الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  نقد    
فيلم "جمجمة".. أو صلب المسيح من جديد

ماذا لو بعث المسيح في هذا العصر في بلدة صغيرة في ايرلندا، ما الذي كان سيفعله مع أتباع ديانته، وكيف كان سيعاملهم، وفيهم العاصي والمعتاد على الخطيئة، بل السؤال المهم أيضا هو: كيف كانوا سيعاملونه هم؟
 
قد تطرح هذه الأسئلة كلما أعيدت مشاهدة فيلم "أغيرا.. غضب الرب"؛ تحفة المخرج الألماني هيرتزوغ، أو فيلم "المهمة" لرولاند جوفي. ويتساءل المشاهد لهذه الأعمال وغيرها، عن قضية التبشير بعد كل هذه السنوات من الدعوة للمسيحية عموما. وعن حال رجال الدين الأوائل والمتأخرين منهم من حيث نمط عيشهم وطرق تبشيرهم وكذلك تفاعل الناس معهم.
لكن فيلم "جمجمة" Calvary (أو جلجثة نسبة إلى مكان صلب المسيح بالآرامية)، لا يبشر بالكاثوليكية أو الكالفينية.. ‪ولا يصور مجتمعا قبائليا في إحدى الغابات. وإنما يروي قصة القس "جيمس" (جسد الدور بريندان غليسون) الذي يعيش في ايرلندا (وهي من أكثر الدول تدينا بالمسيحية في أوروبا) مع سكان بلدة صغيرة، اختلفت بينهم درجات الطيبة والقسوة.. والجمال والقبح. كما اختلف إيمانهم وتشبثهم بالمسيحية الكاثوليكية ونظرتهم تجاه الخطيئة.
 
كتب المخرج الايرلندي "جون مايكل ماكدونا" هذا الفيلم وهو يصور فيلمه "الحارس" سنة 2011، وصوره سنة 2013 في موطنه مع نفس الممثل "بريندان غليسون". وهو فيلمه الطويل الثاني الذي كتبه وأخرجه.
 
ولا يمكن مشاهدة الفيلم دون طرح بعض الأسئلة حول الفيلم؛ هل هو ذو طبيعة دينية.. اجتماعية.. نفسية..  فلسفية، أو فيلم جريمة. بيد أن الكثيرين اعتبروا الفيلم من نوع الكوميديا السوداء، لأنه يعكس في الواقع إساءة مئات الرهبان معاملة الأطفال في المؤسسات الأيرلندية على مدى 35 عاما، حسب تقرير لجنة التحقيق في اغتصاب الأطفال في العام 2009.
 
مجتمع الفيلم
افتتح الفيلم بعبارة القديس أوغستين: "لا تيأس، فأحد اللصوص قد تم إنقاذه.. لا تفترض، فأحد اللصوص قد لـُعن". وهو اقتباس يشكل إطارا عاما يحد زوايا الفيلم بالعقيدة الكاثوليكية.
 
يصور المدخل الأول في الفيلم، الأب "جيمس" داخل غرفة الاعتراف في الكنيسة  بحديث مفاجئ، على حد تعبير الأب نفسه، مع شاب من خلال صوته فقط. إذ أبدى هذا الأخير رغبته بقتل الأب جيمس لا لشيء اقترفه، بل لأن أحد القساوسة اغتصبه صغيرا لمدة خمس سنوات. ولا يمكن الانتقام منه لأنه توفي، وبالتالي "فقتل قس طيب لم يفعل شيئا سيكون صدمة"، في اعتقاد الشاب، كما هو الحال الصادم باغتصاب طفل من طرف رجل دين يمثل كلمة الله على الأرض.
 
جسد حضور الأب الدائم، تقريبا في كل لقطة من الفيلم (المونتاج والكاميرا تبحث عن الممثل غليسون)، مركزا للأحداث والتأثيرات الاجتماعية، رغم كونه لا يمثل لهم في القرية إلا الجانب الروحي بينهم. وتنوعت شخصيات البلدة بتنوع اختزاليتها؛ إما للصفة أو العرق أو الديانة أو الثروة أو السن.. بدءا بالمرأة الجميلة اللعوب، وزوجها المتهاون مع مرافقتها للرجل ذو البشرة الداكنة (المهاجر) أمام الجميع. إضافة إلى العجوز الكاتب الذي شارف على الموت، لكن استمراره في الكتابة والإبداع هو رفيقه في وحدته.
 
ونجد كذلك الرجل الغني والمكتئب، الذي هجرته زوجته وأولاده، اضطر بعدها لأن يبدي رغبته بالتبرع للكنيسة، عساه يشفى من حالته. كما نجد صاحب الحانة البوذي. والسجين المحكوم بالإعدام الذي يأمل بغفران الرب ليدخله الجنة مع الفتيات اللاتي قتلهن.
 
وتـَمثـل الجانب الأمني في مفتش يعاشر أحد اللوطيين المرتادين على البلدة. ثم هنالك الشخص الغير القادر على التواصل، الذي تراوده فكرة الانتحار أو الانضمام للجيش. وكذلك الصحة، مثلها الطبيب الملحد الذي لا يقدر الروح ولا الذات البشرية.
 
كما أن حضور ابنة الأب جيمس وقدومها للبلدة، شكل امتدادا للماضي والمستقبل بالنسبة للمشاهد أكثر ما عنته للأب نفسه. فمن خلالها إما نفتح صفحة الماضي للأب، أو نتطلع إلى كيفية عيشه معها أو ربما منعها من الانتحار مستقبلا.
 
لا تحكي لنا قصة الفيلم حياة الأب جيمس، ولا تصرفاته الجدية حيال بعض مشاكله المماثلة في الماضي. ولا نجد حتى ذاكرة هذا الأب (بصريا) تعود إلى الوراء، إما بشريط ذكريات أو أحداث أثرت على مساره الحالي (زوجته المتوفاة مثلا !). وهو اختيار تعمده "ماكدونا" ليجنب المشاهد ربط أيام الفيلم السبعة (الحاضر) مع تاريخ الأب. في حين أن سياق الفيلم وأحداثه ستفهمنا لاحقا، أن حاله مع سكان البلدة، كان كما هو عليه الآن. وبالتالي فتلك التهديدات لن تغير في تحركاته أو إيمانه، ليكون تعامله معها بمنطق الاحتمال والرهبنة نوعا ما.
 
اعتمد المخرج على المشاهد البانورامية للطبيعة التي تزخر بها ايرلندا كتصوير للبحر والهضاب وكذلك أثر الرياح. وهو أمر لا يمكن أن يغفله أي مخرج وطأت قدمه هذه البلاد (إلا قصدا). ورغم وجود هذا الجمال الطبيعي، فإن جون ماكدونا لم يسمح للمشاهد بالتعرف على جغرافية البلدة، وأراد أن يختزلها في عينة مختلفة من الناس في شخصيات لا تتشابه بينها. وتجسد أبعادها التعامل البشري مع غرائزه وخطاياه ودوافعه الطبيعية.
 
كما تخللت الشخصيات حوارات شبه استرسالية أو إنشائية أحيانا، بنى المخرج عليها الصورة المصاحبة لفضاء السيناريو. فالبحر أو الصخرة أو اللوحة مثلا هم من يخلقون الحوار، وعليه تتقدم النقاشات إلى الاستنتاجات إلى النتائج الدينية أو النفسية.
 
أزمة المسيحية في الفيلم
تقع أحداث الفيلم في مدة زمنية بين الأحد الأول والأحد الآخر، وهو يوم يجتمع فيه الناس للصلاة عند معتنقي المسيحية (كما الجمعة عند المسلمين). وهذه الزمنية قد لا تبدو مهمة لولا تحديد ذلك الشاب (القاتل) يوم تنفيذ وعيده بقتل الأب جيمس. لأن من يريد أن يقتل فلن ينتظر يوما محددا ليبلغ ضحيته به. وإلا فاختياره يوما غير الأحد لن تكون له رمزيته الدينية (لا عند القاتل ولا المقتول). لكن هل مجيئه للاعتراف أو للانتقام ؟ للصفح أو للنسيان ؟ لتخليص نفسه من الرمزية الكنسية التي بداخله ؟ أم لبعثرة أوراق ممثلي الكنائس (كما عرف مؤخر بقضية الفضائح الجنسية للقساوسة في أوروبا)؟
 
وظهرت الأبرشية (التي تندرج ضمن سلطتها كنائس المدينة)، في الفيلم بشكل ساذج وغبي إلى حد ما، ولا تقنع أحدا في جديتها وتعاملها مع الأحداث. فعندما رفع الأب جيمس شكوى التهديد للأبرشية، وجد أسقفها على مائدة الإفطار وغير متفاعل مع خطورة الحدث. إلى درجة جعل الأب جيمس يتخذ قراره لوحده. كما وجد نفس الأسقف، بعد حرق كنيسة تلك البلدة، في المرة الثانية، بين الورود في حديقته، رغم أن الأمر أضحى يهدد ممثلي الكنيسة ووجب الحزم فيه.
 
لا يخلو حوار بعض الشخصيات من سخريتها من حب الكنيسة للمال أو من رموز الدينية، أو من تعاملها المعاكس لطبيعة خطابها اليومي. من خلال تحوير أفكار الكنيسة أو اعتقاد الناس نحو بعض القضايا. بل حتى مشهد تبول الشخص الغني على إحدى لوحاته الغالية والمفضلة لديه، صُوّر (إخراجيا) كأنه موجه للقس جيمس.
 
وكان لحضور فكرة الموت (كما هو سائد في المجتمعات الأوروبية) تأثير كبير على إيمان الشخصيات، إما انتحارا  كابنة الأب جيمس وحبيبها الانتحاري الياباني.. ومايلو العاجز عن التواصل.. والعجوز الكاتب.. والمحكوم بالمؤبد. أو موتا طبيعيا كحادث المستشفى، الذي تمخضت عنه رسالتين؛ الأولى في كون " إيمان البعض هو مجرد خوف من الموت ". والثانية أن "العيش بحب عدلٌ في هذه الحياة".
 
يبدو أن هذا القس الطيب لم يتحمل استهزاء الناس به فقط، بل امتد إلى تحمل أخطاء رجال الدين الآخرين مثله. وبالتالي فهو يلعب دور المخلص على تلك الأرض، وهو حامل الهم النفسي والتاريخي للكنيسة كدين وفعل. ولذلك جاء عنوان الفيلم "جمجمة - Calvary" مشيرا إلى عملية صلب المسيح، التي توحي بخاتمة القتل وبضرورة وجود شخص يتحمل خطايا البشر. وقد انتصرت الخطيئة بعد موت الأب جيمس، واستمر معها ندم النفس البشرية، والإحساس بجمال الحياة أو قبحها. لكن الجميل ورغم كل هذه الأحداث، فرُوح "المسيح" جيمس تمثلت في ابنته، وأنبتت فضيلة الصفح والغفران التي هي أولى فضائله.

غسان الكشوري  (27-10-2014)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.






متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION