مع تصاعد المواجهات المسلحة في مدن مكسيكية كبرى، من بينها غوادالاخارا، عاد الاهتمام العالمي بأفلام ومسلسلات الكارتيلات، ليس باعتبارها أعمال تشويق فقط، بل بوصفها وثائق درامية غير مباشرة تكشف تشابك السلطة بالعنف، والدولة باقتصاد الظل، في واحدة من أطول الحروب غير المعلنة في العصر الحديث.
هذه الأعمال لا تكتفي بمشاهد المطاردات وإطلاق النار، بل تذهب عميقًا في تفكيك العلاقة الملتبسة بين المؤسسات الرسمية وعصابات المخدرات، حيث تتحول المساحات الممتدة من الحدود الأميركية-المكسيكية إلى عمق أميركا اللاتينية إلى مسرح مفتوح لصراع تتآكل فيه مفاهيم العدالة، ويعاد تعريف الفساد كآلية حكم غير معلنة.
من أبرز هذه الأعمال فيلم Sicario للمخرج دينيس فيلنوف، الذي قدّم رؤية قاتمة لما سماه صُنّاعه “العدالة الخشنة”. الفيلم يصوّر الدولة كلاعب براغماتي لا يتردد في استخدام أدوات خارجة عن القانون لإعادة ترتيب الفوضى بما يخدم مصالحه، عبر شخصية أليخاندرو التي جسدها بينيسيو ديل تورو، في عالم لا مكان فيه للأبطال.
وقبل ذلك بسنوات، رسم فيلم Traffic للمخرج ستيفن سودربيرغ خريطة متعددة الألوان لحرب المخدرات، كاشفًا فشل المقاربة الأمنية الصرفة، ومظهرًا الكارتيل كجزء متغلغل في الحياة السياسية والاجتماعية الأميركية، لا كعدو خارجي يمكن عزله.
أما من الداخل المكسيكي، فقد جاء فيلم El Infierno للمخرج لويس إسترادا ليقدّم هجاءً سياسيًا لاذعًا، يصوّر الكارتيل كبديل فعلي لدولة غائبة، في واقع لا يمنح أبطاله أي أمل أو خلاص، بل يضعهم أمام خيار وحيد: التكيف مع الجحيم.
وتذهب أعمال أخرى إلى إنسنة الضحية، كما في فيلم Miss Bala، الذي يرصد كيف تتحول امرأة عادية إلى أداة في منظومة إجرامية ضخمة، حيث تتلاشى الحدود بين العصابة والأجهزة الرسمية، وتصبح الدولة كيانًا عاجزًا أو مخترقًا.
وفي السياق الأميركي، فكك فيلم Savages للمخرج أوليفر ستون فكرة “الخطر البعيد”، مظهرًا كيف انتقل عنف الكارتيلات إلى قلب السوق الأميركية، حيث لا تتصرف الأطراف المختلفة إلا بمنطق الربح والبقاء، في عالم تحكمه الرأسمالية المتوحشة.
على مستوى الدراما التلفزيونية، شكّل مسلسل Narcos نقطة تحول في صورة “الناركو” عالميًا، عبر سرد صعود وسقوط بابلو إسكوبار بوصفه فاعلًا سياسيًا ينافس الدولة على السيادة والولاء الشعبي، لا مجرد مجرم مطارد.
وتعمّق مسلسل El Chapo في تفكيك العلاقة البنيوية بين الكارتلات والفساد السياسي، مصورًا العصابة كمنظومة حكم موازية، تمتد خيوطها من الشارع إلى أعلى مراكز القرار.
أما Queen of the South، فقد أعاد تعريف الكارتل كاقتصاد عابر للحدود، تحكمه قواعد السوق لا فقط فوهات البنادق، فيما كشف مسلسل Ozark كيف تغلغلت أموال المخدرات في صميم النظام المالي الأميركي، حيث لم تعد هناك خطوط فاصلة واضحة بين المشروع وغير المشروع.
في مجملها، لا تقدم هذه الأعمال مجرد ترفيه مظلم، بل ترسم صورة صادمة لعالم تتقاطع فيه الدولة مع الجريمة، ويتحول فيه الكارتل من “عدو” إلى شريك صامت في نظام عالمي مأزوم.
سينفيليا

