الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  كسر الخاطر    
هموم التصوير السينمائي بالمغرب

  عبد الإله الجوهري   

السينما المغربية أضحت تنتج خلال السنوات الأخيرة حوالي 25 فيلم روائي طويل، دون الحديث عن عشرات الأفلام الروائية القصيرة و الأفلام الوثائقية بمختلف أحجامها و تلاوينها الفنية، انتاج يجعل العديد من المنتجين المغاربة و معهم العشرات من المخرجين يواجهون واقعا مريرا و وقائع مشينة قاسية، لحظة الشروع في تحقيق مشروع سينمائي و اللجوء إلى التصوير في الأماكن الخاصة و الفضاءات العمومية، أماكن و فضاءات لم يعد بالإمكان الحصول عليها بيسر أو التصوير فيها دون مشاكل تذكر، فأصحاب الأماكن الخاصة، و من خلال الدعايات المغرضة ضد السينما المغربية التي تعج بها المواقع الصفراء و البرامج الشعبوية الكالحة، أصبحوا يتهيبون في التعامل مع صناع السينما أو السماح للسينمائيين عامة باستغلالها، و في حالة الموافقة والسماح، فإن بعضهم يطلب تعويضات مادية خيالية، معتقدين، بل مقتنعين، أن المنتجين المغاربة جميعهم أغنياء و يتوفرون على الأموال الطائلة و لا يفرقون بين مشروع وطني و آخر دولي، هذا لا يعني براءة السينمائي المغربي و انعدام دوره في ما وصلنا إليه من واقع معاش حيث المكابدة و المعاناة، فتصرفات بعض صناع السينما المغاربة، تجعلك تكره الفن و الفنانين، فمنهم من يترك الأماكن الممنوحة لهم في حالة يرثى لها بعد الانتهاء من التصوير حيث الأوساخ و التمزيق و التكسير لأثاث و اكسسوارات الأمكنة، الشيء الذي يجعل أصحاب هذه الأماكن يرفضون في مستقبل الأيام معاودة التجرية مع كل السينمائيين دون تمييز، بل منهم من يواجهك بالسب و الشتم، و اعتبار من يشتغل بالسينما مجرد لص و شمكار و قليل الحياء..
أما واقع الفضاءات العامة، فالواقع جد كارثي لإعتبارات متعددة، أولها الفوضى التي أصبحت تسيطر على شوارعنا و ساحاتنا العمومية، مع تراخي قبضة الأمن و شعور المواطن، بشكل من الاشكال، أنه فوق القانون، حيث بإمكان أي مار أن يطالبك بتعويض أو الإصرار على أن تجد له شغلا أو دورا، و إلا خلق الضجيج و الفوضى. الإستنجاد برجال الأمن في هذه الحالة لم يعد يجدي نفعا، و لا يقدم أو يؤخر، فالمغربي لم يعد يعني له شيئا رجل الأمن، بل ممكن أن يهاجمه و يشتمه دون أن يجد رد فعل، لأن الدولة أصبحت منذ مدة تطلب منهم عدم الدخول في مماحكات و مشاحنات مع المواطنين، تجنبا لما لا تحمد عقباه من أحداث، خاصة مع ما يعرفه المغرب من حركات احتجاجية و هبات اجتماعية قادرة على حرق اليابس و الأخضر..
الخلاصات التي قدمتها أعلاه، لا تعني أنني أتكلم عن جهل أو فراغ، بل أتحدث عن تجارب مريرة عشتها، و عاشها من اشتغل معي، تجارب مع أغلب مواطنينا الكرماء الذين صادفتهم و أنا أصور فيلمي " ولولة الروح" و "هلا مدريد فيسكا بارصا "، مواطنون لا يعي أغلبهم دور الفن و السينما، و لا حرمة و قدسية العمل الابداعي، كل ذلك نتيجة سياسات التجهيل التي تعرض لها المواطن من خلال تعليم متخلف و تربية تفتقر لأدنى مقومات التحضر و التمسك بالأخلاق، إضافة لما يواجهه هؤلاء المواطنون، من بطالة قاتلة و قلة فرص شغل مقرونة بلا مبالاة الدولة، لا مبالاة تجعلهم متهافتون و لا مسؤولون، بل و عدوانيون في التعامل مع فرق التصوير مغاربة كانوا أم أجانب..
حينما كنت أعد العدة لتصوير " ولولة الروح " مثلا، وجدنا كل الأبواب مغلقة، رسمية كانت أو خصوصية، أماكن و فضاءات أضحت محرمة على الكاميرات، حيث يواجهك المسؤول بردود غبية و مواقف مضحكة، فالمكتب الشريف للفوسفاط مثلا، لم نجد منه إلا العنت، على الرغم من أنه كان في السابق، من بين المؤسسات الأكثر دعما للسينما المغربية و تشجيعا لها، لكن اليوم لابد لك من معبر آمن نحو المسؤولين الكبار، أساسا منهم السيد المدير العام، إذا كنت تريد قضاء حاجة فنية و الحصول على تعاون مشجع، علما اننا لم نطلب منهم سوى نادي الرماية الموجود بمدينة خريبكة للتصوير، اي أننا لم نطلب دعما ماديا، ورغم تدخلات السيد عامل الإقليم، فإن اصحاب القرار ظلوا متخلفين عن الإستجابة، نفس الشيء تكرر مع إدارات و مؤسسات مختلفة. كما أن ساكنة المناطق الخريبكية، ونظرا لإحساسهم بالحكرة، نتيجة عدم استفادتهم من خيرات مدينتهم و اقصائهم من فرص الشغل بمناجم الإقليم، واجهونا بكثير من ردود الفعل المؤسفة، ردود كانت تؤثر على عمليات التصوير، و مع ذلك لا يسعني إلا أن أجد لهم العذر و اتفهم ردود أفعالهم و غضبهم..
أما عمليات تصوير " هلا مدريد فيسكا بارصا " فالواقع كان أكثر مرارة و احباطا، خاصة مع شريحة واسعة من ساكنة بلدة تمصلوحت، بالرغم من اننا صورنا كل أحداث الشريط بفضاءات هذه البلدة التاريخية المنذورة للنسيان، و ساهمنا في تشغيل العشرات من شبابها، فالشريط استعان بأكثر من 200 كومبارس و العديد من الأشخاص الذين تم تشغيلهم في تخصصات مختلفة، هذا دون الحديث عن كراء الدور و المقاهي و تنشيط بعض فروع التجارة لمدة محترمة..
رغم كل ذلك، لم نستطع التصوير في هدوء و الانتهاء دون مشاكل، مع ما كان يحدثه المارة و بعض الشباب العاطل الجاهل من صراخ و هجوم على فريق التصوير و اقتحام البلاطو دون وجه حق من طرف سكارى و مقرقبين، بل الأدهى أن بعضهم كان يطالب بالشغل و عندما تستجيب لطلبه و تشغله، يبدأ بالإحتجاج و الصراخ و خلق أجواء التوتر كي يتوقف التصوير و يحصل على التعويض دون إتمام العمل، ورغم تدخلات بعض الأشخاص من ساكنة البلدة ( هنا اشكر عائلة الشريف مولاي الحسن و الفنان العادلي) و رجال الدرك و تعاونهم معنا، فإن الامور لم تتحسن البتة، وبدا انهم لا يسيطرون على الموقف و وجودهم كعدمه، بل منهم من تعرض للهجوم و السب و الشتم أمامنا بكل وقاحة دون احترام للزي أو القيمة و السن..
لقد أخبرت من طرف العديد من ساكنة البلدة، خاصة المتعاونون الواعون بأهمية مجيء مشروع فيلم لبلدتهم، أن تمصلوحت تحولت لفضاء مفتوح على كل الموبقات، و أن المشاريع الفيلمية التي مرت من هنا، تعرضت لأكثر مما تعرضنا له من مضايقات، خاصة منها المشاريع الأجنبية، لهذا نصحوني مستقبلا بعدم العودة لهناك، تصوروا معي أبناء بلدة ينصحونك بعدم العودة، لأنهم يعلمون جيدا صعوبة المكان و قبح جزء كبير من السكان..
لقد أنهينا التصوير و عدنا سالمين غانمين، لكن النفس ظلت مجروحة و هي تعيش واقعا مزريا لبعض مناطقنا كمنطقة تمصلوحت، واقع حولها لغيتوهات خارج الزمن المغربي الحديث، و بعيدة عن معاني التحضر و التفاهم و التواصل. مما يعني أن وطني على شفا حفرة الفوضى و السيبة المطلقة، إذا لم يتم تدارك الأمر قبل فوات الآوان.
كلامي أعلاه، لا يعني أنني أحمل المسؤولية كاملة للمواطن وحده، بل و كما قلت سابقا، أحملها للدولة المغربية، التي نفضت أياديها البيضاء عن الكثير من مناطقنا الوطنية، مثلما أحملها لبعض الكتبة الجهلة و نقاد الضرب من تحت الحزام، الذين يروجون بشكل مطلق، أن الساحة السينمائية المغربية مجرد مرتع للأموال السائبة و لصوص المال العام و لاوجود للشرفاء و الموهوبين، و أحملها أيضا لبعض المنتجين و المخرجين المندسين وسط جوقة الفنانين، منتجون و مخرجون لم يتركوا، حيثما حلوا أو ارتحلوا، إلا النار و الرماد و السمعة السيئة، سمعة لم يتم مواجهتها بحزم من طرف المؤسسة الوصية، بل أن بعضهم أعيد دعم مشاريعه و منحه أموال لا يستحقها، ليكرر جرائمه و يكرس سمعته السيئة، بالنظر لما ارتكبه من جرائم و سخة و سرقة للعاملين من تقنيين و كومبارس وأصحاب الفنادق و السيارات و المحلات، و ما خلف من مآسي فنية بأفلام معاقة تراهن على الخواء الفكري و الفني ( سنعود للأمر بالتفصيل من خلال ذكر الافلام و الأسماء و الوقائع، دون وجل أو خوف، و اللي ليها ليها ، ما دمنا في سياق محاربة الفساد، و مواجهة أنصاف المنتجين و الموهوبين و المندسين..)
صعب أن تكون مغربيا شريفا و فنانا يحب فنه، في زمن الوهم الإبداعي و النقدي و النكسة الإجتماعية و الأخلاقية التي تمر بها بلادنا، و مع ذلك افتخر أنني مغربي ينتمي للعائلة السينمائية المغربية بكل عاهاتها و مشاكلها المترامية المتراكمة..

عبد الإله الجوهري  (31-07-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.



حميد باسكيط، يقظة الحس و الإبداع
بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، و بالنظر للحركي...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION