لم تمرّ دورة هذا العام من مهرجان برلين السينمائي الدولي بهدوء، بعدما وجد نفسه في مواجهة انتقادات واسعة وُصفت بـ«العاصفة الإعلامية»، على خلفية ما اعتبره كثيرون تراجعا عن دوره التاريخي في احتضان النقاش السياسي والانحياز للقضايا الراهنة. المهرجان، الذي لطالما عُدّ الأكثر اشتباكا مع السياسة بين المهرجانات الأوروبية الكبرى، انطلق وسط جدل محتدم عقب أسئلة وُجّهت إلى لجنة التحكيم برئاسة المخرج الألماني فيم فيندرز حول الأوضاع العالمية، وعلى رأسها الحرب على غزة.
في إجاباته، شدّد فيندرز على أن السينما قادرة على تغيير العالم، لكن ليس عبر أدوات السياسة المباشرة، معتبرا أن الأفلام لا تغيّر آراء سياسية بقدر ما تُسهم في إعادة تشكيل نظرة الناس إلى كيفية عيشهم. ورأى أن السينما تتحرك في المساحة الفاصلة بين رغبات الأفراد وخيارات الحكومات، مؤكدا ضرورة بقاء صنّاع الأفلام خارج السياسة، لأن السينما – برأيه – نقيضها الطبيعي.
هذا الموقف أثار مزيدا من الجدل عندما رُفضت أسئلة تتعلق بغزة ودعم الحكومة الألمانية لإسرائيل، قبل أن يتعرض البث المباشر للمؤتمر الصحفي لانقطاع مفاجئ، ما غذّى شكوكا حول احتمال تعمّد قطع الإرسال، وهو ما نفاه المهرجان لاحقا، مبررا ما حدث بأعطال تقنية.
سريعا، تصاعدت ردود الفعل الغاضبة، إذ رأى منتقدون أن برليناله خسر جزءا من هويته النقدية، خصوصا أنه لم يتردد في السابق في اتخاذ مواقف سياسية صريحة، كما فعل إزاء الحرب في أوكرانيا. واستُحضرت أمثلة حديثة تؤكد هذا الإرث، من بينها تكريم أفلام وثائقية تتناول قضايا الاحتلال والاستيطان، رغم اعتراضات رسمية ألمانية.
الاحتقان بلغ ذروته مع إعلان الكاتبة الهندية أرونداتي روي انسحابها من المهرجان، معتبرة أن الدعوة إلى فصل الفن عن السياسة تمثل محاولة لإسكات النقاش حول ما وصفته بجريمة إبادة جماعية تُرتكب في غزة. وفي بيان شديد اللهجة، عبّرت روي عن صدمتها مما اعتبرته تواطؤا ثقافيا وصمتا أخلاقيا، محذّرة من أن التاريخ لن يرحم من يختارون الصمت.
في مواجهة هذا السخط، دافعت إدارة المهرجان عن نفسها عبر بيان مطوّل أكدت فيه التزامها بحرية التعبير، مشيرة إلى أن برنامج الدورة يضم مئات الأفلام التي تناقش قضايا العنف والاستعمار والسلطة والفساد. غير أن هذا التوضيح لم ينجح في تهدئة الانتقادات، إذ وقّعت عشرات الشخصيات السينمائية العالمية رسالة مفتوحة هاجمت فيها ما اعتبرته صمتا مؤسسيا إزاء غزة، ورفضت الفصل بين السينما والسياسة، مطالبة المهرجان بتحمّل مسؤوليته الأخلاقية.
في خضم هذا الجدل، برز موقف الممثل إيثان هوك الذي قدّم رؤية أكثر توازنا، معترفا بتأثير السينما الرمزي، ومؤكدا في الوقت نفسه أن الفنانين ليسوا أوصياء أخلاقيين على العالم. ومع ذلك، شدد على أن لكل إنسان صوتا، وأن التعبير عن الرأي حق لا ينبغي الخوف منه، خاصة في زمن تتصاعد فيه النزعات الفاشية.
وهكذا، أعاد الجدل الدائر في برليناله طرح السؤال القديم المتجدد حول علاقة الفن بالسياسة، في وقت يرى فيه كثيرون أن الادعاء بأن الفن يجب أن يكون محايدا هو في حد ذاته موقف سياسي، وأن المهرجانات التي وُلدت من رحم النقاش الحر لا يمكنها الهروب من أسئلة الواقع مهما كانت محرجة.
سينفيليا

