الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  كسر الخاطر    
عز العرب العلوي، السينمائي المكافح.

  عبدالإله الجوهري   

الوسط الفني المغربي الحالي، يفخر ببعض الوجوه السينمائية المغربية المكافحة الاستثنائية، وجوه أو، لنقل بكل فخر و اعتزاز، طاقات إبداعية، بدأت و طورت مسارها الفني بعصامية لافتة، و إصرار ظاهر، على النجاح و التفرد، مسار انطلق من درجة الصفر في الاعتماد على النفس، و عدم البحث على السند العائلي أو العلاقات الشخصية المشبوهة، لتمدها بنسغ القوة و البقاء، و تفتح أمامها الأبواب الحديدية المغلقة بكل إحكام، الأبواب الموصدة في وجه الشباب الموهوب، الشباب القادم من مدن الهوامش المغربية أو المنتمية للأسر الفقيرة المتوارية الرازحة تحت ثقل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ، شباب موهوب بدأ انطلاقته باتجاه المستقبل من قاع القاع، في أفق الاشتغال الجاد، و بناء الذات، و تسطير مسار إبداعي خاص، رغم عنت الحياة و مهالك الطرق، و سيادة التنافس الفج، وتربص الكائنات الفاشلة المتمترسة وراء مكاسبها الريعية، مكاسب استولت عليها زمن الخواء و الرخاء، زمن الفهلوة و الفذلكة و سنوات الرصاص السياسي و المسارب السينمائية المبتورة عن عوالم الخلق..
من بين هؤلاء الشباب المكافح الطموح، أذكر بكل فخر و اعتزاز، الصديق عز العرب العلوي لمحارزي، الذي جاء مخترقا عالم السينما بكل نجاح، متجها نحو المركز رغم أسواره العالية و حراسه المدججين بمنطق إقصاء الأصوات المتميزة، و الوقوف في درب الطاقات الجديدة المتمردة، مخرج شاب خرق القاعدة و سطر ملحمة سينمائية مختلفة، نعم ملحمة عمادها النفس الطموحة الأبية، و البحث اللامحدود عن التميز و التفرد و خلق أسطورته الخاصة، أسطورة لا يتقاطع فيه إلا مع الأرواح المحلقة في دنيا الخلق و الإبداع، و النفوس المتمنطقة بعز بناء مجد الوطن..
جاء منتصف سنوات الثمانينات، من قلب واحات النخل و الماء الصافي لعين مسكي، جاء من مدينة الراشيدية الرابضة عند خط الغنى و الفقر، مخترقا قلب مدينة فاس، حاضرة الأصالة و العلم و الحدود المسيجة بالتقاليد الصارمة، تقاليد صعبة التجاوز و الاختراق، لكن الشاب الذي كان، بذكائه المتوقد وجرأته المثيرة و بحثه المضني عن التوحد مع مفاهيم التميز، استطاع أن يخترق هذا العالم المحكوم بقوانين تاريخية و سلوكيات مجتمعية قوية، استطاع أن ينطلق وسط فضاء البحث عن غد علمي واعد مشرق ، أن يراكم الشهادات الأدبية، و يحصل على الدكتوراه في النقد، بأطروحة غير مسبوقة في البحث الجامعي بالمملكة، أطروحة صاغها من عرق القراءة و تعب السهر و الغرق في أتون تتبع تاريخ النقد السينمائي المغربي المظلوم من أبنائه، قبل أن يظلم من طرف البحوث الغيرية المشرقية المنطوية على نفسها، المحاصرة لروحها بكليشيهات التفوق و السبق و إقصاء ثقافات الآخر..
بالنسبة لعز العرب، لم تكن الشهادات ديدنه و لا حلمه الوحيد الأوحد، بل كانت آماله و تطلعاته جد شاسعة، تطلعات لم تتوقف عند أبواب الجامعة و البحث بشكل خانع عن وظيفة مغرية و تكوين أسرة تضمن الدفء و البقاء و الهناء و كفى، بل كانت تطلعات أوسع من مساحات الأحلام التي ركن إليها و عاش في أحضانها أكثر الشعراء العالميين رومانسية عبر التاريخ، أحلام بحدود مفتوحة على الاختلاف و صنع مجد سينمائي خاص، مجد بدأه متدربا في عشرات المشاريع الفيلمية مع كبار المخرجين المغاربة، كمحمد عبد الرحمان التازي و الجيلالي فرحاتي و من دار و يدور في عوالمهما السينمائية، قبل أن ينجز أفلامه الروائية القصيرة العديدة، أفلام جاءت مختلفة مبنى و معنى و متفاوتة القيمة، لكنها كانت كلها صادقة، صادقة في ترجمة ما يفكر فيه و يؤمن به، صادقة في البحث عن أسلوب مغاير مبتعد عن درب المجال و ضد المجال، صادقة في مخاطبتها لعموم الجمهور بالانتصار للحكاية، و في نفس الآن، الإجابة عن أسئلة النقاد التي لا تنتهي، أسئلة منفعلة و متفاعلة مع حركات الكاميرا و الغوص في الغموض و تقديم عمق لا مرئي، فكانت أفلام: " بيدوزا " و " وليلي " و " أيزوران " و " الغجرية و الأعمى ".. ، أفلام بنكهة روحية خاصة، و اشتغال على مناحي صوفية و تراثية مغربية أصيلة، بين الفقر و تجلياته و الحب و مآسيه و الهوية الأمازيغية و تحدياتها التاريخية و الشعر و عوالمه اللامرئية..كان عز العرب يحفر كثعلب ماكر/ ماهر، خندقه الإبداعي و يبني حاجزه الإسمنتي المسلح، برؤى خلاقة و خلفيات فكرية وفنية غير مسبوقة، خندق تمترس داخله بثقة في النفس قل نظيرها، و تسلح من خلاله بكل ما يمكن أن يتسلح به جندي وفي مبدع، أقسم أولا و أخيرا على الولاء للفن و الوطن، اقسم على عدم الاستسلام للخطابات الواهية و الانجازات السينمائية المفبركة السريعة العطب، أقسم أن يكون مختلف عدة وعتادا، مختلف في الوفاء لتراث الأجداد و الآباء، مختلف في صنع أعمال متنورة باذخة، أعمال تستلهم روح و عوالم أفلام جادة قوية، أفلام مغربية كانت أو أجنبية، أفلام بروح مضمخة بعطر و رياحين الأنفة الصحراوية بتضاريسها السهلة الممتنعة و أشجار نخيلها اليانعة، و فضاءاتها القاسية الممتدة اللامتناهية، حيث التجاور الخلاق بين الخضرة و الجفاف، الخير و اليباب، الوضوح و العماء، القصور الطينية المزركشة و الخيام الصوفية البئيسة العادية، إنها الحياة المليئة بالمفارقات العجيبة و الكئيبة، مفارقات واقع المرأة المنذور لسلطة الأب و القوانين القبلية الجائرة..، فكان الذي كان، انجاز تحفة سينمائية صادمة بمشاهد شاعرية مفارقة للأحداث المروية، و أداء باهر لمجموعة كبيرة من الوجوه الفنية المغربية الإبداعية، جليلة تلمسي و أمين الناجي و عز العرب الكغاط و حميد الزوغي و راوية و غيرهم من الطاقات الواعدة، " اندرومان، من فحم ودم "، فيلم و لا ككل الافلام، فيلم استمد عنوانه من اسم شجرة أطلسية، و نسغ وجوده من قصة امرأة أمازيغية، امرأة تبحث منذ ولادتها عن أنوثتها المصادرة بسبب جهل الأب الباحث عن ذكر يرفع هامته حاضرا، و يسيج وحدته لحظة الشيخوخة مستقبلا، امرأة تجد نفسها في جبة ذكر، لكنها لا تحمل من الذكورة سوى الإقدام و النزوع نحو إثبات الذات و ممارسة حقها في الحب و الحياة.. يقول عز العرب عن ذلك: “الكثير من النساء العربيات لا يزلن مقهورات من آبائهن وإخوتهن والمجتمعات التي يعشن فيها، ولا تزال النظرة الذكورية مسيطرة على كثير من المجتمعات، مما جعلني أركز على الكثير من القضايا في الفيلم الذي يرصد رفض الذكور لوجود المرأة كشريك فاعل في المجتمع، ويتعامل معها باعتبارها مكملا للحياة داخل المنزل فقط، ولا يتوانى عن ازدرائها وتعذيبها وحرمانها من أبسط حقوق الحياة”، فيلم ببنية حكائية تقاطعت فيها عناصر الواقعي بالعجائبي، و تلاقت داخلها شخصيات قاهرة و أخرى مقهورة، مثلما هيمنت على أجوائها القاتلة، الخضرة الفاتنة الخادعة ، الخضرة المتوحدة مع التختل و المكر و مجابهة المحن، محن العيش و البقاء لمواطنين متروكين منذ الأزل لمصائرهم البائسة، مواطنون، طالب/ يطالب عز العرب العلوي، عبر حواراته العديدة و لقاءاته المتعددة ب:“ضرورة الاهتمام بهم، في الأعمال السينمائية، لأن لهم حقوقا تتوجب على المجتمع الذي يتجاهلهم رغم تشدقه ليل نهار بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان، في حين لا يلتفت أحد إلى هؤلاء الشركاء في الوطن والإنسانية، رغم أن حقوقهم البسيطة أهم بكثير من القضايا والحقوق التي تدافع عنها جماعات حقوق الإنسان والتي يظهر في الغالب أن وراءها أغراضا سياسية”.
الأغراض السياسية المأفونة، و النزوع نحو النكوص و تدمير الذات و الوطن، من خلال محاولة تدمير مقاومة الآخرين و تطلعاتهم نحو الغد الأفضل و استلاب حريتهم المشروعة، محور مشروعه السينمائي الجديد المعنون ب " دوار البوم " ، مشروع حمله عز لعرب بين جوانحه لسنوات، و ناضل دون هوادة من أجل أن يتحقق على أكمل وجه، فكانت معاناة البحث عن التمويل و عذابات التصوير في فضاءات ورزازات الطينية، تصوير وصل لنهايته، و بحث دائم عن محاولة إخراجه للوجود في أحسن صيغة، من خلال عمليات تقنية معقدة، تقنيات و متطلبات غارق الآن في تفاصيلها الصغيرة و الكبيرة، غارق في لجة صياغة حلم صعب جديد، لسينما مغربية واعدة و متطلعة للحسن و الأحسن، بإنجازات أبنائها الأكثر حرفية و احترافية، أبناء الفعل الثقافي السينمائي الجاد المتنور، الذي أضحى عز العرب العلوي واحدا من رموزه الكبيرة المتنورة و ابن من أبنائه الطيبين البررة..

عبدالإله الجوهري  (26-06-2016)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.



حميد باسكيط، يقظة الحس و الإبداع
بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، و بالنظر للحركي...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION