الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  نقد    
وودي آلن «غير عقلاني» حينما يُحشر بين الجنس والجريمة

مرّةً كلّ عام، يصطحبنا وودي آلن الى جولة جديدة داخل مخيلته. والجديد عنده لا ينقطع تماماً عن القديم. وفي الوقت عينه لا يرتبط به كلياً. من هذين الذهاب والاياب بين ما هو مستجد وما سبق أن لاكه لسان المعلم النيويوركي في عشرات الأفلام، يتولّد منتوجاً بصرياً غالباً ما يكون مسلياً، فاتحاً للشهية ويضمن الحدّ الأدنى من الغبطة السينمائية. مهما انقضّت السوداوية عليه، يبقى آلن منفتحاً على الآمل ومطمئناً لمصير الجنس البشري.


«رجل غير عقلاني» المعروض في مهرجان كانّ الأخير (خارج المسابقة بناءً على رغبة آلن في عدم المنافسة)، مثالٌ آخر على حرفة آلن وصنعته. المخرج الذي بات على عتبة الثمانين يحملنا الى مغامرة سينمائية برفقة قامة تمثيلية كبيرة تهم في الصعود الى قافلته. انه يواكين فينيكس كما لم نره من قبل: مهمومٌ ينبعث من اللامكان. آلن كان دائماً في حاجة الى مَن ينطق بإسمه قبالة الكاميرا، أن ينقل بعضاً من وسواسه ويقول ما كان عصياً عليه أن يقولها بنفسه، أي بتلك الطريقة المتعلثمة في البوح ومقارعة الحجج.


ما يقترحه مخرج «آني هول» هنا كوميديا تذوب في قِدر الشرط الانساني. يموضع الحوادث في احدى المناطق الأميركية حيث لا يحصل الكثير. يستعين النصّ بشخصيات غرائبية، معجونة بعبثية آلنية بالغة، نراها تعبر الشاشة ببعض الخفة وتدلو بدلوها في شؤون الحياة والفلسفة. في مقدمها استاذ فلسفة (فينيكس)، نموذج للشخص المصاب بكآبة الضواحي، مفلس فكرياً، على حافة الهاوية عاطفياً، الخ. من حين الى آخر، يرمي أمام الطلبة بضع نظريات مستعجلة غير مترابطة. بيد ان الاستاذ العجائبي هذا لن يبقى حبيساً لجدران الجامعة حيث يحلو له التذكير بين حينٍ وحين أن «الجحيم هي الآخرين»، بل سيصبح بطلاً وهمياً لبدعة تزجه في معضلة أخلاقية.


ففي إحدى المرات، لدى تناوله الطعام برفقة تلميذته (ايما ستون) التي سرعان ما تتحول الى عشيقة، ينصت عن طريق الصدفة الى شكوى أمّ خلال تجمع عائلي. تشتكي الأم المنهارة ان ثمة قاضي أصدر في حقها حكماً جائراً يقتضي بموجبه انتزاعها حضانة ولدها. انطلاقاً من تلك اللحظة، سيتبدل كلّ شيء في حياة صديقنا المخبول، فيقرر العبور من النظري الى التطبيقي.


«رجل غير عقلاني» عودة وودي آلن الى سينما الجريمة التي بلغت ذروتها مع «ماتش بوينت» (2005). والجريمة دائماً لها وقعٌ أشد تأثيراً عنده، ذلك ان سينيكية آلن الذي يسخر من نفسه والآخرين، لا تكتمل الا عندما تبلغ مراحلها الأخيرة: إلغاء الجسد أو تصفيته. انه المقابل المادي / الوحشي لكلّ ما صنع أفكاره، لكلّ تلك الدعابات الطفيفة التي تُطلق كسهام ولا يقع جراءها أي ضحيّة. اذا كان هيتشكوك صوّر الجريمة كممارسة حبّ وممارسة الحبّ كجريمة (وفق التعبير الشهير لتروفو)، فآلن يصوّرها لحظة إنفصال عن العقل، نبلغ معها نقطة اللاعودة. انه تجسيد لرؤية فلسفية تجرّ الشخوص الى حيث لا يتوقعه القدر.


آلن، الهيتشكوكي أكثر من أي وقت مضى في منتجه الجديد، يعزز ذلك الرابط بين الحاجة الى القتل والشهوة الجنسية. اذ لا شيء يروي كبت هذا الاستاذ، لا تلك المرأة الشبقية التي يحاول معها ويفشل ولا تلميذته اليافعة التي تتخلى عن رفيقها من أجله. هو يحتاج الى شيء آخر: الى تجربة يتلذّذ بتحقيقها، الى معضلة تطيح بالحياة الراكدة التي ينظّر فيها ولم يجرأ يوماً في الذهاب الى أقصاها. ولعل السؤال الذي يعود دائماً هو الذي يحرّك استاذنا: ما أبعد مدى نحن مستعدون أن نذهب فيه كي نحقّق العدالة ونبحث عن سعادتنا؟


الفيلم السنوي هذا خفيف الى درجة ما، يبدأ كسيتكوم لينتهي بدرس في عدم استخلاص الدروس، كون لا شيء يطاوعه المنطق. في الحقيقة، هذا واحد من أكثر أفلام آلن عصيّ على جعله عقلانياً. نحن إزاء كوميديا سوداء آلنية الى أبعد حدود، في كلّ تفاصيلها الحوارية والتمثيلية والانفعالية. أن يتحوّل مدرّس مصاب بأزمة وجودية ومدمن كحول وزير نساء، قاتلاً لسبب ندعكم تكتشفونه، فهذا كله يحتاج الى أكثر من سيناريو مصنوع من الفولاذ، بل يتطلب ألفة استثنائية بين المُشاهد والصانع، جعلتها ممكنة مجموعة أفلام، أبعدها زمنياً يُساند أحدثها.


سينما المؤلف ليست أقل أو أكثر من هذا. في بال المشاهد، تتزاحم كلّ الأفكار، ومع ذلك ينجح النصّ في استيعاب كلّ التناقضات ضمن سيرورة واحدة، مترابطة، مفتعلة، يعتمد أحياناً على الصدفة والحظ المتعثر. عند آلن، كلما كان العقل مكتفياً بذاته والفكر متبججاً، ازدادت المتعة العبثية وتكرس الجنون وتشرعت أبواب المخيلة وتعزز الميل الى الشر. يعرف آلن أكثر من أي مخرج آخر كيف يعالج هواجسه المرضية معتمداً على الميل الفطري للجمهور العريض الى الفضول.

هوفيك حبشيان  (04-05-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.



حميد باسكيط، يقظة الحس و الإبداع
بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، و بالنظر للحركي...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION