الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  السينما المغربية    
طفولة بيضاء بين رعشة الحب الأول... وجاذبية كارل ماركس
قراءة في فيلم «جوق العميين»


نسخ أبيات شعرية وقراءتها من طرف طفل وإهداؤها للجارة الصبية التي كانت أول من عزف لحن الحب في نياط القلب المراهق، ﻹرضائها. النفخ في النقط (العلامات) المحصل عليها في المدرسة لتزويرها إرضاء للوالد الطموح الحالم. تلكم حالتان بريئتان تُجملان عالم طفل، وقد تُعدان مجرد شقاوة طفولة تُنسى مع التقدم في السن. لكنّ هناك مثيلاً لهذا العالم الصغير يأخذ أشكاﻻً أخرى أكثر جدية لدى الكبار والراشدين، عنوانه النفاق الاجتماعي بهدف الوصول إلى السلم الذاتي والهناء وراحة البال، وهو ما سيراه الطفل بعينيه حواليه في العائلة وفي المجتمع الكبير. الشيء الذي يجعل للحالتين معنى ودلالة.


نحن أمام سينما تقف عند زاوية رؤية طفل بقامته الصغيرة التي تتشعبط كي تفهم، وكي تساير وتعيش مثل الآخرين بوسائلها الخاصة في عالمها السري والمفتوح في الوقت ذاته. نحن بعيدون عن عالم الطفولة الداكن الذي يسكن الذاكرة واﻷحلام المقلقة التي ألفنا صُورها إلى حد اﻹشباع في أفلام المخرج القصيرة وفيلمه الطويل «البراق»، وحيث تتجلى ممتدة علاقة طفل بوالده، هي العلاقة الحقيقية للمخرج بأبيه التي يبدو أنه لم يستنفد مخزونها من اﻷثر القوي والعميق. إذاً، بعد التوظيف السيكولوجي الاستبطاني المُضبب بالكثير من المسكوت عنه، نجدنا هنا أمام ما تمنحه العلاقة من حكايات تلاق وتفارق، من انبهار والتباس خارجي. نتتبع طفولة منظوراً إليها من الخارج، من المحيط القريب، عبر سينما تُخرج عدستها من ﻻ نهائي الذاكرة المخيف نحو ﻻ نهائي حياة اﻵخرين من ذوي القربى. وهؤﻻء أفراد عائلة غير عادية في مجتمع محافظ ومناور يدور حول نفسه وعاداته في حي شعبي صاخب وحي ذات زمن بعيد ينذر بكل الارتباكات.


الحكايات التي تتقاطع


اﻷب شيخ بأحد المعنيين لدى المغاربة، غير المعنى الآخر الذي هو «كبير القبيلة»، «الشيخ» هنا مغنّ شعبي وعازف على الكمان ضمن فرقة شيوخ وراقصات يحيون حفلات أعراس وختان وما شابه. ولأننا إزاء سينما، سيفرد الشريط لكل شخص قصته التي ستتقاطع مع قصص حياة الآخرين أمام عيني الطفل، على رغم أن كل ذلك يظهر متعالياً عليه في حقيقة الأمر، وسيسعى المخرج كي يوقف الكاميرا في حدود ضآلة «طفله» الجسدية، إنه المخرج الذي كان الطفل نفسه في مرحلة سبعينية غابرة. وما أصعب تفادي مطبات توظيف السيرة الذاتية، حين يتم هذا النزول كمسافة يجب قطعها، وليس النزول كغوص من دون مقاييس مضبوطة، وهو ما تعوّد المخرج إتقانه سابقاً. لكن القصد هنا هو الحكي من دون تأويل مواز خفي كما كان يفعل في سينما سابقة له. هي في جميع الأحوال تجربة جديدة تستحق التحليل الذي نحن بصدده، بخاصة سؤال التحقق السينمائي الذي بدا متصالحاً مع السينما بعامة حين تكتفي بتمرير صورها الحية مع هم التنويع وخلق المفاجآت والبحث عن التشويق.


فشرطي اﻹرضاء اللذين ذكرناهما في البداية جعلا الطفل يتحرك ويبحث ويؤسس لذاته وجوداً من الممارسات، وهذا الوجود هو ما سيحدد مستقبله ويشيد عالمه السينمائي المعروف. هناك الوالد الأمي أوﻻً الذي أوصاه بالتفوق في الدراسة، وجعله من دون أن يدري ذلك، يجد السند ويرتمي في حضن العم المتعلم المتشبع بتيارات اليسار الماركسي الممتزجة وقتذاك بمثالية متعالية مضمّخة بحب اﻷدب والشعر والفن بالشكل الذي ﻻ يمارسه الشيوخ في العائلة. هذا السند الذي سيستمد منه الطفل القدرة على الاختراق الصغير في عالم الحب الطفولي للجارة فوق السطوح. والحق أن هذه الفقرة من الشريط تمنح صدى وثائقياً لجيل بالكامل عاش الحكاية ذاتها، ومنه كاتب هذه السطور. فما أجلّ تلك العلاقة المفارقة الآتية من فوق بين رعشة الحب اﻷول وجاذبية ماركس.


وهناك الأم وحولها كل النساء اللواتي يمنحن الحسّية المغربية في بهاء الرقص الشعبي المرغوب-المرفوض، ونسيج العلاقات المتشابكة غير الصافية حيناً، والبريئة أحياناً أخرى من دون أي شعور بالندم أو الذنب. فقط كحيوات تعيش اللحظة وتحاول أن تكون سعيدة كيفما كانت الحال، وإن تعذر تحقيق ذلك قد تحزن وقد لا تأبه. وهذا المعطى هو الذي منح الفيلم مزيجه الدرامي والكوميدي. تماماً مثل باقي الشخوص الذكورية التي تخفي وتعلن طينتها وفق المواقف والظروف سواء كانت حقيقية أو ضمخها المخرج بمخياله. مثل حقيقة العازف الذي له قناعان، قناع الموظف الصارم وقناع الفنان، بخاصة حين يحضّ ابنه على النجاح في الحياة والمجتمع من طريق التعلم، في بوح لا واعٍ عن فشله هو الذي ليس سوى «شيخ»، من دون ذكر لصفة الفن الغائبة في القاموس الكلامي، على رغم أن ما يقوم به فن.


ولعبة الأقنعة هذه هي مبرر العمل وفكرته الأكبر. إن الفرقة ومحيطها ليستا سوى تصغير لباحة المجتمع الكبيرة. فحين يتظاهر أفراد الفرقة بالعمى كي يحيوا حفلات مخصصة للنساء فقط، نراهم يرتدون أقنعة كي يستمروا في العيش معولين على ما تستدره هذه الحفلات. وكذا المجتمع حين تغله خيارات سياسية واجتماعية واقتصادية معينة. فالفترة التي يتطرق إليها الشريط وهي السبعينات، من الفترات المفصلية الكبرى في التاريخ السياسي المعاصر للمغرب. في سنواتها الأولى حدث انقلابان عسكريان فاشلان سيكون لهما الأثر البليغ العميق على البلد. كما أن هذه السنوات هي مرحلة تكوين ملامح مغرب فني واجتماعي تتعارض فيه قوى يسار ويمين وتتجاذب في رحمه خيارات التحديث والمحافظة. ورمز الشيوخ العازفين والراقصين دال هنا، فقد كانوا يمثلون تلك المساحة من الهواء والتنفيس للأهواء، كما كانوا أحياناً وسيلة للإلهاء ومجابهة الفن المعارض حيت سيوظفون لإحياء الحفلات الرسمية في سنوات الثمانينات.


المخرج يستلهم من حياته الشخصية الطفولية كي يروي ذلك الزمان بحنينية قوية. حكايته بميزته هذه تمنحه القدرة على الشهادة من الجهة الأخرى، من داخل ما كان ينظر إليه بعين متناقضة، تود وتنفر في الوقت ذاته. وهو يفعل بأسلوب سلس وكلاسيكي متأثراً بالسينما الواقعية على ما يبدو، ومتأثراً أيضاً بمخاض النقاش الفني السينمائي المغربي الحائر ما بين هاجس الفن وهاجس الجمهور. بالتالي، فالكتابة هنا غير متوترة ولا مسكونة بالهواجس، بل تتقن فعل النقل والمحاكاة والنسخ وممارسة السرد.

مبارك حسني  (03-05-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.



حميد باسكيط، يقظة الحس و الإبداع
بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، و بالنظر للحركي...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION