الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  نقد    
"الأوراق الميتة" للركاب: تفكك القصة يعرقل المونتاج ويخلق الضجر

 جرى افتتاح الدورة الثامنة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بمدينة سلا مساء 22-9-2014. بالمناسبة افتخر عمدة المدينة بأن توم كروز صوّر لقطات من فيلمه الأخير في سلا. وكشف العمدة أن البلدية قد قامت بشراء دار سينما مهددة بالزوال ورممتها لتصبح ملكا عاما. كان لهذا وقع كبير على المهتمين. يبدو أن الدولة، وتحت ضغط الإعلام والمهتمين بالسينما قد صارت مضطرة لشراء القاعات التي يهدد أصحابها بتحويلها إلى أسواق أوعمارات. بهذا يمكن لمدينة سلا - مدينة تاريخية بين البحر والنهر والغابة - أن تتطور وتخرج من ظل الرباط.
وللتأكيد على البعد الدولي للمهرجان عرفت الدورة أيضا تكريم للسينما اللبنانية بعرض فيلمين روائيين طويلين وثلاثة أفلام وثائقية طويلة لمخرجات عرفن بإبداعهن و نضالهن. وخاصة فيلم رندة الشهال "طيارة من ورق" الحاصل على الجائزة الفضية في مهرجان فينيسا السينمائي.
بعد ذلك عرض فيلم يونس الركاب "أوراق ميتة" ومدته 127دقيقة. بطولة ربيع القاطي وسناء بحاج. والفيلم بسيكودرام عن الصحافي والراقصة، ثم عن الراقص والراقصة وأخيرا عن الراقصة والطبيب النفسي. من سلوك الراقصة مع الصحفي يبدو أن النساء لا يعشقن الرجال الذين يعاملنهن بأدب شديد. 
وزع المخرج - كاتب السيناريو شواهد الجريمة على طول الفيلم. وفي كل مرة يشعر أن الإيقاع سينخفض يعرض شاهدا فتنبعث الأحداث من جديد. بعد ساعة سينزل الإيقاع. سيتوقف التقدم وسيعود النصف الثاني من الفيلم لافتراس نصفه الأول...
كيف حاول المخرج تجديد التشويق بعد مرور ساعة؟
بعد ساعة ما الذي تبقي للسيناريست ليضيفه؟
هذا السؤال هو جحيم كتاب السيناريو. في الفيلم بعد ساعة لا زالت المواضيع تتراكم، وقد ناقش المخرج الرقص والموسيقى والسينما والرسم والتحليل النفسي والسياسية... يريد المخرج تناول كل القضايا دفعة واحدة... ثم أدخل شخصية العم الوارث ولجأ للفلاش باك... وطبعا لقطة الكوابيس وهي من ثوابت الأفلام المغربية التي تُكتب بسرعة. يقول غارسيا ماركيز: "لكتابة سيناريو جيد، لابد من الشطب كثيرا". في الأفلام المغربية، لا يشطبون لذا يحصدون تبنا كثيرا وقمحا قليلا.
من لا يستطيع كتابة قصة لن يكتب سيناريو. قصة الفيلم لا يمكن حكيها في سطرين.
في الساعة الثانية ظهر الطبيب النفسي. ونتعرف عليه في أكثر من نصف ساعة فلاش باك شفوي.
يتحرك البطل دون دوافع واضحة. يراقب البطلة. إن كان يعشقها فلماذا يراقبها بدل أن يكلمها؟ العشق ليس دافعا هنا. لن يتماهى المتفرج مع بطل لا يفهم دوافعه.
سألت ربيع الممثل الرئيسي (ربيع القاطي) عن دوافع الشخصية فأجاب: دوافع إنسانية. قلت له فقدت هاتفي فهل يمكن أن تعطيني هاتفك لدافع  إنساني؟
طبعا لا.
ينعكس ضعف الدافع على العلاقات السببية في المونتاج. المونتاج مثل المخاض. المونتاج هو خلق إيقاع الفيلم. يشبه أندري تاركوفسكي القائم بالمونتاج برصّاص يربط بين أنابيب من مقاس متشابه لكي لا يسيل الماء... بما أن زمن قصة أكثر من سبع سنوات فإن أنابيب الزمن في الفيلم لم تكن متشابهة. لذا هناك الكثير من الزمن الميت في الفيلم الذي يمكن اقتطاعه ليصير طوله 100دقيقة فقط.
عادة يكون المونتاج عسيرا قبل أن يخرج الفيلم للوجود. وقد سار فيلم الركاب بشكل سلسل إلى أن بدأ الطبيب في الحكي فكرر مشاهد السلسلة التلفزيونية "مداولة" التي تشرح القانون للفئات الشعبية. هنا صار الإيقاع رتيبا... وقد استخدم الممثل ربيع القاطي ماكياجا قويا منع ملامح الوجه من التعبير فبقي الوجه متكلسا لا يؤثر في المتفرج. على وجه الممثل ندوب الجرح بعد سبع سنوات بارزة كأن الزمن لا أثر له على طمس الجراح ولا على سن البطلة وملامحها. وقد استغرقت لقطة إشعال القاطي سيجارة مدة دقيقتين وكأن الوقت ليس من ذهب في السينما. وحسب شخص يعرف الممثل فإن تلك اللقطة هي سلوك شخصي للممثل وليست توجيها من المخرج. 
كان  البقاء في القاعة في النصف ساعة الأخير من الفيلم محنة. فتعليقا على الفيلم كتب الناقد السينمائي عبد الكريم واكريم "في بعض الأحيان تضعك بعض "الأفلام " في موقف لا تجد معه ما تقوله، لكونها تذهب بعيدا في تعذيبك كمشاهد... هذا ماوقع لي اليوم مع فيلم يونس الركاب "الأوراق الميتة"... فيلم تاه صاحبه طيلة ساعتين وسبع دقائق في دهاليز لا تعرف لمفهوم السرد السينمائي ولا الأدبي طريقا".
لا قصة في الفيلم. القصة المتماسكة يمكن حكيها في سطرين بسلسلة أفعال متتابعة مترابطة. حين تغيب هذه القصة يحضر الفلاش باك لتغطية الثقوب. يقول غابريل غارسيا ماركيز في كتابه "ورشة سيناريو" بأن الفلاش باك دليل على كسل كاتب السيناريو. 
السرد قليل والحوار كثير. وقد تم عرض مواضيع الفيلم في حوارات طويلة، حوار في غرفة أو على الهاتف (هناك أكثر من ثلاثين اتصال هاتفي في الفيلم). مشكلة الحوار بالعامية، عندما تقربه للفصحى يبهت. وعندما تقربه للشارع يصير عنيفا عدوانيا. أما عندما تمزج بينهما فالمتفرج يحس بقفزة لغوية بين معجمين...
الطبيب شخصية يناقض ظاهرها باطنها وقد أداها الممثل ربيع القاطي في لقطات المستشفى كان جيدا. لكن في دور المراقب، وقد طلب منه أن يكون مخيفا، فبقي مكشرا بنظرة ثابتة طيلة ساعة. لقد كان واثقا من نفسه أكثر من اللازم لذا لم يبذل جهدا كبيرا رغم أنه ممثل موهوب. يبدو أن العمل طويلا في التلفزيون يجر الممثلين والمخرجين السينمائيين إلى أسفل.
وقد جرى التصوير في فضاء مغلق وهو ما جعل اللقطات طويلة رتيبة. وسبب الرتابة هو كونموضوع الصراع غير واضح. ودوافع شخصية الطبيب غير مقنعة. فهو يعرض نفسه للخطر. هل في سبيل الله؟
يعرض الطبيب حياته لمخاطر لأسباب غير مقنعة. وحتى حين تنكشف الحبكة ويستمر الفيلم لحوالي ربع ساعة ملل. عادة عندما يقع المخرج في حب الممثلة يمنحها مساحة كبيرة.
في المناقشة سألت المخرج يونس الركاب: ما موضوع الصراع في الفيلم؟ يشعل الطبيب سيجارة في دقيقتين، ما الفرق بين الفيلم السينمائي والتلفزيوني؟
أجاب أن الفيلم المغربي له مكانته في العالم. في المناقشة لم يتحدث النقاد المعروفين بالكتابة. وفي المناقشة حيى المخرج الناقد البناء، وبقي الناقد الهدام. ما هو الفارق بين الناقد البناء والناقد الهدام؟
المطلوب نقد تحليل وليس قول هذا سيء أو هذا جيد. لذا ألاحظ وأفسر وهذا هو المدخل لإقناع المتفرج بوجهة نظري. وفي نظري فأن يقول  الناقد للممثل والمخرج نقط الضعف فأنه لا يعبر له بذلك عن عدائه بل يسدي له خدمة.
ملاحظة أخيرة تخص النقاد في المغرب. هناك ناقد بنّاء وناقد هدّام وناقد صامت. لنر النوع الثالث: فقد فسر ناقد مغربي توقفه عن الكتابة بالقول: "جل المخرجين صاروا أصدقائي فكيف أنتقد أعمالهم؟"
إن التورط في شبكة علاقات واسعة مع الفنانين تعرقل حرية الكلمة حول الصورة. لا يلتقي النقد والعلاقات العامة. قليلون يسمون الأشياء بأسمائها، وهذا مضر بتطور الفن بالمغرب.

محمد بنعزيز  (23-10-2014)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



لطيف لحلو، حكيم السينما المغربية
البدايات الحقيقية للسينما المغربية، انطلقت خلال سنوات...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION