الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  السينما العربية    
بتوقيت القاهرة: نوستالجيا يطمسها الزهايمر

الوعي لا يعي بذاته إلا بقدر ما يكون معترفا به من قبل وعي آخر، ولا يكون الوعي بالذات معترفا به إلا بقدر ما يكون قد ضاع من نفسه. وفي وقت قريب كانت النغمة السائدة هي الحنين إلى مجتمع أوائل التسعينات، الكتب المطبوعة بحبر رديء، شرائط الكاسيت، نزهة وسط البلد. عجلة الزمن تركض وفُقدت محاولة وضع هذه النغمة في معزوفة واضحة تناقش العقد الذي ظهر واختفى فجأة وسرعان ما داهمنا حنين للحنين. ومهما كانت تجربة أمير رمسيس الإخراجية في فيلم (بتوقيت القاهرة) ينقصها الكثير من النضوج، ومهما احتاجت القصة التي كتبها بنفسه إلى تكثيف وتهذيب لتفاصيل زائدة، فلا يمكنك إلا أن تتأمل الموضوع ككل بعين الرحمة والاهتمام. سوف يغريك اتهام الفيلم بأنه ممل كئيب تسعيناتي الصورة أشبه بقصص بريد الجمعة في الأهرام للراحل عبد الوهاب مطاوع، لكنك سوف تنظر حولك وتتذكر ما سلف في العهد القريب من خطايا السينما المصرية التي انقسمت إلى أجواء فاخرة لشباب المولات وصناديق زبالة لباعة سندوتشات السجق، هنا سوف تصمت في وجوم وتحمد الله وتجد الفيلم معقولا بل ويستحق أن تشيد به.


الكبير ليس كبيرا من فراغ، سواء أكان هذا باجتهاده أو بفعل الزمن، هكذا نحب أن نشاهد نور الشريف وأن نشاهد ميرفت أمين وسمير صبري، ومهما كانت التجارب السينمائية الجديدة قوية فسوف تفقد كل شيء إذا اعتمدت على الوجوه الجديدة فقط مهما كانوا مجيدين والكبار قد واراهم النسيان، هكذا تعوَّدنا أن نشعر، ولسنا مخطئين. محمد خان عظيم وياسمين رئيس شابة موهوبة وأنا وأنت شاهدنا (فتاة المصنع)، لكن (الناس) لا تعرف عنه شيئا ولن يهمها ولن تحبه لو شاهدته، ومهما أبدع خان فلن تنجح أفلامه في الاقتراب من مشاعر الجماهير إلا عندما يقوم عادل إمام بدور (الحريف). إذن فالفكرة القريبة من العمق سوف تكتمل على الشاشة بملامح عشنا معها، والصورة الناقصة سوف يداري عوارها الرصيد السابق الذي نحمله لميرفت وهي فتاة أحلام في السبعينات ولسمير وهو شاب عابث ظريف، إننا نتحدث عن الحنين وعن عشرة عمر وعن تاريخ لا عن سينما فقط.


يعي أمير رمسيس كل ذلك وهو يؤلف ويخرج فيلمه فيخرج به من دائرة أفلامه السخيفة السابقة (آخر الدنيا، كشف حساب، ورقة شفرة) ويقترب به من الحس التوثيقي الذي أجاد به فيلمه الوثائقي (عن يهود مصر) بجزأيه الأول والثاني، وإذا كان البعض يشجّع السبكي أفندي على تقديم قرف الميكروباصات وبيرة الأفراح بحجة أنها تصب في حساب السينما المصرية رغم كل شيء، فأقل ما يجب هو تشجيع شاب موهوب مثل أمير على الفرار من ربقة الجرافيك ومتاهة الاستظراف وأن يستعيد الوجوه المحبوبة للشاشة، وليس بالضرورة أن يكون العمل خارق الروعة، فالاجتهاد النبيل قيمة في ذاته، ودائما كنت أنتظر المنتج والمخرج والمؤلف الذكي الذي يجمع بين نور الشريف وعادل إمام وسمير غانم في جزء ثاني للفيلم الجميل الظريف (البعض يذهب للمأذون مرتين)!    


لا تدقق كثيرا في تفصيلات الفيلم لأنه يحمل بنفسه تجربة جيدة وقيمة أكبر من المسألة النقدية الخالصة لفنياته السينمائية، فالعنوان ليس دقيقا تماما بالترجمة الاعتيادية، لأن إحدى القصص الثلاث التي يتكون منها الفيلم تنطلق من الإسكندرية، أو تنتهي إليها بالأحرى، ولكن المعنى الذي يحمله هو فكرة اللجوء للمرفأ والشاطيء، الذكرى والخيال، هربا من تعنت العاصمة المركزي. 


أمير رمسيس أحد مساعدي يوسف شاهين ولابد أن يختلط تفكيره بتيار كوزموبوليتاني متحرر متفتح لدرجة كبيرة، والمثير للإعجاب أنه يفعلها بلغته الخاصة، فلم يسقط في الفخ الشاهيني المعروف كما حدث مع يسري نصر الله (مساعد مخرج في «حدوتة مصرية» لكن فيلمه «مرسيدس» كان عبثيا فوق الاحتمال) وزكي فطين عبد الوهاب (مساعد مخرج في فيلم يوسف شاهين «اليوم السادس» لكن فيلمه «رومانتيكا» صار أقرب لفانتازيا غير مفهومة)، وهو يربط الخيوط الثلاثة الرئيسية بعناية قدر المستطاع حتى تتقاطع عندما تقترب الأحداث من نهايتها. والفيلم ككل تحية لسينما الكبار قبل هجوم (إسماعيلية رايح جاي) المباغت، فتحميض الصورة ليس ناصعا كي تتذكر الصور المعتمة ما قبل التقنيات الرقمية في حركة ساخرة تكشف حجم المفارقة المؤسف: الثورة الهائلة في الألوان والديكور يقابلها تدهور خطير في القصص والمضامين بعلاقة عكسية عجيبة. عندما كانت بكرة الفيلم تنفذ بسرعة في إعادة المشاهد كانوا يمثلون من القلب ويخرجون بضمير، وعندما صار تعديل الصور يتم بضغطة إصبع صار بمقدور كل من يملك كاميرا ديجيتال وحضر ورشة إخراج أن يزعم أنه فنان، فأصبح كل شيء مثل لعب الأطفال الساذجة: ألوان فاقعة وتركيبة تافهة.


تحية ليوسف شاهين يحمل نور الشريف في الفيلم اسم (يحيى شكري) الذي لازمه في سيرة شاهين الذاتية السينمائية. الرجل يعيش مع ابنته المحبة أميرة (درة) لكنه يقاسي سطوة ابنه مراد المتعصب دينيا، ويفقد أمامه كل حزم بعد إصابته بالزهايمر فيقرر الرحيل إلى الإسكندرية لا يحمل سوى ذكريات زوجته المسيحية الراحلة ويبدأ رحلة البحث عن حب قديم مفقود وقصة من الماضي لم تتم. أما فتاة الأحلام فهي نجمة سينمائية معتزلة تمر بتجربة زوجية بالغة الطرافة في الفيلم، وبالغة المرارة في الواقع، إنها تجتر الذكريات بدورها مع المجد الغابر والرومانسيات القديمة بعد أن صارت ربة منزل تقليدية خادمة لزوج وابن وابنه، لا حب ولا حنان ولا يحزنون، ومما زاد الأمر سوءا الحياة الزوجية المتزمتة دينيا التي تجبرها على ارتداء ثوب زفاف من جديد والذهاب إلى زميل تمثيل سابق من أيام الشباب ليطلقها لأنه كان قد تزوجها في أحد الأفلام، وقد أفتى أحد الشيوخ لزوجها بأن هذا الزواج جائز شرعا! حالة من الارتباك المُر تعكس واقع مؤسف يخلط الدين بالفن والحياة بالتمثيل والخيال المنطلق بالخيال المريض. 


بينما ينطلق نور الشريف هربا من تفاهم ابنته الذي لا يغني عن جبروت ابنه المتطرف، تنطلق ميرفت أمين لزيارة زميلها سمير صبري لتنفيذ وصية زوجية دينية مبتكرة، لكن الحياة حبلى بالمفاجأة والمستجدات، يتقاطع طريق يحيى شكري (نور) بالشاب المغامر الذي يبدو أنه يكذب كثيرا أكاذيب بيضاء طمعا في الاهتمام وتلفيق تجارب يغطي بها على بؤس حياته، هذا الفتى محروم من حنان الأب وحزمه ويجد الـ(father figure) في شخص ذلك العجوز فاقد الذاكرة، هذا دافع درامي قوي ومهم، فعلاوة على أنه يكشف جذر اجتماعي مهم في الخلل التربوي للجيل القادم، هو كذلك يبرر اهتمام الشاب بالعجوز وثقته به. ديلر مخدرات ينشغل فيلجأ إلى العجوز يحيي لتسليم البضاعة للممثل اللاهي صاحب المزاج سامح (سمير صبري) وهناك يجد حبيبته السابقة ميرفت أمين التي تحاول إقناع الأول بتطليقها من زواج تم على الشاشة، لكنه يضحك من غباء الفكرة، فكل شيء لم يكن أكثر من تمثيل صريح فضلا عن كونه مسيحي!


حتى لو كانت حياة الشخصيات تتداخل بالكامل بشكل غير واقعي فهذا أفاد موضوع الفيلم فيما يشبه تركيب فيلم (إسكندرية ليه) حيث كل الناس يعرفون كل الناس، كعينة عشوائية لخلية من نسيج المجتمع تكشف تحت المجهر حجم العلة والداء، فالخط الثالث والأخير في الفيلم هو قصة ابنة الممثلة الشهيرة/ الزوجة المتدينة الوقور، هي سلمى (أيتن عامر في دور جيد جدا ينسينا إلى حين سخافات دور «أحبوش» في مسلسل الزوجة الرابعة) التي تخطط للقاء حبيبها وائل جسديا في شقة سرية، لكنها تعي تناقضات المجتمع ونظرته الدونية لرغبة الأنثى وتطاردها هواجس بوليس الآداب ودخول البوكس ملفوفة في ملاءة، يصيبها هوس هستيري بالنظافة المفرطة ووسواس أخلاقي قهري قاتل.


أسوأ عيوب الفيلم هو المونتاج المتعجل الذي بتر مشاهد كثيرة في أوج انفعالاتها، بالرغم من أن الحل جاء على لسان أحد شخصيات الفيلم الأساسية، الممثل سامح (سمير صبري بلغته الإنجليزية الشهيرة) يقول ما معناه أننا بحاجة لمونتير متمكن لسد الحاجة للأمان! طبعا لا يوجد هذا المونتير القدري القدير الذي يُفصِّل قصة حياتنا على المازورة وعلينا أن نقبل كافة المفارقات بحكمة، هذا هو الغرض من موضوع الفيلم، لكن النصيحة بمعناها الحرفي كان يجب أن يهتم بها أمير رمسيس. كما يقترح أننا يجب أن نقبل بالاختلاف فالكون لا يكتمل إلا به، دين الشخص واهتماماته وميوله مسائل لا تعني الآخرين في كثير أو قليل والتركيز عليها يؤدي إلى مجتمع مشوه مولع بالانتقاد.


أُذكِّر أمير كذلك، وهو يستحق النصح لأن ما يفعله يبشر بكل خير، أن ثمة فارق بين إحياء الذكرى واستعادة المندثر، فالأول يتم بأدوات الحاضر لا الماضي. عندما أراد سيلفستر ستالوني أن يُلقي تحيته لمحبي أفلام أكشن أواخر الثمنانينات وأوائل التسعينات حشد كل النجوم في (المرتزقة) بحبكة الماضي التي اكتسبت محبتها رغم ركاكتها في ذلك الوقت لكنها كانت أفضل الموجود، وفي المقابل عندما فعل العبقري ستيفن سبيلبيرج الشيء ذاته لجمهور إنديانا جونز استخدم كل ما لديه من تطور لإخراج تحفته (مملكة الجمجمة الكريستالية). وهكذا فالرمزية الزاعقة مثل ساعة الحائط التي اصطحبها يحيي في رحلته بدت مكشوفة ومفتعلة أكثر من اللازم، ربما بدت مبتكرة مثل قرني محجوب عبد الدايم في فيلم صلاح أبو سيف (القاهرة الجديدة)، أما الآن فتبخس من قدر التكنيك ككل وتقترب من صورة عبد الناصر التي يداري بها الأب شرخ الحائط في (دكان شحاتة)، أساليب كهذه عفا عليها الزمن. 


أخيرا، أتساءل لماذا لا يحتفي النقاد والمهتمين بالسينما بالمنتج سامح العجمي؟ ولعلك لا تعرف أن سامح العجمي شاعر سكندري غنائي مرهف كتب الكثير من الكلمات المؤثرة المميزة وقت المطربين الشبان الظرفاء من جيل حميد الشاعري: البيانولا و حبيبي (مطر الليلة دي ابتدى) لصديقه مصطفى قمر، عودة (في سكوت زماني يفوت) لحميد، على كيفك ميل لإيهاب توفيق، يا ملاكي للمطرب الراحل الشاب عراب. يجب أن نشجّع هذا الرجل الذي يخاطر بماله في فيلم لا توجد به حورية فرغلي تلبس جلابية مشقوقة وتقول أشياء قبيحة أو أحمد السقا يهز كتفيه ويتشنج بكلام سخيف يسعد به المراهقين مثل (الفرعون العاشق جاهز للاحتفال)!

د. هاني حجاج  (02-05-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



لطيف لحلو، حكيم السينما المغربية
البدايات الحقيقية للسينما المغربية، انطلقت خلال سنوات...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION