رحل عن عالم السينما المخرج وكاتب السيناريو والمنتج المجري البارز بيلا تار عن عمر ناهز 70 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا استثنائيًا طبع تاريخ السينما الأوروبية المعاصرة.
وأُعلن خبر الوفاة رسميًا من قبل بينسه فليغاوف، الذي صرّح لوكالة الأنباء المجرية الرسمية “MTI” نيابةً عن عائلة الراحل، مؤكدًا نهاية مسيرة فنية اتسمت بالجرأة والعمق الفلسفي.
ويُعد بيلا تار أحد أبرز رموز السينما التأملية القاتمة، حيث عُرفت أعماله بأسلوبها البصري الشعري ونبرتها السياسية المبطنة، فضلًا عن رؤيتها المتشائمة للحالة الإنسانية وسخريتها السوداء الحادة. وقد شكّلت أفلامه تجربة سينمائية فريدة تتحدى الإيقاع السائد وتغوص في تفاصيل الوجود الإنسانaي القلِق.
وُلد تار عام 1955 في مدينة بيتش المجرية، وبدأ مسيرته الفنية داخل استوديو “Balázs Béla Stúdió” المخصص للأفلام التجريبية، حيث وضع بصمته الأولى عبر أعمال لفتت الانتباه مبكرًا. ومع أفلام مثل “Family Nest” و”Almanac of Fall” و”Damnation”، تبلورت لغته السينمائية الخاصة التي مهدت لانطلاقه عالميًا.
وجاء الاعتراف الدولي الحقيقي عام 1994 مع فيلمه الملحمي بالأبيض والأسود “Sátántangó”، الممتد لأكثر من سبع ساعات، والذي عالج بانهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية بأسلوب بصري شديد الكآبة. استند الفيلم إلى رواية الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي، الذي جمعته بتار شراكة فنية طويلة ومؤثرة.
وتواصل هذا التعاون في فيلم “Werckmeister Harmonies” الصادر عام 2000، وهو عمل سوداوي آخر يصوّر عالما يوشك على الانهيار في ظل الحقبة الشيوعية، ونال إشادة نقدية واسعة. غير أن فيلمه الأخير “The Turin Horse” عام 2011 ظل يُعتبر ذروة مسيرته وأكثرها قتامة وتأملًا.
استلهم الفيلم قصة منسوبة لانهيار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بعد حادثة جلد حصان في مدينة تورينو، مقدّمًا دراما نفسية بطيئة الإيقاع تتابع تفاصيل الحياة اليومية الرتيبة لمالك الحصان وابنته. وقد عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي، حيث حصد جائزة الدب الفضي الكبرى من لجنة التحكيم.
عقب إطلاق هذا العمل، أعلن بيلا تار اعتزاله الإخراج وانتقل إلى سراييفو، حيث أسس المدرسة السينمائية الدولية “film.factory”، مساهمًا في تكوين أجيال جديدة من صناع السينما.
وكان الراحل عضوًا في أكاديمية السينما الأوروبية منذ عام 1997، وحصل على جائزة الشرف من رئاسة الأكاديمية ومجلسها خلال الدورة السادسة والثلاثين من جوائز السينما الأوروبية عام 2023، تكريمًا لمسيرته وتأثيره الفني.
وفي بيان نعي رسمي، وصفت أكاديمية السينما الأوروبية بيلا تار بأنه مخرج استثنائي وصاحب صوت سياسي وفني قوي، حاز احترام زملائه واحتفاء جمهور عالمي، مؤكدة أن رحيله يشكل خسارة كبيرة للسينما العالمية.
سينفيليا

