الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  نقد    
«إطار الليل»: في مديح الصورة

لعل السمة الأساسية التي تميز فيلم «إطار الليل» الذي يعرض حالياً في قاعات المغرب أنه مثير للقراءة، كانعكاس طبيعي ومفكر فيها في ذات الوقت لطموح صاحبته المؤلفة السينمائية، وليس المخرجة فقط. المغربية العراقية اﻷصول، البريطانية البلد والتي درست السينما في الجامعات اﻷميركية وكانت قد كرست واحداً من أول أفلامها لمؤلف سينمائي كبير هو المخرج والشاعر الفضائحي اﻹيطالي باولو بازوليني. كل هذا الزخم مجتمعاً لدى امرأة تمارس الإبداع الصوري سينمائياً كان ﻻ بد أن يتجلى يوماً ما. وها بعض منه نراه في شريط «إطار الليل» الحائز على الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة هذه السنة.


تخيّر الشخوص واﻷمكنة


تخيرت طاﻻ حديد حكاية بشخوص عدة، لكل واحدة بورتريه خاص اعتنت بصورته الحركية من جانب لمحاته عند الفعل. بدءاً من الشخصية الرئيسية -الطفلة عائشة- وصولاً إلى الشخصية الهامة الأخرى للكاتب زكرياء المثالي الحالم. هي استقتها من الطبقة الاجتماعية السفلى «الرثة»، وهو جذبته من طبقة النخبة «المثقفة». وبينهما شخصية رئيسية ثالثة هي جوديث الفرنسية عشيقة الكاتب استقتها من الغرب كرديف للآخر المختلف ثقافة، لكن المستعد بحكم تربيته للمشاركة عند توافر الشرط الإنساني الموافق لرغبة ذاتية. ثلاثي سيُمسَك من زوايا عدة وعبر مواقف تحار بين الوضوح والغموض، بين الكشف العلني عن أصولها ورغباتها ونزعات الهروب والتخفي. في الاختيار نية واضحة كي تحكي المخرجة قصة بصريّة تحترم مرتكزات السينما بوضع عناصر في طريق ما في عملية شد أولي سيستمر من دون أن يصل إلى مآل مألوف. لكن بنيّة إرادة واعية هدفها أن تُعرّف بخلفيات تحرك هؤلاء الأبطال في جغرافية أمكنة مختلفة ولا تتشابه إطلاقاً، بما أنها تنتمي إلى دول مختلفة هي المغرب وتركيا وكردستان العراق. ويمكن تصور ما لكل منها من خصائص حالية ينتظر كل مُشاهد كيف ستتعامل إزاءها المخرجة. وذاك ما نتابعه بألق وشغف جميلين حين تلتقي العين بسلاسة إبداع تشكيلي متحرك نادر عربياً، تعوم في ثناياه خطية السرد من فوق.


المعنى هنا في الشكل أولاً، وليس فيما يتموج داخله مع وجود ميل مرة ينحاز للقصة ومرة للغلاف الذي يضمها. طالا حديد عاشت لا شك في سيرورة الفيلم لحظة بلحظة التمزقَ الذي يعيشه كل مبدع سينمائي مسكون بالشعر حيال «تفاهة» الصورة الكسول التي تنقل فقط ولا تبوح ولا توحي. لكن السينما شئنا أم أبينا متعة قصة متوازنة تتسم بقواعد تشويق بغرض التعبير عن الإنسان في آونة وجود متخيلة انطلاقاً من الواقع. وذاك ما حاولته المخرجة بقدر من النجاح محترم لكن ليس كاملاً.


نتف حكايات... صور حكايات


الطفلة عائشة علامة على الإنسان وهو يصارع من أجل الحياة فقط، بالبقاء فيها جسداً بلا ندوب ولا إكراهات مفروضة قسراً من الخارج. وهذا الأخير عنوانه الرئيسي فعل اختطاف تعرضت له البطلة الطفلة، عملية نخاسة في زمن حداثي. تقودها أقدار المنشأ الأول بمنطق قاس وواقعي نحو مخالطة الشر وأصحابه، وهكذا تجد في الطريق عباس تاجر المخدرات ومهربها من شمال المغرب الذي لن يكون رحيماً بحكم مهنته/ مهمته كما يرسمها الواقع وكما ترسمها السينما في نوعها الحركي لكن صورة فقط، لأن المخرجة لا تقصد حكياً كلاسيكياً متسلسلاً عادياً. في محاولته لبيعها لأوروبي يقع عباس في مشكلة سفر، ويلتقي بالنائب زكرياء وجوديث اللذين يقلانهما في السيارة. اللقاء يوصلهما إلى التعرف إلى مأساة عائشة. الشيء الذي يدفعهما ليختطفاها لإبعادها عن «الشرير». هذا الفعل هو ذريعة كذلك، لكن لبذل بعض ما يخفياه من أسرار باطنية تُنثر بتقتير كبير. ويبدو الحدثان، اللقاء والابتعاد معطيين عاديين وسهلين في سيناريو فيلم، لكن ما يشفع للمخرجة أنها وظفتهما كي تنقذ تقدم الشريط. كباقي الأحداث التي نتابع والتي تظهر مجرد علامات على رغم قوة بعضها وجدتها. لكن الغالب هو كونهما لا يحملان جديداً من جهة التخييل. وهو أمر مُرَاد لذاته. فالمخرجة تخترق هذه الوقائع/ العلامات بالوقوف عندها واستغلالها جبهياً للتركيز على ما يعتمل في الوجوه وما تقوم به الأطراف وما يربط الأجساد بمكونات كل لقطة في إطار مختار بدقة، في نزوع لتبيان التأمل الداخلي للشخصيات المنعكس بهكذا وسيلة. مَسْرَحَة تشكيلية للإطار السينمائي كما أسسه التعبيريون والتجريبيون مع قياس فارق الزمن والمنطق، ذات عقد في أوروبا. ويتجلى بعض تطبيقات في هذا الشريط من الجانب الفني الخالص بمساهمة مدير التصوير الروسي الذي له حاسة إبداعية متقدة نحو جمالية مراودة الإنسان والأشياء بعين الكاميرا التي تتحد وعينيه.


لماذا تقوم بذلك؟ لأن موضوع الفيلم هو، بكل بساطة تحليلية، التعبير عن التيه ومرادفه كما نتيجته المنطقية المتمثلة في الضياع. التيه باطني والضياع خارجي. اﻷول يتبدى في عيون الشخصيات الثلاث التي يجزئها في الغالب اللافهم والشده العفوي حد السذاجة كما نرى في اللقطات المكبرة، والتبطيء في اتخاذ الردود أو الاستجابة الذي يأخذ وقتاً كما في لحظة تخليص عائشة من الحضيض، ومن التيه الذي يغل حياتها الغضة الذاهبة نحو الضياع في مجاهل الجريمة وروائح الدعارة والاسترقاق. أما زكرياء فتائه نتيجة وخز ضمير تجاه أخيه المفقود الذي آل على نفسه أن يبحث عنه، بعد أن غيبه الإرهاب في براري الشرق الأوسط المشتعلة، فيأخذنا في الرحلة ونضيع وإياه في الدار البيضاء وفي تركيا وفي كردستان العراق، في أغوار الحرب والدم والدمار عبر صور المدن المخربة والجثث الملفوفة في اﻷكياس في مسلخ معطل مثلاً. وجوديث تتيه بعد فقدان طفل لها تكشف عنه الحجرة التي لا حياة بها والمليئة بالدمى، فتضيع في جغرافية مغربية بحثاً عن سكينة ما في الحب الحسي وفي العيش وسط لغة وثقافة أخرى.


وطبعاً قوة الكارثة وصور العنف المستشعر تخلخل العين المشاهدة. الرسالة الفيلمية تُسفر عن حجم الجرم الذي يرتكبه الإنسان في حق الإنسان، عربياً هنا. الضياع الذي يحرك كل واحد ﻹيجاد معنى. تمنحنا المخرجة كل هذا صوراً وتلميحاً من دون تركيز على تسلسل بربط نتائج بأسباب إلا بقدر ما. هو حكي بالمفردات واللغة البصرية وليس بالفقرات الكاملة المكتملة. هي سينما الإيحاء لا التقرير والمباشرة. ﻻ يهم أن تكون محبذة أم ﻻ. ما يهم هو أن تحقق المتعة في شكل يبدو لها غير معهود. هي سينما المؤلف الذي يروم التعبير والمشاركة. لكننا قد لا نتفق مع هذا التصوّر للدور السينمائي في محيطنا العربي المتسم بانحسار الفن والسينما وراء هذا الدمار الواقعي الذي يزلزل قناعتنا سياسياً وثقافياً كل يوم ويورث الرجة العميقة في كل حين، تصوّر يعلي من شأن الفن على حساب الخطاب السينمائي المباشر المؤسس على حكاية كاملة مؤثرة بأحداث خالصة ومترابطة حول «حدوتة». لكن طالا حديد اختارت الحديث عن هذا الواقع بالشكل الذي يؤثر فنياً وليس عاطفياً.

مبارك حسني  (09-05-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



لطيف لحلو، حكيم السينما المغربية
البدايات الحقيقية للسينما المغربية، انطلقت خلال سنوات...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION