الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  كسر الخاطر    
حميد باسكيط، يقظة الحس و الإبداع

  عبد الإله الجوهري   

بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، و بالنظر للحركية الفكرية و الفنية التي عرفها المغرب آنذاك، خاصة على المستوى السينمائي، عرفت مملكتنا السعيدة، ميلاد العديد من الطاقات الفنية الإبداعية الشابة، في مجال المسرح و السينما و التلفزيون، لعل حميد باسكيط واحد من هؤلاء الشباب، بل أكثرهم موهبة وقوة و حضورا، الموهبة و القوة و الحضور تتجلى من خلال الأدوار العديدة التي أداها في أفلام مغربية عديدة، أساسا منها: فيلم "صلاة الغائب" لحميد بناني و " المقاوم المجهول" للعربي بناني، و"قصة وردة" لمجيد رشيش...، هذا قبل أن يتكرس حضوره القوي في التلفزيون، من خلال تنشيط وتقديم فقرات البرنامج الثقافي السينمائي الشهير "زوايا"، الذي كان يشرف على إخراجه المخرج سعيد تاشفين، ويعده المخرج إدريس اشويكة، لفائدة القناة الأولى، بدايات قوية واعدة لشاب كان يبدو آنذاك مختلفا في كل شيء، وسامة لافتة، و ذكاء متقد، و قدرة رهيبة على التأقلم مع عوالم الكبار، وحيوية غريبة عجيبة، في الحضور و المساهمة، و وضع القدم على سكة الحياة الناجحة، ومحاولة تكريس سينما مغربية صاعدة خلاقة، سينما استثمرت آنذاك في الوجوه الشابة الجديدة، والطاقات الإبداعية البديلة، تمثيلا و إخراجا، طاقات كان مبدعنا حميد باسكيط، محركا من محركاتها، و فاعلا قويا في ساحتها الخلاقة، و دافعا من دوافع تعلق المغاربة بنجومهم الجدد، نجوم أغلبهم من خريجي المعهد العالي للمسرح و التنشيط الثقافي، والاشتغال الواعي في الجمعيات الثقافية و الفرق المسرحية.
بعد سنوات من النجاح و تكريس الذات كنجم مطلق، قرر النجم المحبوب، الرحيل نحو ايطاليا، رحيل استنزف سنوات من عمره، و أجهز إلى حد ما على حضوره الوازن في الساحة الفنية المغربية، لكن الهدف كان أسمى، أي تعميق التجربة، و توسيع مجالات الدراسة، و شحذ المعارف، إلى جانب الاشتغال في السينما الإيطالية التلفزية و والسينمائية، واختراق العوالم السحرية لأستوديوهات شينيشيتا، ليؤكد هذا الفتى الذهبي للإبداع و الفن، أنه مستعد للتضحية بكل شيء من أجل غد أفضل.
انقطاعه عن الساحة الفنية المغربية، كادت، إلى حد ما، أن تنسي الجمهور المغربي الواسع في ملامحه و ملامح عطاءاته المتعددة، خاصة مع قدوم وجوه فنية مغربية أخرى، وجوه نشيطة حيوية، و احتلالها للمشهد الفني المغربي، لكن عودة حميد، بعد حوالي عشر سنوات من الغياب، أعاده للواجهة بسرعة، لكن هذه المرة، ليس ممثلا فقط، و لكن مخرجا ومنتجا، مخرج لفيلم روائي قصير تحت عنوان "آخر صرخة"، الذي أعتبره و يعتبره الكثير من النقاد، أحد أهم الأفلام الروائية المغربية القصيرة خلال العقود الأخيرة، فيلم صنع بحساسية رهيفة، و رؤية فنية منغرسة في واقع مجتمعي لا يرحم، مجتمع المهمشين و الناس البسطاء السذج الطيبين، ومما زاد الفيلم قوة، الأداء المبهر للفنانة سعيدة باعدي، أداء و حضور مختلف لهذه المبدعة الاستثنائية، جعلتها تدخل عالم حميد باسكيط من بابه الواسع، عالم الفن، وبعد ذلك ساحة الحياة الفسيحة، لتصبح ممثلته الأثيرة و زوجته الحبيبة المحبوبة، ويشكلان معا زوجا فنيا مختلفا، فيما حققا من منجزات فيلمية و مسرحية ، و إنجاب طفلتين توأم، كعنوان للمصادفات الحياتية والفنية الجميلة الخلاقة ..
الدراما التلفزية هي الأخرى لم يبخل عليها حميد باسكيط بإبداعاته، حيث حقق أحد أهم الأفلام التلفزية المغربية بعنوان "فطومة"، من بطولة ألمع نجوم الشاشة المغربية، فإلى جانب سعيدة باعدي، كان الراحل محمد مجد حاضرا فيه بقوة أدائه و بهاء طلعته، و الفنان طارق البخاري موقعا على أول دور كبير في مشواره الإبداعي..، فكان الذي كان، تجربة مخطوطة بكل فخر و اعتزاز، في سجل التلفزيون المغربي وأفلامه الدرامية المتعددة.
الإنتاج السينمائي و التلفزي، دخله حميد من بابه الواسع، بداية من خلال تجاربه مع الإيطاليين، و تاليا مع أفلام مغربية مختلفة، من بينها تعاونه الإنتاجي الناجح مع المخرج مراد الخوضي. لكن ما يهمني أكثر في هذا المقام، تجربتي الخاصة معه، حيث أنتج لي فيلمين وثائقيين، وهما: "الراقصة"، الذي أعتبره محطة أساس في مساري الإبداعي، وفيلم "رجاء بنت الملاح" الذي حققنا به نجاحا منقطع النظير، من خلال حصوله على تنويهات النقاد و إعجاب الجمهور الواسع، واحتفاء المهرجانات بمنحه العديد من الجوائز.
خلال مخاض التجربتين و تحقيقهما، لم يشتغل حميد بمنطق المنتج صاحب "الشكارة"، المنتج الذي يملي التعاليم ويصادر الحق في الخلق كما يجب، بل اشتغل كمبدع يقدر الإبداع، و يمنح كامل الحرية للمخرج في صنع ما يريد قوله ويحس به، فكان أن حققت ما أردت دون عنت، أو استحضار هواجس الربح و الخسارة، بل استحضار منطق الإبداع، وصنع ما أريد تحت مظلة واقية، مظلة صديق منتج مبدع.
ما حققه حميد في عوالم التنشيط و التمثيل و الإنتاج والإخراج التلفزي و السينمائي، لا يساوي شيء، إذا ما قارناه بما قدمه للشباب المغربي بمدينة الدارالبيضاء، خاصة منهم أبناء الأحياء الهامشية، بحي سيدي مومن، من خلال إنشاء مدرسة سينمائية رفيعة لتدريس الفن السابع، تدريس بالمجان و تحت إشراف عشرات المخرجين و التقنيين والباحثين، فكان أن تخرج منها العديد من الطاقات التي تشتغل اليوم بالساحة الفنية المغربية، طاقات كانت ستتعزز أكثر بطاقات أخرى جديدة، لو كان أصحاب المسؤولية، قد إلتفتوا و دعموا هذه المبادرة الخلاقة، المبادرة التي حققها، تقريبا من ماله الخاص، أي على حساب رفاهيته ورفاهية عائلته، مع دعم إيطالي رمزي محدود، دعم كان يحصل عليه بكثير من العنت و الإلحاح و المصداقية التي تمتع بها لدى الجهات الإيطالية المانحة. حلم توقف مع كثرة العراقيل الإدارية و تهرب الجهات الوصية، من أجل دعم مشروع وطني جاد. مشروع كان و لاشك سيفيد بلدنا أكثر فأكثر في تغذية مسالكنا الإبداعية. لكن الرياح في البلدان المتخلفة، تجري بما لا تشتهيه الإرادات الطيبة والنوايا الصادقة الحسنة..
مؤخرا وقع حميد باسكيط، كسيناريست و منتج و مخرج، على فيلم روائي سينمائي طويل بعنوان "الفراشة"، سينزل قريبا للأسواق التجارية، فيلم يعد بالكثير، فنيا و تقنيا وجماليا، بالنظر لجدية التحضير، و مصداقية الرؤية الإبداعية، القائمة على هدف واحد، هدف خدمة المبنى والمعنى والتراكمات الجادة للسينما الوطنية.
للصديق الجاد الهادف حميد باسكيط، أرفع القبعة عاليا، وأنثر في طريقه الفني الإبداعي، زهور النوايا الطيبة، النوايا المؤسسة على الحب الصادق، و التقدير الخلاق الشاسع الواسع، و الاحترام القائم على الإعجاب بتجربة تنهل، دائما وأبدا، من نهر الحياة المتدفق، و غابات الأشجار الباسقة، التي تنبض بمعاني بالحياة.

عبد الإله الجوهري  (21-01-2018)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.



وداعا "ظل الأرض"
الأربعاء 2018/2/21، غادرنا إلى دار البقاء المخرج الصديق ال...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION