الرئيسية ⁄ السينما العالمية ⁄ مخاوف الذكاء الاصطناعي تدفع هوليوود إلى مساءلة قادة التكنولوجيا

مخاوف الذكاء الاصطناعي تدفع هوليوود إلى مساءلة قادة التكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي

تتجه السينما الأمريكية نحو تناول شخصيات من قلب صناعة التكنولوجيا، عبر مجموعة من الأفلام المرتقبة التي تضع عددا من أبرز رجال الأعمال في هذا المجال أمام مساءلة فنية تتجاوز حدود النجاح والثروة إلى تأثيرهم في المجتمع ومستقبل البشرية. ووفق تقرير لصحيفة «بوليتيكو»، تشمل هذه الأعمال شخصيات مارك زوكربيرغ، وإيلون ماسك، وسام ألتمان، وإليزابيث هولمز، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى شركات التكنولوجيا الكبرى بسبب اتساع نفوذها وتنامي دورها في الحياة اليومية.
وتكشف هذه الموجة عن تحول في اختيارات هوليوود بشأن الشخصيات التي تقدمها في أدوار مثيرة للجدل. فبعد سنوات طويلة شكلت فيها القوى الأجنبية، بما فيها روسيا والصين وعدد من دول الشرق الأوسط، مصدرا متكررا للصراعات في الأفلام الأمريكية، باتت شركات التكنولوجيا وقادتها من بين الموضوعات التي تستقطب اهتمام صناع السينما. ويبرز هذا التوجه من خلال أربعة إنتاجات، هي «The Social Reckoning» المرتبط بعالم مارك زوكربيرغ، و«Artificial» الذي يتناول سام ألتمان، و«You Can See Everything» المرتبط بإليزابيث هولمز، إلى جانب فيلم «Musk» الذي يحمل اسم إيلون ماسك.
ولا ينفصل هذا الاهتمام عن النقاش المتصاعد حول قدرة الشركات الرقمية على التأثير في الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية. فالتطور السريع للذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن النتائج التي قد تترتب على استخدامه، في حين تواجه منصات التواصل الاجتماعي تدقيقا متزايدا بسبب الآثار السلبية المحتملة لخدماتها. ويضاف إلى ذلك الجدل حول العلاقات التي تجمع بعض قادة التكنولوجيا بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تثيره من تساؤلات بشأن حدود النفوذ الاقتصادي والسياسي وإمكانية حصول الشركات الكبرى على امتيازات خاصة.
ويرى توم روثمان، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «سوني بيكتشرز موشن بيكتشر»، أن هناك تصورا منتشرا بين قطاعات واسعة من الجمهور مفاده أن شركات التكنولوجيا العملاقة لا تمنح احتياجات الناس الاهتمام الكافي. وأوضح، في تصريحات نقلتها «بوليتيكو»، أن حجم السلطة التي أصبحت مركزة لدى عدد محدود من الشركات يمثل ظاهرة استثنائية، خصوصا مع استمرار إعطاء الأولوية للنمو والتوسع. واعتبر أن نفوذ هذه المؤسسات بات في بعض الجوانب يتجاوز نفوذ الحكومات، مشيرا إلى أن كشف ممارسات أصحاب القوة ومساءلتهم يشكلان جزءا من الدور الذي اضطلعت به هوليوود في مراحل مختلفة من تاريخها.
من جانبه، يربط المخرج مارك كاسن بين طبيعة الشخصيات الشريرة في السينما والمخاوف السائدة في المجتمع. فكل مرحلة، بحسب تصوره، تنتج خصومها وفقا للتحديات التي تشغل الرأي العام. وفي الحالة الراهنة، يبرز اختلال ميزان القوة باعتباره أحد مصادر القلق، في ظل امتلاك عدد محدود من الأثرياء تقنيات متقدمة يمكن أن تؤثر في مسارات المجتمع وتساهم في تحديد ملامح مستقبله.
ورغم الاهتمام الذي تحظى به هذه الموضوعات في الأوساط الثقافية والإعلامية، فإن صداها داخل قطاع التكنولوجيا يبدو محدودا، بحسب التقرير. فقد أشار أشخاص يعملون في جماعات الضغط ومسؤولون تنفيذيون إلى أن الأفلام الجديدة لم تشكل موضوعا رئيسيا للنقاش داخل شركات القطاع. كما وصف آدم كوفاسيفيتش، مؤسس ورئيس جماعة الضغط «Chamber of Progress»، تعامل العاملين في وادي السيليكون مع هذه الإنتاجات بأنه يتسم باللامبالاة، موضحا أنهم منشغلون أساسا بتطوير منتجاتهم وطرحها في الأسواق، فضلا عن الحفاظ على موقعهم في المنافسة.
وحذر كوفاسيفيتش من أن تتابع الأفلام التي تتناول التكنولوجيا وقادتها خلال فترة قصيرة قد يؤدي إلى فتور اهتمام المشاهدين، إذا أصبح حجم الإنتاجات أكبر من رغبة الجمهور في متابعة هذا النوع من القصص. ويطرح ذلك تساؤلا حول قدرة هذه الأعمال على تحويل الجدل المرتبط بالتكنولوجيا إلى مادة سينمائية تجذب الجمهور، بدلا من الاكتفاء بإعادة تقديم النقاشات الدائرة بالفعل في وسائل الإعلام.
أما سام ألتمان، الذي تتناوله أحداث فيلم «Artificial»، فلا يبدو أنه ينظر إلى العمل باعتباره مصدر قلق كبير. فقد صرح، خلال مشاركته في بودكاست «Decoded» التابع لـ«بوليتيكو»، بأنه لا يتوقع أن يقدم الفيلم صورة مطابقة للواقع، لكنه يأمل أن يكون ممتعا ومسليا. وفي المقابل، لم يقدم ممثلون عن شركة «ميتا»، أو إيلون ماسك، أو الممثل القانوني لإليزابيث هولمز، ردودا على طلبات الصحيفة للتعليق على الأعمال السينمائية المرتقبة.
وسبق لهوليوود أن تناولت المخاطر المحتملة للتكنولوجيا من خلال أعمال خيالية طرحت تساؤلات حول العلاقة بين الإنسان والآلات، من بينها «2001: أوديسة الفضاء» و«تقرير الأقلية». كما شكل نظام «سكاي نت» في سلسلة «Terminator» مثالا متكررا يستحضره بعض قادة التكنولوجيا للتحذير من السيناريوهات التي قد تنشأ عن تطور الذكاء الاصطناعي بصورة يصعب التحكم فيها.
غير أن الاختلاف في الإنتاجات الجديدة يكمن في انتقال التركيز من السيناريوهات المستقبلية المتخيلة إلى شخصيات حقيقية ومؤسسات تمارس نفوذا ملموسا في العالم الراهن. فبدلا من الاكتفاء بتصوير التكنولوجيا باعتبارها قوة قد تنقلب على البشر في المستقبل، تتناول هذه الأفلام أصحاب القرار داخل القطاع والنتائج المرتبطة بتوسع أعمالهم، وفق ما أورده تقرير «بوليتيكو».
ومن المرتقب عرض ثلاثة من هذه الأفلام خلال أكتوبر، على أن يصل «Artificial» إلى دور السينما في ديسمبر، لتجتمع بذلك مجموعة من الإنتاجات التي تتناول شخصيات بارزة في عالم التكنولوجيا خلال موسم سينمائي واحد.
وقد يمنح تصاعد القلق من الذكاء الاصطناعي هذه الأعمال فرصة للوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور، خصوصا أن النقاش حول التكنولوجيا لم يعد مقتصرا على الخبراء والمستثمرين، بل أصبح مرتبطا بأسئلة يومية تخص الخصوصية، ومستقبل الوظائف، والمسؤولية الاجتماعية، وحدود سلطة الشركات الكبرى. كما أن انتشار المقاطع السينمائية والتعليقات بشأنها على منصات التواصل الاجتماعي قد يوسع دائرة النقاش، ويمنح هذه الأفلام حضورا يتجاوز قاعات العرض إلى الفضاء الرقمي الذي تشغله الشركات نفسها.

سينفيليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *