الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  السينما العالمية    
السينما الإيطالية الحديثة، بين الأزمة ومحاولات النهوض

  لقطة من فيلم «الجمال العظيم»   

عرفت السينما الإيطالية ابتداء من منتصف السبعينيات وطيلة الثمانينيات من القرن الماضي مايشبه السكتة القلبية، فباستثناء بضع أفلام لكبار المخرجين أمثال فليني وإيطوري سكولا وسيرجيو ليوني وبيرتولوتشي، لم يعد هناك سوى اليَباَب الذي خلَّفته الأزمة الخانقة، والمتمثل في  أفلام كوميدية مبتذلة، سايرت الذوق المتدنِّي الذي فرضته القنوات التلفزية الخاصة.


فمن بين الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة خصخصة  التلفزيون  أواسط السبعينيات، إذ أصبحت القنوات الخاصة منافسا كبيرا للقاعات السينمائية التي بدأت في الإغلاق، بحيث أضحت تُنتج وتعرض المئات من الأفلام التلفزية ذات التوجه الشعبوي والإنتاج رخيص الكلفة. إضافة لرحيل أسماء صنعت مجد السينما الإيطالية كديسيكا  وبازوليني  وروسيليني، وفيسكونتي، وعدم ظهور مخرجين جدد متميزين باستثناء ناني موريتي الذي كان في بداياته. مع العلم  أن الدولة الإيطالية لم يكن من بين خياراتها مساندة السينما ودعمها كما هو الحال على سبيل المثال في فرنسا، لأنها كانت سينما مشاغبة وتَحضُر فيها السياسة والنقد الاجتماعي بقوة، وكان في صالح الحكومات المتعاقبة العمل على تشذيبها وانحسارها.  


التسعينيات.. صحوة  مُحتشمة


شهدت التسعينيات صحوة ملحوظة - مقارنة بما كان عليه الحال في العقد المنصرم - رغم أنها  لم تَعُد بالسينما الإيطالية إلى سابق عهدها إلا أن حالها ظل مستقرا، لا من حيث عدد الأفلام المنتجة، ولا من حيث الأسماء الجديدة التي ظهرت على الساحة، إضافة لتلك التي كانت  مازالت تشتغل من جيل الوسط بعد صمت ووفاة أغلب الرواد. إذ أن عدد الأفلام المُنتجة خلال هذا العقد ظل مستقرا بمعدل مائة فيلم في السنة باستثناء سنة  1995، التي كانت سنة  عجفاء بحيث نزل عدد الأفلام المنتجة خلالها إلى 75 فيلما، بعد أن كان معدل الإنتاج لا يَقِلُّ قبل سنة 1976 عن المائتي فيلم في أسوء الأحوال.


مع بداية هذا العقد سيعرف فيلم «سينما باراديسو» للمخرج الشاب آنذاك جوزيبي تورناتوري نجاحا مُدوِّيا، بحصوله على أوسكار أفضل فيلم أجنبي سنة 1990، وجائزة لجنة التحكيم بمهرجان «كان» قبل ذلك، إضافة لجوائز أخرى. وللمصادفة فقد كان  عبارة عن تكريم للسينما الإيطالية في عصرها الذهبي، ليشكل  في نفس الآن فأل خير ورابطا بين ماضيها التليد وحاضر طامح لتجاوز الأزمة...


فيما سيحصل غابرييل سالفاطوريس على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن فيلمه «ميديتيرانيو» سنة 1992. وفي نفس السنة سينال جياني أميليو جائزة لجنة التحكيم  في مهرجان «كان» عن فيلمه «الطفولة المسروقة»، ثم جائزة أحسن إخراج بمهرجان البندقية السينمائي عن فيلمه «لاميريكا» سنة 1994، ليتوج أخيرا بالأسد الذهبي  بمهرجان البندقية عن فيلمه «أخي» سنة 1998.


أما روبيرتو بينيني فسيحصل على أوسكار أفضل ممثل وأفضل فيلم أجنبي سنة 1997، إضافة لجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» وعدة جوائز أخرى عن فيلمه «الحياة جميلة».


دون نسيان مسار مخرجة متميزة بين الرجال هي فرانشيسكا أرشي بوجي، التي انطلقت في إخراج أفلامها منذ الثمانينيات لتؤكد حضورها خلال التسعينيات، خصوصا بتيمات تتناول قضايا الأسرة ومشاكل المراهقين وهمومهم.


ثم كارلو مازاكوراتي المتوفى السنة الماضية عن سن لاتتجاوز السابعة والخمسين، والفائز سنة 1994 بالأسد الفضي بمهرجان البندقية السينمائي عن فيلمه «إيل طورو».


ومن جيل الستينيات عاد اسمان بقوة خلال التسعينيات هما برناردو بيرتلوتشي وماركو بيلوتشيو. إذ  سيُنجز هذا الأخير فيلمه «حول الرغبة» سنة 1991، وسينال عنه جائزة لجنة التحكيم في مهرجان برلين السينمائي، ثم يتلوه بفيلمين مميزين هما «حلم الفراشات» سنة 1994 و«أمير همبورغ» سنة 1997.


أما بيرتولوتشي فسيُنجز خلال العقد الأخير من الألفية الأولى أفلاما بأسلوبه الخاص والمتميز، ستُذَكِّرنا بتيماته الذاتية التي كان قد ابتعد عنها قليلا، إذ سيُخرج ابتداء من سنة 1990 فيلمه «شاي في الصحراء» المقتبس عن رواية للكاتب الأمريكي بول بوولز، ليتلوه بعدة أفلام أهمها «الجمال المسروق».


الألفية الثانية.. الخروج من عنق الزجاجة


مع بدايات الألفية الثانية ستظهر أسماء جديدة ستُغني الساحة السينمائية الإيطالية، وستضخُّ دما جديدا فيها، من بين هؤلاء: باولو سورانتينو الذي سيفرض نفسه بالتدريج من خلال حضور أفلامه المُستمر في المواعيد السينمائية الدولية المهمة، خصوصا بمهرجان «كان»، الذي سينال به عن فيلمه «إيل ديفو» جائزة لجنة التحكيم سنة 2008، ليحصل فيلمه «الجمال العظيم» بعد ذلك على اعتراف نقدي وعلى عدة جوائز من بينها أوسكار أفضل فيلم أجنبي.


وسينجز ماتييو غاروني فيلميه «غومورا»  سنة 2008، ثم «واقع» سنة 2012، واللذان سينالان على التوالي الجائزة الكبرى للجنة التحكيم بمهرجان «كان». فيما سيستمر ناني موريتي في إخراج أفلام متميزة وفي تمثيل السينما الإيطالية عالميا بشكل مشرف.


بفضل هؤلاء المخرجين وغيرهم عادت السينما الإيطالية  للمنافسة في السوق الأوروبية بنسب جد مهمة، حتى للسينما الأمريكية، رغم أنها لم تعُد بعد لمنافستها عالميا كما كان الأمر في الماضي. 


برلوسكوني عدو السينما الأول


كان سيلفيو برلوسكوني صاحب القنوات التلفزية الخاصة التي ساهمت في الأزمة الخانقة التي عرفتها السينما الإيطالية، ودأبت على تعميقها وعدم تمكينها من تجاوزها. وحينما أصبح  رئيسا للوزراء لثلاث دورات (1994 إلى 1995،  2001 إلى 2006، و2008 إلى 2011) أضحى العدو اللذوذ لهذه السينما. ففي سنة 2010 سيصرح وزير الاقتصاد في حكومته، وهو يعني السينما بالتحديد أنه «في فترة تُشدُّ فيها الأحزمة على البطون، لن يأكل الناس حتما الثقافة ولا الفن».


وأمام محاولات قتل الصناعة السينمائية، التي كانت تنتهجها حكومات برلوسكوني في الألفية الثانية،  من خلال  إجراءاتها الصارمة بخصوص النقص من السلفات و«الدعم»  الضئيل أصلا، قام مهنيو السينما بانتفاضات وهددوا بأخرى. حتى أن الحرب المُعلنة بينهم وبين برلوسكوني وصلت إلى درجة أن أفلاما صُنعت ضده، أهمها الفيلم الوثائقي «دراكيلا» للمخرجة صابرينا غوتزاتي، والذي تسبب  في أزمة حين عرضه بمهرجان «كان» سنة 2010، ثم فيلم «الكايمان» قبله سنة 2006، للعدو اللدود لبرلوسكوني ناني موريتي.


سينما تنهض من رمادها


على العموم فقد تم الإعلان عن موت السينما الإيطالية كثيرا، وفي كل مرة كانت تنهض من رمادها كطائر الفينق الأسطوري. قيل أنها ماتت أواسط سبعينيات القرن الماضي لتدُبَّ فيها الحياة بالتدريج، ثم تمت محاولة دفنها بعد ذلك مع موت المايسترو فريديريكو فلليني سنة 1993، وكأنه كان آخر رمق فيها مازال ينبض بالحياة، ولكنها ظلت تحيى من بعده. ومازالت نفس المقولة تتردد بين الفينة والأخرى، ومعها السينما الإيطالية تتجدد وتُبدِّل جلدها وتحيى.


رغم كل مايُقال عن تراجع السينما الإيطالية، فإن المُطَّلع على مجرياتها حديثا سيجد فيها تُحفا سينمائية تُضاهي ما أنجزه الجيل الأول. لكن يبدو أن لعنة المقارنة بهؤلاء العمالقة الذين أنجبتهم السينما الإيطالية في عصورها الذهبية ستظل تطارد الأجيال اللاحقة وتحجب عن الكثير منهم آفاق الانتشار والشهرة والاعتراف العالمي، لمجرد أنهم ينتمون لبلد فليني وروسيليني وديسيكا وأنطونيوني وبيرتولوتشي وسيرجيو ليوني... وغيرهم.

عبد الكريم واكريم  (16-05-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



أحمد سجلماسي المؤرخ السينمائي.
من أجل البحث في تاريخ السينما المغربية، و تاريخ الأفلا...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION