
وتعود سونا، بطلة الفيلم، إلى قريتها في الأناضول لحضور زفاف ابن شقيقها، لكنها تجد منزل الأسرة متضررا بفعل اضطرابات جيولوجية، فيما تتعمق الخلافات بينها وبين شقيقها بسبب اختفاء شقيقتهما. ويتحول البحث عن المرأة الغائبة إلى مواجهة مع التقاليد التي دفعت سونا إلى مغادرة القرية، وإلى اختبار صعب للعلاقة بين الوفاء للأسرة والتمسك بالمبادئ الشخصية.
وكان الفيلم قد حصد جوائز أفضل فيلم وسيناريو وممثل وممثلة في مهرجان تاورمينا سنة 2026. وفي المقابل، منحت لجنة «فانغارد» تنويها خاصا لفيلم «ذلك الظل المتلاشي» (That Shadow Fading)، للمخرج صامويل أوربينا.
وتعكس حصيلة الدورة الخامسة والأربعين من مهرجان فانكوفر السينمائي الدولي تنوعا في الموضوعات والأساليب، مع حضور واضح لأعمال تربط التجارب الفردية بقضايا إنسانية واجتماعية أوسع. فمن الدمار في غزة إلى الهجرة والحنين إلى الوطن، مرورا بحقوق السكان الأصليين والعنصرية وتغير المناخ والصحة النفسية، قدمت الأفلام المتوجة مقاربات مختلفة لتجارب مجتمعات تسعى إلى إيصال أصواتها واستعادة حقها في سرد تاريخها وواقعها عبر الشاشة.
سينفيليا

