غيب الموت الممثلة الأميركية إيفا ماري سانت عن عمر 102 عاماً، بعدما تركت بصمة بارزة في تاريخ السينما الأميركية من خلال أدوار رسخت حضورها بين نجمات هوليوود، وفي مقدمتها شخصية إيدي دويل في فيلم «On the Waterfront» وشخصية إيف كيندل في فيلم «North by Northwest» للمخرج ألفريد هيتشكوك.
وأكدت عائلتها أن سانت توفيت يوم الثلاثاء داخل منزلها في لوس أنجلوس نتيجة أسباب طبيعية، منهية مسيرة فنية امتدت من أربعينيات القرن الماضي إلى السنوات الأخيرة من حياتها.
وارتبط اسم إيفا ماري سانت مبكراً بالنجاح، إذ حصلت على جائزة أوسكار أفضل ممثلة مساعدة عام 1955 عن أدائها في «On the Waterfront»، وهو الفيلم الذي شكل أول ظهور لها على الشاشة الكبيرة. وجاء هذا التتويج بعدما جسدت شخصية شابة كاثوليكية تقف إلى جانب تيري مالوي، الشخصية التي أداها مارلون براندو، وتدفعه إلى مواجهة الواقع واتخاذ موقف حاسم في حياته.
ولم تكن سانت تعلم في البداية أنها حصلت على الدور. فبعد أن خضعت لاختبار أمام براندو، تميز بالتجريب والارتجال، لم تعرف النتيجة إلا عندما تلقت اتصالاً من مساعد المخرج يطلب منها الحضور إلى الاستوديو لإجراء قياسات الملابس. وكان الانسجام الذي ظهر بينها وبين براندو خلال الاختبار أحد العوامل التي دعمت اختيارها للدور.
وسجل «On the Waterfront» حضوراً قوياً في حفل الأوسكار، حيث فاز بثماني جوائز، بينها جائزة أفضل فيلم، فيما تسلمت سانت جائزتها في نيويورك، قبل أن تحتفل بالفوز بعشاء صيني وبعض المشروبات. وبعد يومين فقط، أصبحت أماً للمرة الأولى بإنجاب ابنها داريل.
وتحدثت سانت في مقابلة أجريت معها عام 2010 عن تجربتها مع المخرج إيليا كازان، كاشفة الطريقة الخاصة التي كان يعتمدها في توجيه الممثلين. وأشارت إلى أنه كان يمنحها صوراً وتفاصيل دقيقة تساعدها على الدخول في الحالة النفسية للشخصية.
واستحضرت بشكل خاص أحد مشاهدها مع براندو فوق سطح مبنى سكني، موضحة أن كازان طلب منها تخيل وجود خطر خلف أقفاص الحمام حتى تستشعر الخوف الذي يفترض أن يرافق الشخصية. إلا أن سانت قالت إن توترها الحقيقي كان كافياً لأداء المشهد، لأن مشاعرها في تلك اللحظة كانت قريبة من المشاعر التي تعيشها الشخصية داخل القصة.
بعد سنوات قليلة، جاءت محطة أخرى غيرت صورتها في أذهان الجمهور، عندما اختارها هيتشكوك لبطولة فيلم «North by Northwest» عام 1959. وقدمت فيه شخصية إيف كيندل، المرأة الغامضة التي تقترب من روجر ثورنهيل، الذي لعب دوره كاري غرانت، بينما تخفي عنه حقيقة ارتباطها بجاسوس خطير يؤدي شخصيته جيمس ماسون.
واهتم هيتشكوك بتفاصيل مظهر الشخصية بقدر اهتمامه بأدائها، حتى إنه اصطحب سانت للتسوق في متجر «Bergdorf Goodman» واختار معها الملابس التي ستظهر بها في الفيلم. وذكرت الممثلة لاحقاً أن المخرج ركز على بناء الشخصية من مظهرها الخارجي، بدءاً من الشعر والمكياج والأحذية والمجوهرات والحقيبة والقفازات.
كما طلب منها تقليل حركة يديها أثناء الحديث وخفض صوتها، والحفاظ على نظرات مباشرة إلى كاري غرانت خلال مشاهدهما المشتركة، وهي تفاصيل ساهمت في صناعة شخصية المرأة الغامضة والأنيقة التي أرادها هيتشكوك.
لكن مسيرة سانت لم تبدأ من السينما، بل من المسرح والتلفزيون. ففي عام 1953، شاركت في تقديم مسرحية «The Trip to Bountiful» للكاتب هورتون فوت ضمن برنامج تلفزيوني مباشر على شبكة NBC، قبل أن ينتقل العمل إلى برودواي. وهناك جسدت شخصية ثيلما إلى جانب النجمة ليليان غيش.
وأتاح لها هذا الدور فرصة لفت أنظار المنتج سام شبيغل وإيليا كازان، اللذين كانا في ذلك الوقت يعملان على اختيار أبطال «On the Waterfront».
أما الطريق إلى التمثيل فقد بدأ خلال سنوات الدراسة في جامعة بولينغ غرين بولاية أوهايو. كانت سانت تدرس تعليم المرحلة الابتدائية، لكنها شاركت، على سبيل التحدي، في اختبار لمسرحية جامعية بعنوان «Personal Appearance». وحصلت على الدور الرئيسي، لتكتشف أن التمثيل هو المجال الذي يشدها فعلاً، فتخلت عن تخصصها الأول وانتقلت إلى دراسة الفنون المسرحية.
وبعد حصولها على شهادة البكالوريوس، انتقلت إلى نيويورك سعياً وراء العمل في مجال التمثيل. وكانت بدايتها المهنية في أواخر عام 1946 من خلال برنامج منوعات حمل اسم «The Borden Show»، حيث كانت تتلقى عشرة دولارات مقابل التصفيق من خلف الكاميرا. ثم ظهرت في إعلان تجاري، قبل أن تحصل على دور صغير في مسلسل إذاعي عام 1947.
وخلال تلك الفترة، عملت أيضاً عارضة أزياء، ودرست في «Actors Studio» تحت إشراف لي ستراسبرغ، حيث جاورت أسماء أصبحت لاحقاً من كبار نجوم السينما، من بينهم كارل مالدن ورود ستايغر وجولي هاريس وبن غازارا.
وسرعان ما توسع نشاطها في الإذاعة والتلفزيون، فشاركت في أعمال مثل «Young Dr. Malone» و«One Man’s Family»، إضافة إلى مسلسلات تلفزيونية درامية، وحصلت على إشادات نقدية وترشيحات لجائزة إيمي.
وفي عام 1948، حصلت على دور في مسرحية «Mister Roberts» التي كان هنري فوندا أحد نجومها، لكنها استُبعدت من العرض قبل انتقاله إلى نيويورك بعدما رأى المنتجون أنها تبدو بريئة أكثر مما ينبغي للشخصية. ورغم أن القرار كان مؤلماً، فإن سانت اعتبرته لاحقاً تجربة مهمة علمتها التعامل مع الرفض في الوسط الفني.
وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت سانت في مجموعة واسعة من الأفلام، من بينها «That Certain Feeling» مع بوب هوب، و«Exodus» مع بول نيومان، و«36 Hours» و«Grand Prix» مع جيمس غارنر، إضافة إلى «The Russians Are Coming, the Russians Are Coming» و«The Sandpiper» و«The Stalking Moon».
كما ظهرت في «A Hatful of Rain» عام 1957، مجسدة زوجة حامل لرجل كان جندياً سابقاً ويعاني إدمان المخدرات، إلى جانب دون موراي، بينما لعبت في «Raintree Country» دور حبيبة مونتغومري كليفت التي تتعرض للخذلان. وشهد العام نفسه طرح الفيلمين.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، عادت إلى التلفزيون من خلال مسلسل «Moonlighting»، حيث أدت شخصية والدة بطلة العمل التي جسدتها سيبيل شيبرد.
وفي بداية السبعينيات، بدأت سانت تقلل من ظهورها السينمائي، بعدما قررت إعطاء الأولوية لحياتها الأسرية. وبعد مشاركتها أمام جورج سيغال في فيلم «Loving» عام 1970، تراجعت عن نشاطها السينمائي وركزت على تربية طفليها داريل ولوريت مع زوجها المخرج والمنتج جيفري هايدن، الذي التقت به في مترو أنفاق نيويورك وتزوجته عام 1951.
واستمر زواجهما حتى وفاة هايدن في ديسمبر 2016. وكانت سانت تحرص خلال بعض أعمالها الدولية على اصطحاب أفراد أسرتها معها، ومن بينها عمليات تصوير «Exodus» و«Grand Prix».
وخلال تصوير «Grand Prix»، وقعت حادثة بقيت عالقة في ذاكرتها، بعدما شاهد أطفالها عن طريق الخطأ مشهداً مأساوياً من الفيلم، رغم أنها كانت قد طلبت من الشخص المسؤول عن رعايتهم عدم اصطحابهم إلى موقع التصوير في ذلك اليوم. وذكرت لاحقاً أن ابنتها اعتقدت أن صراخها حقيقي وأن شخصية إيف مونتان ماتت بالفعل، وظلت تلك التجربة مؤثرة بالنسبة إليها لسنوات طويلة.
ولم تبتعد سانت تماماً عن التلفزيون، إذ حصلت على ترشيحات لجائزة إيمي عن «How the West Was Won» عام 1977 و«Taxi!!» عام 1978، قبل أن تتوج بالجائزة عام 1990 عن أدائها في «People Like Us»، حيث لعبت شخصية أم متعالية في إنتاج تلفزيوني لشبكة NBC.
كما شاركت في عمل مقتبس من «Winesburg, Ohio» بمدينة سانتا باربرا، التي كانت تمتلك فيها منزلاً، وتولى زوجها إخراج العرض، قبل أن ترافقه في جولة بالعمل داخل عدد من المدن الأميركية.
وعادت إيفا ماري سانت إلى السينما بعد غياب تجاوز عقداً من الزمن من خلال فيلم «Nothing in Common» عام 1986، الذي ظهرت فيه والدة لشخصية توم هانكس. واستمرت لاحقاً في اختيار أدوار متفرقة، من بينها شخصية والدة سام شيبرد في «Don’t Come Knocking» عام 2005، وشخصية مارثا كينت في فيلم «Superman Returns» عام 2006.
كما شاركت في فيلم «Winter’s Tale» عام 2014، وقدمت أداءً صوتياً في مسلسل الرسوم المتحركة «The Legend of Korra».
وبعيداً عن الشاشة، اهتمت سانت بالحفاظ على إرثها الفني، فتبرعت بجزء كبير من مقتنياتها وتذكاراتها إلى مكتبة مارغريت هيريك التابعة لأكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة.
وتركت الفنانة الراحلة خلفها ابنيها، وأحفادها إيلي وستيللا وتايلر ومولي، إضافة إلى حفيديها من الجيل الثالث آرلو وفينلي.
وبوفاة إيفا ماري سانت، تفقد هوليوود واحدة من الوجوه التي جمعت بين بريق السينما الكلاسيكية وحضور التلفزيون والمسرح، بعدما امتدت تجربتها الفنية لعدة أجيال، وظلت أدوارها في «On the Waterfront» و«North by Northwest» شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ السينما الأميركية.
سينفيليا

