الرئيسية ⁄ السينما العالمية ⁄ ألفونسو كوارون: الحياة أهم من السينما والنجاح الحقيقي يكشفه الزمن

ألفونسو كوارون: الحياة أهم من السينما والنجاح الحقيقي يكشفه الزمن

ألفونسو كوارون

استعاد المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون، الحائز جوائز أوسكار، أبرز المحطات التي طبعت مسيرته السينمائية، متوقفا عند الدروس التي تعلمها من إخراج فيلم «هاري بوتر وسجين أزكابان»، والتجربة التي خاضها في إنجاز «أطفال الرجال»، الذي تحول مع مرور السنوات إلى أحد أكثر أعماله تقديرا لدى عشاق السينما، رغم تعثره تجاريا عند صدوره.
وجاءت تصريحات كوارون خلال مشاركته في درس سينمائي متقدم ضمن فعاليات مهرجان بوسان السينمائي الدولي بكوريا الجنوبية، حيث حاوره المخرج الكوري الجنوبي يون سانغ هو، المعروف عالميا بفيلم الزومبي «قطار إلى بوسان». وشكل اللقاء مناسبة للحديث عن العلاقة بين الإعداد الدقيق للعمل السينمائي، والانفتاح على المفاجآت التي تفرضها الحياة أثناء التصوير وخارجه.
واعترف كوارون بأنه لم يكن متحمسا كثيرا، في البداية، لفكرة إخراج أحد أجزاء سلسلة «هاري بوتر»، لكنه أكد أن التجربة أصبحت لاحقا من أكثر التجارب إغناء في حياته المهنية والشخصية. وقال إن العمل على الفيلم منحه عامين من أجمل سنوات حياته، فضلا عن معارف وخبرات جديدة في مجال المؤثرات البصرية، التي لم يكن يمتلك بشأنها خبرة كبيرة قبل خوض هذه التجربة.
وأضاف أن العمل إلى جانب مجموعة من أبرز المتخصصين في صناعة السينما، من مصممي الإنتاج ومديري التصوير وغيرهم من المحترفين، أتاح له اكتساب مهارات جديدة وتطوير فهمه للعمل الجماعي، مشيرا إلى أن المؤثرات البصرية أصبحت، بعد هذه التجربة، جزءا مألوفا من أدواته المهنية.
ولم تتوقف أهمية «هاري بوتر وسجين أزكابان» عند حدود التجربة الفنية، إذ يرى كوارون أن النجاح الذي حققه الفيلم ساعده أيضا على الحصول على فرصة لإنجاز مشروعه «أطفال الرجال»، الذي كان قد كتبه قبل ذلك، لكنه لم يجد جهة مستعدة لتبنيه. وأوضح أن إخراجه فيلم «هاري بوتر» فتح أمامه الطريق لتحقيق هذا المشروع، مؤكدا أنه يشعر بامتنان كبير للسلسلة التي أسهمت في تغيير مسار تجربته السينمائية.
ويزور كوارون كوريا الجنوبية للمرة الأولى، للمشاركة في مهرجان بوسان، أحد أبرز المواعيد السينمائية في آسيا، رفقة ابنه المخرج يوناس كوارون، الذي يقدم خلال التظاهرة أحدث أفلامه الروائية «كامبيون غاباتشو». وسبق للمخرج المكسيكي أن حضر عرضا بتقنية «آيماكس» لفيلمه «جاذبية»، قبل أن يشارك في اللقاء الذي أتاح له استعادة جوانب من تجربته الإبداعية، بمشاركة يون سانغ هو، مخرج فيلم «قطار إلى بوسان». وتعود معرفة المخرجين ببعضهما إلى النجاح الدولي الذي حققه الفيلم الكوري، كما تولى كوارون لاحقا الإنتاج التنفيذي لفيلم «ريفيليشنز» الذي أخرجه يون سنة 2025.
وخلال النقاش، أثار يون مسألة التوازن بين التحكم الدقيق في تفاصيل الفيلم وترك المجال أمام الأحداث غير المتوقعة كي تمنح المشاهد حيوية وواقعية. وأشار إلى أن أعمال كوارون تبدو محكمة البناء وشديدة الدقة، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بإحساس بالحياة، كما لو أن شيئا غير محسوب قد يحدث في أي لحظة، وهي سمة يرى أنها تتجلى بوضوح في فيلم «أطفال الرجال».
ورد كوارون بأن التحضير المسبق والتخيل الدقيق للصورة التي يريدها المخرج يظلان عنصرين أساسيين، لكن الواقع يتدخل دائما في تشكيل النتيجة النهائية. واعتبر أن الأمر يشبه الحياة نفسها، إذ يضع الإنسان توقعات وخططا، غير أن التشبث بها في مواجهة ما يفرضه الواقع قد يؤدي إلى التعاسة والانفصال عن مسار الحياة الطبيعي.
وأوضح أن التقدم في السن وتراكم الخبرات علماه أهمية الاستعداد الجيد للأحداث، مع الاحتفاظ بالقدرة على تقبل ما تأتي به الحياة. فالأمور، بحسب رأيه، قد تقود الإنسان إلى أماكن وتجارب لم يكن يتوقعها، وهو ما يجعل عملية صناعة الأفلام وثيقة الصلة بالتجربة الإنسانية في عمومها.
وتوقف المخرج المكسيكي أيضا عند أسلوب اللقطات الطويلة المتواصلة الذي يميز عددا من أعماله، ولا سيما «أطفال الرجال»، الذي يضم مشاهد أصبحت من أبرز الأمثلة على هذا الأسلوب في السينما المعاصرة. وأوضح أن حرصه على الإعداد التقني الدقيق لا يتعارض مع إتاحة المجال للحدس ولما وصفه بـ«المعجزات السينمائية» التي قد تظهر أثناء التصوير.
وقال إن التحضير والتحكم في عناصر المشهد يهدفان، في جانب منهما، إلى تهيئة الظروف التي تسمح بظهور ما هو غير متوقع. فاللقطة الطويلة، بحسب شرحه، تفرض متغيرات لا يستطيع المخرج السيطرة عليها بالكامل، من بينها مرور الزمن، وتبدل العلاقات المكانية بين الممثلين والكاميرا، فضلا عن تغير الإضاءة خلال المشهد الواحد.
ولهذا السبب، يفضل كوارون الاعتماد على الضوء الطبيعي قدر الإمكان، لما يتيحه من تغيرات تلقائية مرتبطة بالإضاءة والطقس، قد تمنح المشهد نتائج لم تكن حاضرة في التصور الأولي. وأوضح أن المخرج قد يبدأ التصوير وهو يعرف تماما ما يريد تحقيقه، لكن الحياة قد لا تمنحه الصورة التي تخيلها، بل قد تقدم له شيئا أفضل لم يكن قادرا على تصوره مسبقا.
وفي حديثه عن تقييم الأعمال الفنية، أكد كوارون أن النجاح لا ينبغي أن يقاس فقط بالإيرادات أو آراء النقاد أو الجوائز، بل بما يتعلمه المخرج من كل تجربة ومدى تطوره من عمل إلى آخر. وأشار إلى أنه اعتاد، بعد الانتهاء من كل فيلم، مراجعة ما اكتسبه خلال إنجازه، انطلاقا من قناعته بأن القيمة الأساسية لصناعة فيلم تكمن في الدروس التي يمكن الاستفادة منها عند العمل على المشروع التالي.
واستشهد بفيلم «أطفال الرجال»، الذي وصفه بأنه ربما كان العمل الذي تعلم منه أكثر من أي فيلم آخر، رغم أنه لم يحقق نجاحا كبيرا عند صدوره. فقد تلقى آنذاك مراجعات نقدية متوسطة، ولم يحقق نتائج تجارية قوية، لكنه أصبح مع مرور الوقت من أكثر أعمال كوارون حضورا في النقاشات السينمائية. ويرى المخرج أن الزمن وحده كفيل بالكشف عن القيمة الحقيقية للأعمال الفنية، وأن استقبال الجمهور والنقاد لفيلم ما قد يتغير جذريا بعد سنوات من عرضه الأول.
وتأتي هذه التصريحات في سياق موقف كوارون الداعم لصديقه المخرج أليخاندرو غونزاليس إينياريتو، الذي واجه فيلمه الجديد «ديغر» انتقادات فاترة، في إشارة إلى أن ردود الفعل الأولية لا تعكس بالضرورة الأثر الذي قد يتركه العمل على المدى البعيد.
وفي ختام اللقاء، طرح يون سانغ هو سؤالا بشأن أثر سنوات العمل في السينما على نظرة المخرج إلى العالم. وقال إنه بدأ صناعة الأفلام عندما كان أصغر سنا في محاولة لفهم العالم، لكنه اكتشف لاحقا أن التجربة السينمائية جعلته يدرك مدى محدودية فهمه للحياة، متسائلا عما إذا كانت رؤية كوارون للعالم قد أصبحت أكثر وضوحا أم ازدادت غموضا مع مرور الوقت.
وجاء جواب كوارون واضحا، إذ قال إن نظرته أصبحت أكثر غموضا، معتبرا ذلك أمرا إيجابيا. وأوضح أنه كان ينظر، في شبابه، إلى السينما باعتبارها كل شيء، فيما لم تكن الحياة سوى جزء منها، لكنه أصبح اليوم أكثر انفتاحا على الحياة نفسها، التي وصفها بأنها مدهشة بكل ما تحمله من تجارب واحتمالات. وأكد أن السينما لا تزال تحتل مكانة مهمة في حياته، لكنها لم تعد تمثل الحياة بأكملها، بل أصبحت جزءا منها فحسب.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *