على امتداد أكثر من خمسين عاماً، ارتبطت فوازير رمضان بوجدان المشاهد العربي كواحدة من أبرز الطقوس الفنية المصاحبة للشهر الكريم، إذ كانت تجمع العائلات يومياً أمام الشاشة في انتظار لغز جديد واستعراض مبهج يمزج بين الغناء والتمثيل والكوميديا. لم تكن الفوازير مجرد فقرة ترفيهية، بل مشروعاً فنياً متكاملاً صاغ ملامح ذاكرة رمضانية خاصة، قوامها الإبداع والدهشة وروح المشاركة.
البداية لم تكن تلفزيونية كما يعتقد البعض، بل انطلقت عبر أثير الإذاعة المصرية في خمسينيات القرن الماضي من خلال الإذاعية آمال فهمي، التي قدمت فقرة رمضانية تستضيف فيها نجماً يقرأ نصاً دون الكشف عن هويته، ويُطلب من الجمهور التعرف إلى صوته. ومن المحطات اللافتة استضافة أم كلثوم التي قرأت صفحة من كتاب الأيام للأديب طه حسين، في تجربة كشفت قدرة الفكرة على الإدهاش خارج القوالب التقليدية. ومع تنامي النجاح، استعانت الإذاعة بأسماء بارزة مثل بيرم التونسي وصلاح جاهين لتطوير النصوص، قبل أن تنتقل الفوازير إلى شاشة التلفزيون عام 1967 عبر فرقة ثلاثي أضواء المسرح التي ضمّت سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد، لتتحول إلى عرض بصري متكامل.
في منتصف السبعينيات، أحدث المخرج فهمي عبد الحميد نقلة نوعية أعادت صياغة الشكل الاستعراضي للفوازير، وجعلتها أيقونة رمضانية راسخة. ومع عام 1975، بدأت مرحلة ذهبية ارتبطت باسم نيللي التي تصدرت المشهد لسنوات طويلة، مقدمة أعمالاً مثل “عالم ورق” و“عجايب صندوق الدنيا” و“أم العريف”. تميزت فوازيرها بخفة الظل ودقة الرقصات والأزياء اللافتة، حتى باتت رمزاً للبهجة الرمضانية، واحتاج التحضير لها أشهراً من العمل المتواصل لتخرج بصورة متقنة تحفظها الذاكرة.
منتصف الثمانينيات شهد بروز شريهان كحالة فنية مختلفة أضفت على الفوازير طابعاً مسرحياً درامياً واضحاً، بدءاً من “ألف ليلة وليلة” مروراً بـ“وردشان” و“حول العالم” و“حكاية فاطيما وحاليما وكاريما” وصولاً إلى “حاجات ومحتاجات”. امتازت أعمالها بضخامة الإنتاج وتنوع الديكورات وبناء قصة داخل كل حلقة، ما جعلها أقرب إلى عرض استعراضي قصير يختتم بلغز ذكي. وبرغم الحادث الذي تعرضت له عام 1990 وصراعها اللاحق مع المرض، بقيت فوازيرها جزءاً أصيلاً من روح رمضان.
على الجانب الكوميدي، قدّم سمير غانم شخصية “فطوطة” عام 1982، مبتكراً شكلاً مختلفاً للفوازير يقوم على خفة الظل والأغنيات المرحة، بالتعاون مع الموسيقار سيد مكاوي، لتترسخ الشخصية في الذاكرة الشعبية وتتحول لاحقاً إلى أعمال إذاعية ورسوم متحركة.
ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأت الفوازير تفقد بريقها تدريجياً مع تغير الذائقة وظهور أنماط ترفيهية جديدة، ورغم محاولات الإحياء لم تستعد حضورها السابق. ومع ذلك، بقيت فوازير رمضان علامة مضيئة في تاريخ الفن العربي، وذكرى دافئة لزمن كانت فيه العائلة تجتمع حول شاشة واحدة، تتشارك اللغز والضحكة والدهشة.
سينفيليا

