لم تعد العائلة في الدراما الحديثة إطارًا ثابتًا أو صورة مثالية مكتملة، بل باتت مساحة قلقة لإعادة التفكير في الأدوار والعلاقات والالتزامات. الأعمال المعاصرة لم تعد تقدم الأسرة كملاذ آمن بقدر ما تصوّرها كحالة تفاوض مستمر بين الواجب والعاطفة، وبين ما كان متوقعًا وما فرضه الواقع. في هذا السياق، يأتي مسلسل «سنجل ماذر فاذر» بوصفه تجربة درامية تحاول الاقتراب من المناطق الهشة في بنية العائلة الحديثة، بعيدًا عن القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة.
يراهن المسلسل منذ بداياته على الإنسان أكثر من الحدث، وعلى التفاصيل اليومية الصغيرة بدل الذروات الدرامية الصاخبة. لا يسعى العمل إلى افتعال الصدام، بل يطرح أسئلة هادئة لكنها عميقة حول معنى الأبوة والأمومة في غياب الشريك، وحدود القدرة على التعويض العاطفي، وكيف تتشكل هوية الطفل داخل منظومة أسرية غير تقليدية لا تنتمي إلى النماذج المستقرة.
تدور الحكاية حول أب وأم منفصلين يربط بينهما طفل واحد، بينما يفصل بينهما تاريخ ثقيل من الخيبات وسوء الفهم والقرارات المؤجلة. لا يتوقف المسلسل عند لحظة الانفصال، بل يتجاوزها إلى ما بعدها، متتبعًا محاولات التعايش وإعادة رسم الحدود والبحث عن صيغة أقل قسوة لتربية طفل في عالم بالغ التعقيد. ويتقدم السرد بإيقاع هادئ يعتمد على التراكم النفسي، حيث تكشف الحلقات المتتالية عن طبقات متداخلة من الشخصيات، وتعيد قراءة مواقف بدت حاسمة قبل أن تنكشف هشاشتها.
يلعب الطفل دورًا محوريًا في البناء الدرامي، لا بوصفه عنصرًا مساعدًا، بل كمرآة صامتة تعكس اختلالات الكبار وتضعهم في مواجهة غير مباشرة مع ذواتهم. ومن خلال هذه الزاوية، ينجح العمل في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أدوات مساءلة إنسانية عميقة.
على مستوى الأداء، يتقاسم البطولة شريف سلامة وريهام عبد الغفور، وهما ينتميان إلى مدرسة تمثيلية تعتمد الهدوء والاقتصاد في التعبير. يقدم سلامة شخصية الأب بتوازن لافت، موظفًا الصمت والنظرات ونبرة الصوت لنقل صراع داخلي بين الإحساس بالمسؤولية والرغبة في القرب، وبين الخوف من الفشل وثقل الندم، ما منح الشخصية بعدًا إنسانيًا واضحًا وسهل التعاطف معها.
في المقابل، جاء أداء ريهام عبد الغفور متفاوتًا في بعض المشاهد، خصوصًا تلك التي تتطلب توترًا دراميًا مرتفعًا، إذ بدا أحيانًا أقل حدة من السياق العام. إلا أن ذلك لم يحجب قدرتها على تجسيد التناقض الداخلي للأم المنفصلة، القوية ظاهريًا والمنهكة نفسيًا، وهو ما أضفى على الشخصية قدرًا من الواقعية والتعقيد.
وتبرز مشاهد المواجهة بين الطرفين كأقوى لحظات المسلسل، حيث جاء الحوار طبيعيًا ومشحونًا بتصاعد نفسي مدروس، ما ساهم في ترسيخ مصداقية الصراع الأسري، وأنقذ الإيقاع في لحظات بدا فيها الأداء متذبذبًا.
يحمل العمل توقيع تامر نادي قصةً وإخراجًا، مستكملاً مشروعه الفني الذي ينحاز إلى تفكيك العلاقات الإنسانية المضطربة، والتركيز على المسكوت عنه داخل البيوت المعاصرة. ويعتمد أسلوبه الإخراجي على البساطة البصرية والكاميرا القريبة والإضاءة الطبيعية، مع ترك مساحة للتوتر الداخلي كي يتراكم داخل المشهد، مع حوار مقتصد وأداء واقعي يعكس الحالة النفسية للشخصيات.
ورغم مخاطرة التكرار، ينجح نادي في تقديم هذه السمات ضمن سياق جديد يضع الأبوة والأمومة في إطار تجربة وجودية معقدة، لا مجرد أدوار اجتماعية. ومع اقتراب نهاية عرض المسلسل، يمكن اعتباره تجربة درامية هادئة وصادقة، تفضل طرح الأسئلة على تقديم إجابات جاهزة، وتحترم ذكاء المشاهد العاطفي دون الوقوع في فخ الوعظ أو التبسيط.
ورغم بعض البطء في الإيقاع وتكرار حالات شعورية دون تعميق كافٍ للشخصيات الثانوية، يظل «سنجل ماذر فاذر» عملًا لافتًا لمن يبحث عن دراما تراهن على الصدق الإنساني بدل الصخب. المسلسل مكوّن من 15 حلقة ويُعرض على منصة «شاهد»، وهو من تأليف نجلاء الحديني، وبطولة ريهام عبد الغفور، شريف سلامة، هنادي مهنا، محمد كيلاني، حنان سليمان، ليلى عز العرب، والطفل آسر أحمد حمدي.
سينفيليا

