الرئيسيةأعمدةملف السينما النسائية في المغرب: تألق مستمر

ملف السينما النسائية في المغرب: تألق مستمر

إعداد: عبد الكريم واكريم

هنالك الآن في المغرب موجة من المخرجات المغربيات الشابات أثبتن أنفسهن بتجاربهن الجد محترمة، وذلك بفضل سياسة نور الدين الصايل التي راهن فيها على الإنفتاح على تجارب شابة كانت فيها للنساء حصة مهمة وموازية تقريبا للرجال، في فترة توليه مقاليد المركز السينمائي المغربي، عكس ما كان عليه الحال في العقود المنصرمة حيث كانت السينما المغربية رجالية بشكل شبه كلي، فإذا استثنينا المخرجة وكاتبة السيناريو فريدة بليزيد فلن نذكر سوى تجارب عابرة لبعض النساء صنعن فيلما ثم لم يُعِدنَ الكَرَّةَ خلال تلك العقود أو أعدنها بعد ظهور هذه الطفرة التي تكلمنا عنها وبفضلها، وهنا يحضر إسم كفريدة بورقية التي أخرجت فيلما وحيدا هو «الجمرة» سنة 1980 ثم اتجهت للدراما التلفزية، لتعود بعد عقود بفيلم سينمائي هو «طريق لعيالات» سنة 2007، أما التجربة التي لم تتكرر رغم تميزها فهي لفاطمة الجبلي الوزاني بفيلمها الوثائقي الجميل «في منزل والدي» الفائز بالجائزة الكبرى بالمهرجان الوطني للفيلم بالدار البيضاء سنة 1999.
ونظرا لآنية هذه الطفرة النسائية خصصنا في »سينفيليا “ملفا لها، تجدونه في الصفحات التالية:

المخرجة المغربية صوفيا علوي:
جائزتا «ساندانس» و«السيزار» مكنتاني من الإشتغال بحرية

المخرجة المغربية صوفيا علوي
المخرجة المغربية صوفيا علوي

فازت المخرجة المغربية صوفيا علوي مؤخرا بفيلمها الروائي الطويل الأول «أنيماليا» (2023) بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة الأفلام الروائية الدولية (الرؤية الإبداعية) بمهرجان «ساندانس السينمائي»، والذي كانت قد فازت فيه أيضا بالجائزة الكبرى عن فيلمها القصير «لا يهم إن نفقت البهائم» عام 2020 ثم ظفرت بعد ذلك بجائزة «سيزار»* أفضل فيلم قصير.
ومن المعروف أن «مهرجان ساندانس» الأمريكي يعتبر أهم مهرجان عالمي للسينما المستقلة، مَرَّ منه وتُوِّجَ فيه مخرجون عالميون مهمون في بداياتهم، كستيفن سودربرغ بفيلمه الأول «جنس، أكاذيب وفيديو» وكوينتن تارنتينو بفيلمه الأول «مستودع الكلاب» وجيم جارموش وغيرهم.
من القصير للطويل
أكدت صوفيا علوي في حوارها مع «سينفيليا» أن فيلمها القصير «لا يهم إن نفقت البهائم» مكَّنها من الظهور في الوسط المهني السينمائي ومن ربح ثقته، وأعانها على صناعة فيلمها الروائي الطويل الأول، إذ جعلها تُقنع الآخرين كي ينخرطوا معها في إنجازه. أما بخصوص رؤيتها في فيلمَيْها الطويل والقصير فتقول صوفيا أن العوالم التي كانت ترغب في تطويرها والإشتغال عليها كانت موجودة بالأساس في فيلمها القصير «لا يهم إن نفقت البهائم»، بحيث انطلقت من أسلوب يجمع بين أنواع سينمائية هي التخييلي والتسجيلي والفنتاستيكي والدراما الإجتماعية، وهذا التزاوج والخلط بين عدة أنواع صعب شرحه بالكلام والأجدر بالعمل مُنجزا أن يُقنع في حد ذاته، وهكذا تضيف صوفيا «فقد سَهَّلَت عَلَيَّ جائزتا «ساندانس» و«السيزار» المرور للإشتغال بحرية في فيلمي الروائي الطويل «أنيماليا»، خصوصا أنه من الصعب الخوض في فيلم فنتازي في المغرب كون السينما المغربية درجت على إنتاج أفلام واقعية واجتماعية وما نكاد نخرج على هذه القوالب حتى نضطر للمقاومة أكثر، وتأتي الجوائز الدولية في هذا السياق لتدعمنا».
مشاريع مستقبيلة
وبخصوص استشرافها لمسارها بعد هذا النجاح العالمي قالت صوفيا لـ«سينفيليا» «بالنسبة لي لا أعلم ما يُخبِّئُهُ لي المستقبل، لكن لا أخفي أنني متشوقة لإنجاز أفلام من نفس النوعية التي اشتغلت عليها في فيلمِي الروائي الطويل الأول، مع طموح أكبر لإخراج فيلم من نوعية الخيال العلمي، ولديَّ سقف عال في هذا السياق، خصوصا أنهم في أوروبا ليسوا معتادين على صناعة أفلام من هاته العَيِّنة كما في هوليود»*. مضيفة «بالمقابل لَدَيَّ مشاريع سينمائية مستقبلية في المغرب، خصوصا أنني صنعت فيلمي الروائي الطويل بنفس عالمي، وقد أسعدني أن فيلمي استُقبل بحرارة من طرف الصحافة والجمهور بساندانس، ليس كفيلم مغربي فلكلوري صغير بل كفيلم فني مُجَدِّد وذو نفس كوني».
هواة ومحترفون
وأكدت صوفيا لـ«سينفيليا» أن اختيارها لممثلين هواة أو محترفين ليس فيه نوع من القصدية «بحيث أقول مع نفسي سأشتغل مع ممثلين هواة وليسوا محترفين بل هو راجع إلى رغبتي في الإلتقاء بالناس، وهكذا أرى في بعضهم شخوصي التي سأصورها في أفلامي، بحيث لا أتَعمَّد أن أُسند دورا لممثل محترف وآخر لممثل هاو. لكن بالمقابل طريقة تعاملي مع الممثلين الهواة تختلف تماما عن المحترفين الذين أشتغل معهم بشكل أكاديمي، إذ أنني لا أعطي السيناريو للهواة ولا ألقنهم ما سيقولون بل أشتغل معهم في مرحلة التصوير في البلاتو، لأن الذين ليست لديهم تجربة في التمثيل تُشَكِّلُ لهم الحوارات عبئا أثناء التصوير ويأتون مضغوطين نفسيا خوفا من نسيانها، الأمر الذي يُربِكُهم أمام الكمِّ الهائل من المهنيين والمشتغلين في الفيلم، ويجعلهم يستعرضونها عوض أن يُمثِّلُوها ويُحِسُّوا بها، وهكذا أحَرِّرُهم من الضغط النفسي بعدم إعطائهم الحوار بشكل مسبَّق وأشرح لهم فقط المَشَاهِد، وهكذا بالإشتغال الجيد أصل معهم لما أريده خصوصا أنني متحمسة للعمل بهذه الطريقة وأحبها».
فانتازيا ورموز
بخصوص اختيارها للفنتازيا كنوع سينمائي، تؤكد صوفيا أنها لا تطرح أسئلة على نفسها هل تم التطرق لهذا النوع في المغرب قبلا أم لا، وتقول في هذا السياق «السينما هي التي تَهمُّني كمشاهدة سينمائية، وهذا النوع السينمائي مُمتِع ويُسائِل الواقع في نفس الآن، خصوصا أنني مهتمة بالإشتغال على الرمز ومنشغلة بثقل الصورة وبلاغتها، وهكذا وجدتُ نفسي مدفوعة للعمل بلغة سينمائية مُحَمَّلَة بالرموز، وهذا الأسلوب يليق بنوع أفلام الماورائيات والفانتازيا، لأننا نكون خارج الواقع بشكل من الأشكال، الأمر الذي يُمكِّنُنِي من استكشاف عوالم تجعلني أُسائِل الواقع المجتمعي من خارجه مع المحافظة على نوع من المسافة يمنحها لي هذا النوع السينمائي. وهذا ما يهمني وليس فقط صناعة فيلم فانتازي كنوع غير مُتناول في السينما المغربية قبلا، وإلا سأكون سطحية لو فكرت بهذه الطريقة».
رؤى أنثوية
بخصوص موجة المخرجات المغربيات اللواتي استطعن الحضور في الساحة السينمائية الدولية مؤخرا والتي تُعتبر واحدة منهن، تقول صوفيا علوي «هناك مخرجات مغربيات استطعن الحصول على اعتراف في الساحة العالمية، وبما أننا في مجتمع ذكوري فَمِنَ الجميل رؤية أصوات ورؤى أنثوية أيضا لواقعنا، لأن المجتمع يتأسس من رجال ونساء، وفي بعض الأحيان نلاحظ صورا نمطية ينتجها رجال حول المرأة، وبصفتنا نساء فنحن ننتج صورا للمرأة مختلفة في أغلب الأحيان، وهذا مهم كون رؤيتنا الأنثوية للواقع الذي نعيش فيه ستمكنه ربما من التطور للأفضل».
مرجعيات ثقافية
حول مرجعياتها الفنية والثقافية تقول صوفيا لـ«سينفيليا» «أنا متأثرة بالقصص وبالنصوص القديمة وبالأساطير والخرافات وأتساءل باستمرار حولها، إذ أن وجودها يعني أنها حتما تحمل معنى وليست هنا اعتباطا، وأحب أن أُسائِل نفسي عبرها وأستكشفها، إضافة إلى أني أحب ملاحظة الآخر وأعشق في السينما كونها تُمكِّننا من الإشتغال على شخصيات نستوحيها من الواقع، الأمر الذي يجعلني أنغمس في محاولة لفهم التركيبة المعقدة للإنسان وهذا الغموض الذي يكتنف تصرفاته ودوافعه.

*صوفيا علوي تقيم ما بين فرنسا والمغرب، لذلك نجد في حديثها إشارة لأوروبا وجمهورها.
*جوائز «السيزار» هي مقابل جوائز الأوسكار في فرنسا

 

أهل السينما في المغرب يُعلِّقون على وصول فيلم مريم التوزاني للائحة القصيرة للأوسكار

يعتبر «أزرق القفطان» ثاني فيلم مغربي يصل لِلَّائحة القصيرة الأولى لأوسكار أحسن فيلم أجنبي بعد فيلم «عمر قتلني» للمخرج والممثل المغربي الفرنسي رشدي زم سنة 2011. أما مريم التوزاني فهذه ثاني مشاركة لها في الإقصائيات بعد مشاركتها بفيلمها الروائي الطويل الأول «آدم» سنة 2019.
«أزرق القفطان» هو الفيلم العربي والإفريقي الوحيد في اللائحة التي أعلن عنها ليلة الأربعاء الماضي، والتي تضم 15 فيلما من دول عالمية مختلفة.
وينافس مع «أزرق القفطان» أفلام «قرار بالرحيل» للمخرج الكوري بارك شان ووك، «باردو» للمخرج المكسيكي أليخاندرو إينياريتو جوزاليس «الأرجنتين85 « للمخرج الأرجنتيني سانتياجو ميتري، «كورساج» للمخرجة النامساوية ماري كروتزر، «كلوز» للمخرج البلجيكي لوكاس دهونت، «العودة إلى سيول» للمخرج الكامبودي ديفي شو، «العنكبوت المقدس» للمخرج علي عباسي ممثلا للدانمارك، «سانت أومير» للمخرجة الفرنسية أليس ديوب، «آخر عرض سينمائي» للمخرج الهندي بان نالين، «الفتاة الهادئة» للمخرج الإيرلندي كولم بيرياد، «جوي لاند» للمخرج الباكستاني سايم صاديق، «كل شيء هادئ في الجبهة الغربية» للمخرج الألماني إدوارد برغر، «EO» للمخرج البوبلوني جيرزي سكوليموفسكي و«مذكرات كاذبة» لطارق صالح ممثلا السويد.
كانت أولى مشاركات المغرب في مسابقة حفل الأوسكار الخمسين سنة 1977 بفيلم «عرس الدم» لواحد من أهم المخرجين المغاربة الرواد سهيل بن بركة. وانقطعت بعد ذلك المشاركات حتى سنة 1998 حيث رجع المغرب للمشاركة بالفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج نبيل عيوش «مكتوب»، هذا الأخير الذي سيشارك بعد ذلك أربع مرات بأفلام»علي زاوا» (2000)، «ياخيل الله» (2013)، «غزية» (2017) و«عَلِّي صوتك»(2021).

ضرورة الدعاية
المخرج إدريس المريني الذي سبق لفيلمه «عايدة» أن مثل المغرب في مسابقة الأوسكار سنة 2015 قال لـ«الشرق» أن تَرَشُّحَ فيلمه آنذاك كان مفاجأة سارة بالنسبة له، إذ أنه لم يكن ينتظر أو يفكر أنه سيتم اختياره، مضيفا أن هذا الإختيار كان بالنسبة له بمثابة حافز وتقدير لعمله السينمائي. لكنه ردَّ عدم إمكانية وصول فيلمه وأفلام مغربية أخرى لمراحل متقدمة من المنافسة كونها لا تحصل على دعاية وإشهار كافيين في منابر أمريكية قصد الترويج لها إشهاريا، الأمر الذي يدخل في طقوس الأوسكار، واستنتج قائلا في هذا السياق «من تجربتي هاته فكرتُ أن على المركز السينمائي المغربي أن يخصص ميزانية مليون أو مليوني درهم لمرافقة الفيلم المرشح للأوسكار دعائيا، وهذا ما أتمنى أن يكون مستقبلا».
واعتبر إدريس المريني وصول فيلم «أزرق القفطان» للائحة القصيرة للأوسكار إنجازا كبيرا للسينما المغربية، سيدفع بها للأمام ويساهم في تطورها. وهذا يعني أن اللجنة التي اختارت الفيلم وجدته ينتمي لنوعية فنية متميزة، وعبَّرَ المريني عن متمنياته للفيلم بالوصول للمرحة الثالثة ضمن الخمسة أفلام، الأمر الذي ليس ببعيد أن يحصل، وخلص أن هذا يدل على أن السينما المغربية في تطور مستمر.

خارج عباءة عيوش
الناقد السينمائي محمد بن عزيز قال لـ«الشرق» أن مريم التوزاني فتحت أُفُقا عالميا للسينما المغربية بدخولها للائحة القصيرة للأوسكار، واعتبر أنها بوصولها لهذا المستوى من التنافس تخرج من ظل وعباءة زوجها المنتج نبيل عيوش، لكي تشق طريقها بموهبتها، الأمر الذي كان يبدو في بداية مسارها أمرا صعبا. وهذا يثبت وجاهة اختيار هذا الفيلم ليمثل المغرب في الأوسكار. وأضاف أن هذا الاختيار تتويج لموجة المخرجات المغربيات الشابات وعلى رأسهن مريم بنمبارك ومريم التوزاني.

القاعدة والإستثناء
ابتدأ المخرج محمد اليونسي حديثه ل»الشرق» قائلا «إذ كان الإستثناء سيعمل على إيصال الفائدة أو المنفعة فلما لا نخالف القاعدة بل القواعد»، واسترسل معتبرا خبر اختيار فيلم مغربي ضمن اللائحة القصيرة لجائزة أوسكار الفيلم الأجنبي مشرفا للسينما المغربية، رغم مايقال على أن هذا الفيلم خالف قواعد اختيار الفيلم المُمَثِّلِ للمغرب في هذه الجائزة كونه لم يُعرَض بالصالات السينمائية. ويضيف اليونسي «إن كان فيلما سيشرف السينما المغربية فلماذا نُقصيه، مقابل قانون وضعي، ونُرَشِّح فيلما رديئا لمجرد أنه يتوفر على المواصفات القانونية».
ويسترسل اليونسي «أننا يجب أن نعتبر هذا الاختيار عِبرَة نأخذ منها الدرس، حتى لانسقط في نفس المشكلة ثانية، إذ يجب متابعة الأفلام التي يُرجَى منها تشريف المغرب، وذلك باتباع استراتيجية مدروسة لاختيار أفلام تخدم القضايا الوطنية وأفلاما تُغني الخزانة السينمائية وأخرى تشرف المغرب في المهرجانات الدولية، زيادة على الأفلام الموجهة لعموم المشاهدين». ويربط اليونسي هذا بضرورة إعادة هيكلة لجنة الدعم وتزويدها باستراتيجية بعيدة المدى تخدم السينما المغربية. كما يجب، في نظره، تخصيص لجنة مختصة تتابع الأفلام التي يُرجى منها تمثيل المغرب في المحافل الدولية.
وبالتالي يبقى اختيار فيلم مغربي ضمن اللائحة القصيرة للأوسكار، بالنسبة لليونسي، حدثا يجب استثماره مستقبلا بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول موضوعه.

المخرجة المغربية مريم التوزاني:
المواضيع الحساسة في فيلمي «أزرق القفطان»
هدفها الدفع بالنقاش حول الحريات وليست لإثارة الضجة

المخرجة المغربية مريم التوزاني
المخرجة المغربية مريم التوزاني

بعد عرض فيلم مريم التوزاني منذ أيام قليلة ضمن أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان مراكش السينمائي، ورغم كونه استقبل داخل قاعة العرض بقصر المؤتمرات بتصفيقات حادة دامت لعدة ثواني، إلا أن التَّلقِّي في المواقع الإلكترونية المغربية وفي مواقع التواصل الإجتماعي كان مختلفا على العموم، إذ انتشرت تعليقات حول الفيلم من طرف قليل مِمَّن شاهدوه وكثير ممن يتبعون الموجة التي تتجدَّدُ باستمرار كل فترة في المغرب عن أفلام تخدش الحياء وتسيء للهوية وللتقاليد المغربية والتي تهدف جرأتها لاختراق «التوافق» الهشِّ حول المواضيع التي لا يجب التطرق إليها والتي تُعَدُّ من الطابوهات، خصوصا ما يتعلق بأسئلة حول الجسد وحرية اختيار الشريك والهوية الجنسية.

نقاش حول الحرية
وفي خضم هذه الضَّجة وهذا اللغط إلتقت «سينفيليا» مريم التوزاني في مراكش بعد عرض فيلمها وعلَّقت قائلة أنها لا تصنع أفلامها «بقصد إثارة مثل هاته الضجات بل هدفها الدفع بالنقاش حول الحرية إلى أقصاه ومحاولة لفت الإنتباه لضرورة التسامح مع الإختلاف». وأضافت أنها تؤمن أن السينما تستطيع أن تجعلنا نتجاوز كثيرا من الأشياء، كونها تؤمن بقوة وسلطة الشخصيات والقصص التي تقدمها على الشاشة، ولا يزعجها ما يقال، إذ أن الأساسي بالنسبة لها هو أن تحكي تلك القصة التي ترغب في إيصالها بإخلاص وصدق. وتضيف التوزاني أن التيمات الحساسة الموجودة في فيلمها هذا «فرضتها طبيعة الشخصيات، حيث أن واقعها وظروفها يفرضان تلك الجرأة في التناول وبتلك الطريقة وذلك الشكل الذي تم طرحه به والذي لم يكن مَجَّانِيا»، مسترسلة في حديثها بحماسة عن كونها ترى أنه «من الضروري الحديث عن بعض الأشياء التي تُعدُّ من الطابوهات، لأننا نعيش في مجتمع تقع فيه أمور بِصَمت وبشكل خفي، ويعلم الكل أنها تقع وحان الوقت للحديث عنها ونقلها على الشاشة» متسائلة «لماذا لا نتحدث بشكل هادئ وصِحِّي ونعترف أن لِكلّ أفكاره وآراؤه؟»، مستخلصة «أنا لست في انتظار ما سيقوله عني الناس ولا عَمَّن يُصَدّقُ على عملي ويستحسنه أو ما سيفكرون فيه بهذا الخصوص»، متمنية أن يكون فيلمها هذا سببا في خلق نقاش جدي وصحي، يُساهم فيه الكل، حتى أصحاب الآراء السلبية حول الفيلم، لأن كل ذلك سيكون جيدا وصحيا.

محظوظة سينمائيا
عن شكل وطريقة تعاونها خصوصا في كتابة السيناريو مع زوجها المخرج والمنتج نبيل عيوش تقول مريم التوزاني ل»الشرق» «في البداية أتكلم معه عن شخصيات فيلمي وقصة الفيلم الذي أكتب له السيناريو، وبالتدريج وكلما تقدمت في الكتابة ووقع تطور في السيناريو أعطيه ليقرأ ويقول لي رأيه، ويتولد عن ذلك نقاش بخصوص الشخصيات والقصة، وأجدني سعيدة ومحظوظة كوني أتقاسم حياتي مع شخص يعرفني جيدا ويتفهم وجهة نظري وطريقة اشتغالي رغم أنه ليست لدينا نفس الطريقة في الاشتغال وحكاية القصص، لكن بالمقابل لدينا نحن الإثنين حساسية ودافع متبادلين، إذ أن الأشياء التي تمسنا وننجذب إليها هي نفسها. الجميل أننا لا نحاول أن نؤثر على بعضنا البعض». مضيفة أنه «بخصوص طريقة العمل والإشتغال، فحتى أثناء تصوير فيلمي الأخير لم يحضر نبيل سوى مرات قليلة جدا كمنتج فقط ليتابع ويطمئن على سيرورة الإنتاج، وهل الأمور تَمُرّ بشكل سلسل وجيد، أما الجانب الفني فيدعه لي ولا يتدخل فيه نهائيا لأنها مساحتي، وتستدرك «نعم قد يَمُدُّنِي بنصائح، لكنه لا يحاول إطلاقا التأثير عَليَّ في طريقة وأسلوب اشتغالي وإخراجي للفيلم بل يظل في مكانه كمنتج».
وتسترسل مريم التوزاني في نفس السياق «أعتبر عملية الكتابة مسألة تتعلق بالوحدة، وحينما تجد شخصا يعرف دوافعك ورغباتك ويمكن أن يكون موضوعيا، ويعلم أنك تربطك نوع من الذاتية بما تكتبه، يقوم بزعزعتك بطرح أسئلة إيجابية لم تكن تتصورها أو تخطر على بالك أو لم تكن تريد أن تذهب في ذلك السياق من طرح التساؤلات، لأنك تكون حينها في علاقة حب مع شخوصك وغير مستطيع أن تتعامل معها ومع كل ما تكتبه بموضوعية وتخلق مسافة بينك وبينها».

نفس الفضاءات
بخصوص تشابه فضاءات فيلميها «آدم» (2019) و«أزرق القفطان» (2022) قالت مريم التوزاني لـ«الشرق» أن هناك فعلا رابطا بين فيلميها هاذين، والذي يتجَلَّى في كون أحداثهما تدور في المدينة العتيقة، وكأن البيتين فيهما متجاوران، مضيفة أنها تحب كثيرا قضاء أوقاتها في المدينة القديمة بطنجة مدينتها الأصلية وفي المدن الأخرى التي تزورُها، كونها تُلهمها بالأفكار التي تضعها في أفلامها، وناسُها كرماء، فقد تَمُرُّ بباب بيت أحدهم فيدخلك لمنزله ويستضيفك على كأس شاي، وزادت قائلة «أيام أن كنتُ في مرحلة اختيار الممثلين وأماكن التصوير قضيتُ هناك فترات كثيرة ليست كلها أوقات عمل، إذ يعجبني الذهاب إلى هناك لأن بها شيئا جميلا وساحرا وقويا يجذبك إليها»، وخلصت أن المدينة العتيقة في المدن المغربية الكبرى أو «تشكل مدينة داخل المدينة، فأنت هناك محصن من ضوضاء المدينة الحديثة كضجيج السيارات وغيرها من منغصات الحياة المدنية الحديثة، والمدينة العتيقة بالمقابل فضاء يغلي من داخله لكن يلزمك كلمة السر لتلجه وتعرف أسراره، وإضافة لكونها مدينة داخل المدينة فإني أرغب في أعمالي أن أزداد غوصا فيها كوني أفضل الأماكن المغلقة (المنازل بالخصوص) لتصوير أفلامي كما في «آدم» و«أزرق القفطان» معا، فالمكان جد مهم بالنسبة لي».

«آدم» و«أزرق القفطان»..
فضاءات مغلقة وشخوص مأزومة

استطاعت مريم التوزاني بفيلمها الروائي الطويل الأول «آدم» أن تحقق تفوقا فنيا من خلال تناول قضية اجتماعية ذات طابع نسوي، وذلك من خلال قصة تدور في فضاء شبه مغلق من بداية الفيلم إلى نهايته، وبين امرأتين تتطور بينهما العلاقة بالتدريج من التباعد والنفور إلى التعاطف من جانب واحدة اتجاه الأخرى ثم الصداقة الجميلة. إذ تلجأ سامية الشابة الحامل بشكل غير شرعي والهاربة من عار الأسرة والأهل إلى دق منازل الناس في حي شعبي قصد العمل عندهم، فلا تقبلها سوى الأرملة عبلة التي تعيش صحبة طفلتها وحيدتين بعد أن توفي الزوج في حادثة سير، وبالتدريج ودون تسرع في لي عنق الحكي ولا تمطيط للأحداث تنسج المخرجة بشكل درامي تدريجي علاقة بين الشخصيتين المختلفتين في تركيبتيهما الإنسانية، لنتابع كمشاهدين واحدة من أهم الأفلام المغربية المشتغل فيها على الفضاء الداخلي بشكل متحكم فيه ومن خلال شخصيتين أساسيتين فقط، إذ لم تشكل الطفلة «وردة» رغم حضورها الطاغي سوى ذلك الرابط الذي يساهم في التقريب بين سامية والأم عبلة، ومع الثلث الأخير للفيلم وبعد ولادة الشابة سامية لطفلها تِؤزِّم مريم التوزاني الوضع، كون الطفل الوليد غير مرغوب فيه من طرف الأم لأنه يشكل عنوانا للفضيحة، لترفض أن ترضعه أول الأمر ثم تكاد تقتله في لحظة انعدام توازن نفسي وعاطفي.
كانت اللحظات القليلة التي تخرج فيها الشخصيات الثلاث من الفضاء المغلق، المتمثل في المنزل والمتجر كفضاءين غير منفصلين، تشكل نوعا من الانفتاح على زخم الحياة وعنفوانها، وقد استطاعت المخرجة تصوير الشارع المغربي بشكل قل أن رأيناه، ليس فقط خلال هاته اللحظات العابرة لكن أيضا أثناء متابعتها لشخصيتيها سامية وعبلة وهن داخل متجر المأكولات، بحيث كنا نشاهد زخم الحارة من وجهة نظرهما وكيف يعيشانها من الداخل.
استعملت مريم التوزاني الأغاني والموسيقى في فيلمها «آدم» بشكل وظيفي بحيث كانت لأغنية «بتونس بيك» لوردة الجزائرية دور مهم في فك شيفرة شخصية عبلة التي كانت مغرمة بأغاني وردة إلى حدود تسمية ابنتها على اسمها، لكن ما إن توفي زوجها في حادثة السير حتى حَرَّمت على نفسها سماع الأغاني، لكن حضور سامية وإصرارها على إخراج عبلة من تقوقعها على ذاتها جعل هذه الأخيرة تعاود التصالح مع نفسها ومع جسدها وتمنح فرصة للرجل الذي يحبها.
من أهم ما ميز فيلم «آدم» هو ذلك الأداء التشخيصي الاستثنائي للممثلتين نسرين الراضي ولبنى أزبال اللتين حملتا الشخصيتين الرئيسيتين ومن خلالهما الفيلم على أكتافهما.
عموما يمكن لنا التأكيد أن فيلم «آدم» يشكل إضافة مهمة للسينما المغربية وإعلانا عن قدوم مخرجة ستقول كلمتها في القادم من الأفلام.

«أزرق القفطان» تكريم وجرأة
أما في فيلمها الثاني «أزرق القفطان»، الذي يعبق سينما، فإن مريم التوزاني رغم أنها تزيغ عن الواقع المغربي لتُحلِّق بنا في خيالاتها وفي رؤياها الخاصة لواقع تصورته ذات لحظة وأصبح خيالا حولته لفيلم جميل فنيا قد يتقبله الكثيرون في المهرجانات العالمية رغما عن أي تصور مغربي للسينما.
فيلم مريم التوزاني «أزرق القفطان» هو بمثابة تكريم لمهنة انقرضت أو كادت هي مهنة «المعلميا دلخياطة»، لكنها ذهبت بعيدا لتتناول مفهوم الحرية في الحب وفي اختيار ماتريده الشخصية رغم أحكام المجتمع وضدها في نفس الآن.
أجواء وفضاءات فيلم «أزرق القفطان» تتشابه مع فضاءات فيلم مريم التوزاني الأول «آدم»، إذ نحس ونحن نشاهد الفيلم الأول وكأننا ظللنا في نفس الحي الذي كانت تعيش فيه بطلتا «آدم» ولم تفعل المخرجة سوى كونها أخرجتنا من منزل هذا الفيلم لتدخل بنا في المنزل المجاور له في «أزرق القفطان».

المخرجة أسماء المدير:
«هناك ما قبل وما بعد (كان) في مساري السينمائي»

المخرجة أسماء المدير
المخرجة أسماء المدير

أنجزت أسماء المدير الأفلام القصيرة «ألوان الصمت» (2012)، «دوار السوليما» (2014) والفيلم التجريبي القصير «جمعة مباركة» (2014)، ثم أخرجت أفلامها التسجيلية الطويلة «في زاوية أمي» (2020) الذي فاز بعدة جوائز داخل المغرب وخارجه وبعده فيلم «لا تدع الشمس تشرق عَلَيَّ» (2022)، ثم فيلمها «كذب أبيض» الذي شاركت به في فقرة «نظرة ما» بالدورة الماضية لمهرجان كان حيث فازت بجائزة أفضل إخراج وجائزة «العين الذهبية» مناصفة والتي تمنح لأحسن فيلم تسجيلي مشارك في كل أقسام مسابقات كان، والذي اختير للمشاركة في المسابقة الرسمية بالدورة 78 للمهرجان الدولي للفيلم بسيدني التي تنظم حاليا كفيلم تسجيلي وحيد ينافس أفلاما روائية طويلة.

إستمرارية بين الأجيال
إلتقينا أسماء المدير في مدينة أكادير المغربية الجنوبية حيث حضرت بعجالة لمهرجان «فيدادوك» المتخصص في الفيلم التسجيلي، لتساهم في تكريم رائدين من رواد السينما التسجيلية في المغرب وهما أحمد المعنوني وإزة جينيني ولكي تُسلِّمَهُما دِرع التكريم، وبهذه المناسبة قالت لـ«الشرق» عن الإستمرارية بين أجيال التسجيلي في المغرب «كبرتُ مع أفلام أحمد المعنوني وأعشق فيلمَيهِ «الحال» (فيلم عن فرقة ناس الغيوان الشهيرة أنجز سنة 1981 وتم اختياره من طرف المخرج مارتن سكورسيزي ليتم ترميمه ضمن أفلام كلاسيكية من العالم*) و«أليام أليام» (أول فيلم مغربي يتم اختياره للمشاركة في فقرة «نظرة ما» بمهرجان كان سنة 1978*)، وأفلام إزة جنيني أيضا، الأمر الذي يجعل بيننا رابطا عضويا قويا واستمرارية بين جيل المؤسسين وجيلنا، ورغم أنني انطلقت من متأثرة بأشكالهم السينمائية ووصلت في فيلمي «كذب أبيض» لشكل سينمائي هجين فالتأثر موجود وسيظل».

أسماء الشغوفة
هناك إجماع في الوسط السينمائي المغربي حول كون أسماء المدير مخرجة شابة مجتهدة، كانت دائما تشتغل بشغف وفي عمل متواصل وتبذل مجهودات مضاعفة في عملها كما نحلة شغالة. عن هذا الجانب تعبر أسماء لـ«الشرق» عن سعادتها واعتزازها بهذا الإنطباع الذي تتركه عند الناس خصوصا المشتغلين بالميدان السينمائي الصعب جدا في المغرب، مضيفة أنها تؤمن بأن الشغف جد مهم في هذا الميدان كما كان يقول المرحوم نور الدين الصايل وبدونه صعب على الممارس أن ينتج عملا جيدا وفيه إبداع ويستمر، مضيفة «بالنسبة لي كان صعبا أن أنجز هذا الفيلم بدون شحنة كبيرة من الشغف، لكوني لم أحصل على دعم لجنة الدعم السينمائي في المغرب وكنت أجمع الفتات من صناديق الدعم من هنا وهناك وكان الشغف هو دافعي الوحيد لإكمال هذا العمل وتجاوز كل العراقيل، حتى أنني كنت أمام تحد للحصول على رخص التصوير كل مرة كونني صوَّرت ساعات كثيرة ولم يكن الأمر بالنسبة لي كما في فيلم محدد له أيام التصوير».

هوس سينمائي
عن فوزها بجائزتين ثمينتين بفيلمها «كذب أبيض» في مهرجان كان تقول أسماء المدير في لقاء خاص مع «الشرق» «حينما نصل إلى هذا المستوى من المنافسة ويتم اختيار فيلمك في قسم (نظرة ما) الذي هو من الأقسام المهمة والأساسية في مهرجان كان يكبر طموحك، وأنا مشاركة بعمل اشتغلت عليه لمدة عشر سنوات وكم من مشروع وعمل ضحيت به من أجله، وكم من صباح حينما نهضت من النوم قلت لنفسي أين هم شخوصي وكيف هم وماهي أحوالهم وإذا قدر الله أن مات أحد منهم فماذا سأفعل، حتى أنني كنت أفكر لو حدث لي مكروه أو مت أن يكون هناك شخص يكمل عملي الذي بدأته وينهي الفيلم، وهكذا جاءت فكرة التماثيل المصغرة التي فكرت أنها يمكن أن تكمل مسار أية شخصية في الفيلم حتى لو ماتت أو لم أنته من تصوير مسارها، هكذا كنت مهووسة بفيلمي صباح مساء لمدة عشر سنوات. وهذا جعلني حينما وقفت لأقدم فيلمي بكان أجد نفسي أومن أنه ليس هنالك فرق بيننا وبينهم بل بالعكس نحن مُطَّلعون على فنهم وثقافتهم ونتكلم لغاتهم إضافة إلى لغتنا عكسهم هم الذي لايعرفون عنا الكثير. رغم أنني حينما شاهدت ذلك الصف الطويل وذلك الجمهور الكبير المقبل على مشاهدة فيلمي نسيت حتى الكلام الذي كنت قد أعددته في ذهني لكي أقوله، ووجدتني أقول لهم بعفوية أنظروا كم فيلما مغربيا موجود في كان هذا العام وهذا ناتج عن كون السينما المغربية الآن تشهد ظهور جيل لايؤمن بوجود فوارق بين سينمانا والسينمات العالمية الأخرى».

فيلم مونطاج
تتحدث أسماء عن كون فيلمها فيلم مونطاج وتقول لـ«الشرق»: «كذب أبيض فيلم مونطاج، بحيث كان لدي أرشيف يعود لسنتي 2012 و2013 ومزجته بما صورته بعد ذلك ثم أضفت صوتي الداخلي الخاص عبر تقنية «الفوا أوف»، كنت أعمل كما صانعة تقليدية وكأنني أصنع من عجينة بيدي شخصيات وأُوَجِّه مساراتها، وظللت أكتب الفيلم بالصور حتى آخر دقيقة من إنهاء المونطاج».
بخصوص التشابه بين فيلمها القصير «جمعة مباركة «وفيلمها «كذب أبيض» خصوصا فيما يتعلق باستعمال العرائس المصغرة قالت أسماء أنها كانت تُجرب باستمرار فوجدت نفسها ترتاح في استعمال الأشياء أكثر مما ارتاحت مع الممثلين المحترفين وكثرة العاملين في الأستوديو، وأضافت قائلة «لا أريد ان أكون سجينة مزاج أي ممثل أو ممثلة، وحتى تعاملي في المستقبل سيكون مع هواة وغير ممثلين، وبالنسبة لي ليس هنالك شخص لايمكن الإستغناء عنه في العمل السينمائي، أنا أيضا إن كنت مُتُّ قبل انتهاء الفليم بإمكان شخص آخر أن يكمله لأنني كنت قد حَضَّرت توابله ومستلزماته كما أُكلة لم تكن تحتاج سوى لكي توضع لتنضج على نار هادئة، ربما قد تختلف الرؤية لكن العمل سيُجز، وهنا جاءت فكرة العرائس المصغرة، استهملت العرائس الروسية في فيلمي القصير (جمعة مباركة) لتصبح هي من تمثل أفراد أسرتي وعائلتي في فيلم (كذب أبيض)».

ما بعد «كان»
وعن مسارها بعد النجاح المهم في مهرجان «كان» تعلق أسماء المدير قائلة لـ«الشرق»: «بالنسبة لي هناك الآن ما بعد «كان» فقط أما ماقبله فكانت مجرد تجارب بالنسبة لي وبحثا عن أسلوب خاص بي، مازلت شابة وكنت أجرب وأتواصل مع المشاهد بشكل أحاول أن يكون ذكيا، آخذه من يديه ثم أدعه يُكمل استكشاف عملي لوحده».

فيلم «ملكات»

المخرجة ياسمين بن كيران
المخرجة ياسمين بن كيران

«ملكات» (2022) الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة ياسمين بن كيران، الذي كان عرضه الأول مغربيا ضمن فعاليات الدورة الأخيرة لمهرجان مراكش السينمائي، من نوعية أفلام الطريق «الرود موفي»، والتي أنجز منها عالميا أفلام ظلت راسخة في الذاكرة السينمائية كفيلم «بوني وكلايد» (1967) لأرثر باين و«إيزي رايدر» (1969) لدنيس هوبر و«تيلما ولويز» (1991) لريدلي سكوت، أما مغربيا فيمكن ذكر فيلم «إبن السبيل» (1981) الذي كتب له السيناريو نور الدين الصايل وأخرجه محمد عبد الرحمان التازي كأول فيلم مغربي من هذه النوعية ثم فيلم «السفر الكبير» (2004) لإسماعيل فروخي وفيلم «طريق العيالات» (2007) لفريدة بورقية…
وقد احترمت ياسمين بن كيران في فيلمها «ملكات» تقاليد وتوابل هذا النوع السينمائي، إذ نتابع طيلة لحظات الفيلم الشخصيات النسوية الثلاث وهن ينتقلن من مدينة لأخرى ومن فضاء لآخر مع بقائهن على هوامش هذه الفضاءات، بحيث يظل الطريق فضاؤهن الأساسي والوحيد في اتجاه وجهة مجهولة العواقب، ومن خلال مطاردات بوليسية يتعرضن لها، حيث تكون النهاية تراجيدية كما أغلب أفلام هذا النوع السينمائي.
ثلاثة شخصيات أنثوية كل واحدة لها تركيبتها وأسلوبها ودوافعها لخوض هذه المغامرة على الطريق هروبا من شيء ما كما المرأتين الشابتين، أو في مسار البحث عن شخوص خيالية قد تصير واقعا يعوض قساوة الواقع الحالي ربما في آخر المطاف كما هي حالة الطفلة المراهقة.
استطاعت بنكيران بناء عالمها السينمائي في فيلمها الروائي الطويل الأول هذا مازجة واقعا قاسيا وبئيسا بعوالم خيالية ليعطينا هذا المزيج فيلما نسائيا صرفا بدون خطابات نسوية مبالغ فيها.

فيلم «ماشية لجهنم» 

 

في فيلمها «ماشية لجهنم» تقارب المخرجة التونسية اسمهان لحمر تيمات الموت وعشق الحياة والحريات الفردية، من خلال قصة امرأة في الأربعين من عمرها يخبرها الطبيب أن أيامها في الحياة محدودة نتيجة إصابتها بمرض السرطان، وعوض الإلتزام بتعليمات الطبيب والخضوع للبروتكول الاستشفائي الذي يقرره لها والذي قد يجعل أيامها في الدنيا تطول شيئا ما، تقرر بالمقابل أن تعيش ما تبقى لها من أيام معدودة في الدنيا كما تحب وأن تخطط لجنازتها وطريقة «دفنها» أو بالأحرى التخلص من جثتها بالشكل الذي تختاره، رغم أن أغلبية من يحيطون بها سيعارضونها في ذلك ولو في البداية قبل أن يخضعوا لما تريده، خصوصا أن ما تقرر فعله يتنافى مع ما يراه المجتمع صائبا ومع تعاليم الدين السائدة. الوحيد الذي سيساندها بدون أدنى تردد أو مناقشة هو أخوها المِثلي، فيما سيتردد زوجها في البداية رغم حبه الكبير لها ليخضع لإرادتها بعد ذلك.
ستقرر المرأة الموعودة بالموت أن تكون جنازتها عبارة عن حفل وكأنه حفل عرس ستُزفُّ خلاله للموت وهي داخل تابوت لابسة لباسا يبديها كعروسة بحر ليُلقَى بجسدها في البحر.
بالفيلم أبعاد وأفكار وأسئلة وجودية استطاعت المخرجة تمريرها بذكاء من خلال مواقف ولحظات فيلمية نتابع فيها المرأة التي تواجه الموت بصلابة وشجاعة.
باستثناء الأصدقاء والصديقات المحيطين بها حتى آخر لحظات حياتها، والذي يسايرونها فيما تقرره رغم أن أغلبهم غير مقتنع به، تظهر في الجانب الآخر أمها وأختها اللتان تأتيان بين الفينة والأخرى لتدعيا لها بالهداية وتقرآ عليها القرآن، وفي هذه اللحظات تبدو غير عابئة بهما ونسمع صوتها بـ«الفوا أوف» وكانه يرد عليهما ليعبر عن تصورها للوجود ولعلاقتها بالله التي تختلف نهائيا عن تصورهما لها.
«ماشية لجهنم» فيلم جريء استهدفت به مخرجته بشكل سينمائي جميل طابوهات التقاليد المجتمعية البالية وتصورات دينية عفى عليها الزمن ولم تعد تساير الواقع الحالي ويستغلها الأوصياء على المجتمع لتكبيل ولجم الحريات الفردية وردع كل من تسول له نفسه كسر هذه الأغلال وتقرير مصير حياته وموته بالشكل والطريقة التي يريدها.

فيلم «ماشية لجهنم» 

المخرجة التونسية اسمهان لحمر
المخرجة التونسية اسمهان لحمر

في فيلمها «ماشية لجهنم» تقارب المخرجة التونسية اسمهان لحمر تيمات الموت وعشق الحياة والحريات الفردية، من خلال قصة امرأة في الأربعين من عمرها يخبرها الطبيب أن أيامها في الحياة محدودة نتيجة إصابتها بمرض السرطان، وعوض الإلتزام بتعليمات الطبيب والخضوع للبروتكول الاستشفائي الذي يقرره لها والذي قد يجعل أيامها في الدنيا تطول شيئا ما، تقرر بالمقابل أن تعيش ما تبقى لها من أيام معدودة في الدنيا كما تحب وأن تخطط لجنازتها وطريقة «دفنها» أو بالأحرى التخلص من جثتها بالشكل الذي تختاره، رغم أن أغلبية من يحيطون بها سيعارضونها في ذلك ولو في البداية قبل أن يخضعوا لما تريده، خصوصا أن ما تقرر فعله يتنافى مع ما يراه المجتمع صائبا ومع تعاليم الدين السائدة. الوحيد الذي سيساندها بدون أدنى تردد أو مناقشة هو أخوها المِثلي، فيما سيتردد زوجها في البداية رغم حبه الكبير لها ليخضع لإرادتها بعد ذلك.
ستقرر المرأة الموعودة بالموت أن تكون جنازتها عبارة عن حفل وكأنه حفل عرس ستُزفُّ خلاله للموت وهي داخل تابوت لابسة لباسا يبديها كعروسة بحر ليُلقَى بجسدها في البحر.
بالفيلم أبعاد وأفكار وأسئلة وجودية استطاعت المخرجة تمريرها بذكاء من خلال مواقف ولحظات فيلمية نتابع فيها المرأة التي تواجه الموت بصلابة وشجاعة.
باستثناء الأصدقاء والصديقات المحيطين بها حتى آخر لحظات حياتها، والذي يسايرونها فيما تقرره رغم أن أغلبهم غير مقتنع به، تظهر في الجانب الآخر أمها وأختها اللتان تأتيان بين الفينة والأخرى لتدعيا لها بالهداية وتقرآ عليها القرآن، وفي هذه اللحظات تبدو غير عابئة بهما ونسمع صوتها بـ«الفوا أوف» وكانه يرد عليهما ليعبر عن تصورها للوجود ولعلاقتها بالله التي تختلف نهائيا عن تصورهما لها.
«ماشية لجهنم» فيلم جريء استهدفت به مخرجته بشكل سينمائي جميل طابوهات التقاليد المجتمعية البالية وتصورات دينية عفى عليها الزمن ولم تعد تساير الواقع الحالي ويستغلها الأوصياء على المجتمع لتكبيل ولجم الحريات الفردية وردع كل من تسول له نفسه كسر هذه الأغلال وتقرير مصير حياته وموته بالشكل والطريقة التي يريدها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *