الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  متابعات سينمائية    
"ربيع متأخر" لياسوجيرو أوزو اقتناص مفارقات الوجود العسيرة


  نورالدين بوخصيبي   

   بعض الأشرطة السينمائية التي ترقى إلى مستوى التحف الفنية النادرة تأبى ألا تعري للمتفرج عن فتنتها كاملة حتى النهاية. فيلم "ربيع متأخر" (1949) للسينمائي الياباني الكبير ياسوجيرو أوزو (1903- 1963) هو واحد من هذه الأشرطة. من دأب ياسوجيرو أوزو الذي اعتبره السينمائي التايواني "هو هسياو-هسيانج" بحق سينمائيا رياضيا mathématicien ، من دأبه أنه يصوغ و يرتب مشاهده و لقطاته بدقة رياضية كبيرة، كما لو أنه يخوض مقابلة للعبة الشطرنج، فيما ينتشل المتفرج من ذاته بذكاء نادر، يؤجل شعوره بالأورغازم الفيلمي إلى النهاية..
  ياسوجيرو أوزو يؤثث و ينحت فضاءه الفيلمي كما لو تعلق الأمر بجيولوجي لا يكشف عن الطبقات الجوفية لأعماق الأرض إلا من خلال الوقوف كثيرا عند سطحها الظاهر. في مستوى أول يقدم أوزو مستوى سطحيا بسيطا للحكاية، هو غالبا المستوى اليومي المرتبط بالأسرة و الماضي و صراع الأجيال...لكنه ما يلبث أن يكشف عن مستوى وجودي أكثر أصالة و عمقا مع توالي المشاهد و اللقطات، يصل أوجه في نهاية الشريط.
 بعيدا عن الانفعالات الزائفة المجانية، يوزع أوزو لقطاته ببرود سينمائي كبير و بجمالية محسوبة بمنتهى الدقة، واضعا شخصيات أفلامه في مواجهات حوارية هادئة، لكن قاسية، تكشف بحس إبداعي كبير عن جوانب من الأعماق المعتمة للكينونة الإنسانية..
  لكن هذا الانكشاف يتحقق من خلال لعبة التباسات و إيحاءات متتالية تمتزج فيها لغة الحياة بلغة الصورة.. لا معنى للحياة عند أوزو خارج تموقع من تموقعات الصورة أو بمعزل عن نظرة ما من هنا أو هناك. و تموقعات الصورة لديه تظل دائمة على مستوى سطح الأرض. في شريطه "ربيع متأخر" نقف في الطبقة السطحية للحكاية عند قصة فتاة تعيش مع أبيها الذي توفيت زوجته. ترفض الفتاة نوريكو (أدت دورها الممثلة سوتسيكو هارا) الزواج في البداية، و تتشبث بالمكوث إلى جانب أبيها (شيشو ريوو رفيق أوزو في كل أفلامه تقريبا) متفانية في حبه و خدمته. بينما هو يحثها على الزواج كاشفا عن رغبته الشخصية في الزواج بدوره. أخيرا تغير الفتاة رأيها.. تذعن لموقف أبيها و تقبل الزواج بشخص من اختياره.
  مع أن الحكاية تبدو مؤلمة إلى حد ما، قصة افتراق و وداع قاسية بين أب و ابنته الوحيدة، فإن أوزو يعرضها على المتفرج كعادته ببرود و هدوء مدهشين. وراء ذلك يلتقط أوزو بحسه الإبداعي الإنساني الكبير و الدقيق مفارقة الوجود الإنساني في الجانب المتعلق بعلاقة الإنسان بالسعادة. تقول نوريكو مخاطبة والدها: "إنني سعيدة هكذا..سعيدة معك و بالقرب منك. و لا أريد الابتعاد عنك..." يرد الأب: "أعرف أنك سعيدة..لكن هذه هي الحياة..ينبغي أن تبتعدي..."..و تعترف الفتاة لأبيها أنها تحبه، فيما يؤكد الأب أن السعادة يتم خلقها من خلال إرادة الحب الكامنة في أعماق الإنسان. لكن الأب يعترف في لحظة بوح قاسية: " عندما تكون عندك فتاة، إذا هي لم تتزوج فتلك مشكلة، و إذا هي تزوجت فتلك أيضا مشكلة"...أوزو بارع في التقاط المفارقات الوجودية العسيرة..في فيلم " قصة طوكيو" (1953) يعترف الأب، بعدما خاب ظنه في أبنائه، يعترف لصديق له قائلا: "عندما نفقد أبناءنا فنحن أشقياء، و عندما يظلون أحياء يبتعدون عنا"..تبدو المفارقة في المستوى الظاهر مفارقة اجتماعية بسيطة أو معتادة، لكنها في العمق مفارقة حياتية صعبة لا حل لها مادامت من جوهر الوجود الإنساني..و مادمنا لا نستطيع تغييرها لا يمكننا إلا الاستسلام لها، أو في أحسن الأحوال قبولها بأقل الخسارات الممكنة..
  لكن سينما ياسوجيرو أوزو هي فوق ذلك سينما الجمال الروحي البلوري الصقيل. أوزو يحتفي بالصورة كما لو أننا في موكب لعشق ملائكي نادر..هذه مفارقة أخرى في سينما هذا الرجل الذي قال عنه المخرج فيم فندرز إنه أكبر سينمائي في تاريخ السينما.. وضعية الإنسان القاسية في الحياة، و هي وضعية محتومة لا فكاك منها، لا تمنع من الاحتفاء بالصورة الجميلة و بالفن الراقي الجميل. لذلك يتحفنا أوزو في "ربيع متأخر"، كما في معظم افلامه الأخرى، بلوحات تشكيلية في غاية التناسق و الدقة البصرية، تنساب بسلاسة جميلة عبر المشاهد المتتالية..يدع المشاهد يستنشق الصورة أو يتنفسها بعذوبة و تمعن و امتلاء دافق..يزاوج أوزو بين البطء و العمق في بنائه للقطاته..بطء جميل يذكرنا بأفلام راقية لبرغمان و أنطونيوني و طاركوفسكي. لا يهتم أوزو كثيرا بالحبكة الفيلمية التي هي عنده حبكة متشظية، بقدر ما يولي عنايته الكبيرة للتفاصيل الصغيرة، للقطات التي ترصد الفراغ و الصمت الذي ينفذ إلى عمق الأشياء بلغة حوارية بسيطة هي أبعد ما تكون عن اللغة النظرية التي نجدها عادة لدى سينمائيين أمثال بازوليني أو غودار.
    لكن هذا الجمال المتسامي الذي يحتفي به أوزو يتجسد أيضا من خلال اختياره  للممثلين. بطلة فيلم "ربيع متأخر" هي الممثلة اليابانبة  سيتسيكو هارا، و هي ممثلة وديعة تبدو مقبلة على الحياة بفرح كبير من خلال ابتسامتها المتفتحة..لكن جمال هذه الممثلة هو جمال روحاني نادر في السينما العالمية..مثلت هارا في أعمال لأوزو و كوروزاوا و ميكيو ناروز قبل أن تقرر الابتعاد عن الأضواء سنة 1961. و أدى دور الأب في الشريط الممثل الكبير شيشو ريو الذي مثل تقريبا في جميع أفلام أوزو، و الذي عودنا أن يؤدي أدواره بجمالية صوفية جوانية مدهشة، كما لو أنه في كل فيلم لأوزو، داخل محراب تعبدي من عمق الحكمة الآسيوية العميقة.
  يبدأ شريط "ربيع متأخر" بلقاء طقوسي مهيب لمجموعة من النسوة في لقاء حميمي يمتح من طقوسية التراث الياباني الغني..لقاء دائري داخل بيت الفتاة نوريكو. يلتقط أوزو هذه الدائرة النسوية كما لو أننا داخل محراب تعبدي، لكن بعد رحلة مع الفتاة نوريكو عبر توالي المشاهد، رحلة انحدار نحو حتميتها الاجتماعية الضرورية المتمثلة في قبولها الزواج رغما عنها، يوصلنا أوزو عبر فسيفساء بصرية متنوعة يركز فيها خصوصا على رصد الفضاءات المألوفة، يوصلنا أخيرا إلى النهاية القاسية. هذا هو الالتباس الأساسي الذي يزجنا أوزو بداخله. بعد ابتعاد البطلة يؤوب الأب أخيرا إلى بيته وحيدا لكي يواجه عزلته المرة. لذلك قلت في البداية إن الفيلم لا يكشف عن فتنته القاسية إلا في اللقطات الأخيرة من الشريط. يموهنا الفيلم بأننا مع حكاية فتاة تسعى إلى الزواج كسائر الفتيات، بينما يضعنا في النهاية، بقساوة مرعبة، أما حقيقتنا القاسية: العزلة..بذلك يلتقي مع أعمال سينمائية رائدة في هذا الاتجاه..أفلام لبيرغمان و دافيد لينش و غوس فان سانت و ستانلي كوبريك وغيرهم ممن حاولوا الكشف عن خبايا هذه العزلة القاسية بأشكال مختلفة. لكن مباشرة بعد وضع المتفرج إزاء هذه الحقيقة الصادمة يضعنا أوزو إزاء لقطة ثابتة للبحر و أمواج البحر ممزوجة بموسيقى هادئة عميقة من التراث الياباني العميق، لتكون آخر لقطة يختتم بها الشريط.
بين البداية و النهاية ينقلنا أوزو من الامتلاء إلى العدم. من امتلاء الدائرة النسائية إلى الإحساس بالفراغ الذي يوحي به البحر. ذلك الامتلاء المزعوم هو بكل طقوسيته مجرد امتلاء وهمي في نهاية المطاف. لكن بين هذا و ذاك يمنحنا أوزو العديد من مشاهد الفراغ التي كانت مشاهده الأثيرة في جل أعماله السينمائية. و حتى المشاهد التي يحضر فيها الأب أو ابنته أوهما معا كما في مشاهد الحانة، تحس فيها بهذا الفراغ الذي تعاني منه الشخصيتان رغم الطقوسية الأخلاقية التي يحيطان بها نفسيهما.
  أوزو سينمائي عاشق للفراغ و العدم و الصمت. عاشق للقطة الثابتة و لتكرار العلاقات. بارع في التقاط أو تصوير الزمان. التقاط ما هو ثابت كما في حالة تلك المزهرية التي يركز عليها في الشريط بين ابتسامة الفتاة نوريكو و إجهاشها بالبكاء. لذلك اعتبر جيل دولوز أن أوزو هو من أوائل السينمائيين الذيم نقلوا الصورة السينمائية من الصورة-حركة إلى الصورة-زمان. يرصد أوزو الزمان من خلال التقاط الفراغ و لكن أيضا من خلال التقاط الأشياء المهملة و الردهات الخالية و العتبات و نفايات اللقطات المصورة. ما  تلفظه السينما عادة و ترميه في سلة المهملات،  يرفعه أوزو إلى مصاف الإبداع الراقي الذي ي يقول الحقيقة القاسية للإنسان..حقيقة عزلته و عبثية وجوده داخل عالم بلا معنى. 
  أخرج أوزو فيلمه كما أسلفت سنة 1949، و هو أول شريط يدشن به سلسلة روائعه الخالدة بعد مجموعة من الأشرطة في البداية لم تكن ذات قيمة كبيرة. أسماء الفصول الأربعة مثلما تظهر في هذا الشريط تظهر في عناوين العديد من أشرطته الأخرى. يلتقط السينمائي بذلك كنه دورة الحياة و عبثيتها في نفس الآن. بشخصيات قليلة و ديكورات متقشفة، و باستقرار الكاميرا على مقربة من الأرض، و ثباتها الدائم، يصر أوزو على الاحتفاء بما يمكن تسميته سينما الندرة، أو جماليات الندرة و التقشف في السينما. تقشف لا يلغي الاحتفاء بالجمال الراقي متمثلا في الموسيقى الخالدة و اللوحات الجميلة. أوزو الذي ظل في كل أفلامه التي ناهزت الأربعين فيلما، ظل يتناول قضايا الأسرة و صراعات الأبناء و الآباء، عاش حياته بدون زواج و لا أبناء. و هذه مفارقة أخرى عند أوزو قابلة لقراءات أخرى متعددة.

نورالدين بوخصيبي  (16-02-2017)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



هموم التصوير السينمائي بالمغرب
السينما المغربية أضحت تنتج خلال السنوات الأخيرة حوالي ...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION