الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  السينما العالمية    
في مسرح ستيف جوبس

إلى روح الأستاذ مصطفى المسناوي


 


كتقديم: كلاسيك أمريكي بامتياز


ستيف جوبس Steve Jobs إسم واحد في المرجع الواقعي وعنوان متعدد في كم الإنتاجات الفنية التي تناولته كموضوع في الكتابة والمسرح والسينما بجنسيها التسجيلي والروائي.لم تفت ثلاث سنوات على موت قيصر القرن في إمبراطورية الأعمال والتكينولوجيا، لتمنح تفاصيل حياتهحبكة شكسبيرية مشوقةوغنية بالعلاقات المتشابكة التي لا تخلو من دسائس وصراعات.ستيف جوبس الذي أحدث ثورة في عالم الشاشات لم تتأخر الشاشة الكبرى في الاحتفاء به وتحويله إلى ذاكرة وأيقونة لن تنساها الأجيال القادمة.  هذا الكم الهائل من الإنتاجات لابد وأن يتمخض عن قيمة نوعية وتنويعية يتحكم فيها منطقالإثراء والزيادة وليس الإقصاء وإلغاء ما سبق.


ستيف جوبس: الرجل والآلة، ستيف جوبس: الحوار المفقود، ستيف جوبس: هيبي البليون دولار، ستيف جوبس: الكلمة الأخيرة، احتضار ونشوة ستيف جوبس، جوبس...؛ عناوين كثيرة ووفرة لا تترك مجالا للشك أن ستيف جوبس تحول في مدة قياسية إلى هذا الحيز الثقافي الذي يقتسمه الجميع بمعالجات متنوعة في وجهة النظر، تنبع عن حساسيات ومرجعيات مختلفة، وتتغيى أهدافا كلها تنصب في رصد وجه من أوجه حياة الشخص وإنجازه. كعلامة ثقافية أخرى تميز عصرنا، ستيف جوبس لم ينتظر كثيرا لكي يوضع على إسمه  ختم"الكلاسيكي". وبالفعل، ملصق فيلم داني بويلDanny Boyleالأخير، والمعنون بكل بساطة Steve Jobs،يظهر في بعض قاعات العرض بعنوان فرعي هو "Already an American classic" كلاسيك أمريكي بامتياز. 


       في نعت الكلاسيكي يتقاطع ستيف جوبس، رجل الشاشة التفاعلية، مع السينما داخل ميزات خاصة قلما يتفرد بها إنسان. للفن السابع كما للرجل  تاريخ ميلاد محدد ونعرفه بالشهر والسنة. فدون عن الفنون الأخرى، للسينما تاريخ ميلاد،وحين نتحدث عن السينما الكلاسيكية،مثلا، لا نستعمل كلمة "حوالي circa " كما نفعل في سياق الأدب الإغريقي أو الموسيقى الباروكية. ستيف جوبس هو الآخر، كمعلمة من معالم العصر،تحقق في واقعنا العيني، وتتبعنا مباشرة إنجازه التكنولوجي، ولمسنا هذا الإنجاز بحواسنا، وشعرناه بإحساساتنا، عكس ماكس بلانك مثلا في الفيزياء والذي نحتاج تشفيرا معرفيا محصورا في ميدان هذا العلم  لكي نتعرف عليه أكثر.كما أن ستيف جوبس كإنسان والسينما كفنيتميزان في تاريخ حضارتنا بالتأسيس لثقافة جديدة برؤاها ومعاييرها ونماذجها،و بمفعول مباشر وسريع على نمط الحياة؛ شيء لم يتسنى لكوبرنيك أو لغاليلو تحقيقه، كما لم يتحقق مع الشعر أو الموسيقى اللهم نسبيا وفي جغرافيات محدودة.


       في هذا التكريس لثقافة بنماذجها وأنماطها  ما يشرعن إلحاق  كلمة  "كلاسيكي" على الرجل والفن في مفهومها الوصفي.لكنفي سياق السينما وشخص ستيف جوبس، يكسب نعت"الكلاسيكية" تمثلالإتجاه نحو المستقبل عوض الماضي.فمع السينما كفن، يعتمد التكنولوجيا ويدمج جديدها بشكل جدلي في الصناعة والجمالية التعبيرية، وفي شخص ستيف جوبس، ككناية للعقل البشري ودوره  في  تطور تكنولوجي لم تعرف الإنسانية مثيله،ما يجعل الكلاسيكية استشرافا لما هو دينامي ينتمي لحيز المستقبل عوض تكريسٍ في الحاضر لتقليد تابث في الماضي.


ما هو كلاسيكي هو كذلك ما يأخذ شكل متن إبداعي يمنح نفسه لقراءات متعددة، وتأويلات تتموج بين الإستقراء المقنن بشروط إنتاج هذا المتن في الشكل والتعبير، والإنطباع المستسلم لطاقته في قدح الخيال للتفاعل معه في آفاق بعيدة تتجاوز هذه الشروط. هذه المقالة حول فيلم ستيف جوبس تعلن انتماءها لقراءة من هذا النوع؛ أي لسيف جوبس كمسرح بالمعنى الحرفي والحِرفي، وبالمعنى المجازي والأليغوري للكلمة. مسسرح تتداخل فيحيزه التكنولوجيا بما هو إنساني، والفني وبما هو واقعي، والذاتي  مع ما هو موضوعي، نهاية  بالسينمائي ما هو ينتمي لثخوم معرفية أخرى. فستيف جوبس شخص نحمله معنا ونحتفي به في كل لحظة لحد الإدمان،واختراعاته كانت مصحوبة بأسلوب في الحياة ربحنا معه الكثير وفقدنا معه الكثير. وفي كل هذا ما يجعلنا نقاربسينماتوغرافية داني بويل في فيلم ستيف جوبس، كمحاولة للإقتراب منه في صيغة وشكل احتفاء المخرج به، ونحاول بناء على هذه السينماتوغرافية إجادة ما يحد من صدى الأسئلة الت تطرح في سياق ستيف جوبس، والتيتخص مستقبل البشرية في ظل دكتاتورية العقل والمال. أسئلة تتجاوز اللحظة والظرفية الإنتاجية للفيلم، فحوى مادته،  وهيكل شكله، وتفيض من النص إلى السياق. 


داني بويل: في تأثيث ذاكرة سينمائية


وسط الكم الهائل من الإنتاج، الذي أشرنا إليه أعلاه،وبميزاته الكيفية وتفرداته النوعية، وتقاربه الملفت للنظر في تواريخ الظهور، (ثلاث أفلام عن ستيف جوبس تظهر بفارق زمني مدته سنة واحدة)، يدخل داني بويل هو الآخر في مغامرة تأثيث ذاكرةأخرى عن الشخصية التي أحدثت انقلابا في عالم التقنية والمال والمقاولة.وكما في حال التجارب السابقة، داني بويل هو الآخر مخرج غربي، ومجايل لشخصية بطل فيلمه الذي يقتسم معهشروط الحضور القوي في الظرفية التاريخية، وحساسية فنية ملتحمة بعالم المال والمقاولة. داني بويل، كما ستيف جوبس، يؤمن هو الآخر بتعدد الأصوات وتنوع الأساليب، وفكرة الحق المشروع في التعبير الفردي مع إبراز أسلوب خاص في ذلك، وبمعيار جودة العمل كمنتوج أخير. سينما المخرج،كما هي سينما أي مخرج بدأ مشواره الإبداعي في نهاية القرن الماضي، تدين بالكثير للتكنولوجيا والمعجزات الرقمية التي حققها ستيف جوبس. 


يبدو أن داني بويل كان يحمل هذه القناعة  وهو يدخل تجربة ستيف جوبس الإخراجية  مسلحا بتجربة سينمائية كانت تمشي جنبا إلى جنب مع نجاحات بطله في الواقع، وبفريق من المهندسين في صناعة العرض ككاتب السيناريو المتفرد هارون سوركينSorkin  Aaron، ونخبة من الممثلين على رأسهم مايكل فاسبيندر Michael Fassbenderفي دور ستيف جوبس. فيلم ستيف جوبس في دقته وتركيزه على الجزئيات يظهر هو الآخر كمقاولة  على طريقة ستيف جوبس في التجارة والتسويق؛  تبشر بالجديد، ووراءها طاقم من الخبراء المتميزين بالدقة في العمل والإيمان القوي بتقليص هامش الصدفة والخطأوفي هذا لا يختلف عن أي مخرج بدأ مشواره الإبداعي في نهاية القرن الماضي. يتملك المشاهد، ومباشرة منذ اللحظات الأولى في الفيلم، هذا الإحساس بأن المخرج  يحاول جاهدا خلق نوع معين من انطباع الواقع، يشفع لفيلمه أمام شبح مرجعية بطله في واقعها التاريخي. بالاستناد على عتبة عنوان الفيلم نخلص إلى أن هناك  فكرة ثابتة في ذهنية المخرج وهي تطهير ستيف جوبس من شخص الواقع وجعل السلوك الذي اشتهر به رجل الأعمال مستساغا أو على الأقل مبررا بالنسبة للمشاهد.  


في هذه المهمة لجأ داني بويل إلى السينما نفسها  ليقدم ستيف جوبس في شكل مخرج في عالم الأعمال والتكنولوجيا،يتحرك داخل بلاطوهات استوديو للإنتاج السينمائي: يعطي التعاليم، يشرف بنفسه على كل حركة وتفصيل، وكذلك، مثل كل مخرج في مرحلة ما، يعنف طاقمه ويحط من إنسانية من يشتغل معه.  إصرار داني بويل على تصوير فيلم، أغلب لقطاته داخلية، في الفضاء الواقعي للحدث مثل كاليفورنيا، عوض تصويره في بلغاريا،مثلا، وتوفير الملايين من الدولارات، قد يجد مصدره في ما هو أبعد من الإحتفاظ بمصداقية الفضاء المرجعي للأحداث والذي تقاسمته التكنلوجيا والصناعة السينمائية، ربما في هذه الرغبة في القرب من شخصيته بقدر ما كانت هذه الأخيرة مقتربة من الشاشة فيالإبتكار وأسلوب التدبير وكذلك في الفضاء المشترك الذي يجمع مؤسسة آبل ماكينتوش وهوليود.


 عالج  داني بويل قصته  الفيلمية المقتبسة بحرية عن كتاب ستيف جوبس لوالتر إيزاكسون  IsaacsonWalter، في ثلاثة أجزاء، يحيط  كل منهابحدث تقديم ستيف جوبس لمنتوج جديد: آبل ماكينتوش 1984، نيكست كومبيوتر 1988، و أي ماك 1998. بين الحيثيات المحيطة بكل عرض لابتكار جديد وآخر، نعيش مع البطل لحظات صراع داخلية ينازل فيها كبرياءه وأنانيته  عبر قصة موازية محورها الرئيسي هذه الحبكة الكلاسيكية عن العلاقة الأبوية المتصدعة بين أب وابنته. مراحل تطور جهاز الكمبيوتر هي كذلك مراحل نمو ليزا برانون جوبس (مكانزي موس، ريبلي سوبو، وبيرلا هاني جاردين في التطور العمري من 5 سنوات و9  إلى 19).داخل فضاء مغلق تتقاطع الأحداث بين صراع أسري وحدث تكنلوجي، متسلسلة في شكل شبيه بحلقات الدراما التلفزية، وبنفس الوثيرة التصاعدية والعناصر الفاعلة التي تدور كلها حول محور شخصية واحدة هي ستيف جوبس. هذه البنية  التي تقترب من الدراما التلفزيةكما أشرنا تجعل الفيلم شبكة من البرامج السردية تنطلق من النقطة المحورية للحظات عرض البطل لسلعته في اتجاهات متضاربة نحو محطات حاسمة في حياته.  


يتفعّل البرنامج السردي الخاص بعالم ستيف جوبس المقاولاتي،والمرتبط بابتكاراته، على خطية تعكس فعلا نظاما داخليا محكوما بعقلانية التقنية والإدارة والتدبير. هذا في الوقت الذي تحكم  البرنامج السردي، الخاص بالعلاقة الأسرية، طبيعة التوثر والتجاذب الوجداني. تداخل البرنامجين يجعل من الصعب تبيان طبيعة العلاقة بين البطل وابنته، هل هي حب أم مجرد طريقة تدبير للأسرة كمقاولة أخرى تدخل في هامش عمله. يتقاطع البرنامجان كذلك في هذا النوع من المواجهات المبنية على معادلة النفي والإعتراف بين البطل من جهة والشخصيات الأخرى من جهة مقابلة.  أخذت هذه المواجهات شكلها التصاعدي في المجابهات بين ستيف جوبس ومهندسيه ورئيس مجلس الإدارة في مؤسسته جون سكالي (جيف دانييل)، لتصل ذروتها في المرافعة، الممسرحة بامتياز، بينه وبين شريكه  ستيف وزنياك (سيث روجين) التي دارت حول الإعتراف بحقوق الملكية لهذا الأخير في إبتكار آبل 2، مواجهة  أنكر هذا الأخير حدوثها على أرضية الواقع. 


بنفس الوثيرة التصاعدية وداخل نفس المعادلة،تتطور الأحداث بين ستيف جوبس وابنتهمن النفيالفعلي لأبوته لها إلى الإعتراف بها بطريقة استسلامية في آخر لحظات الفيلم. في  التصاعد الدرامي للأحداث داخل القصة الفيلمية، تحضر التكنولوجيا كهذه الفكرة الثابتة. فهي المنظار الذي يطل منه البطل على العالم بأناسه وأشياءه، وهي المحدد الرئيسي لطبيعة علاقاته مع الشخصيات الأخرى، وفي بعض الأحيان تبدو كهذه البوصلة التي نتحسس بها الطرق الوعرة تجاه دواخله العاطفية ومشاعره. داني بويل يقدم لنا ستيف جوبس كهذا الرجل الآلي الأكثر إنسانية من جهة وكهذا الإنسان الأكثر آليةفي طريقة التفكير والتعبير عن إحساساته، أو "عقل إلكتروني" لو شئنا استحضار هذا التعبير المبتذل شيئما.  كإضاءة لذلك نسوق ما حصل في بداية الفيلم حين أنكر أن تسمية الكومبيوتر ليزا كان على إسم الطفلة، متحايلا على هذه الحقيقة بربط إسم الجهازبالتلفيظ الأوائليacronym  لخاصيتهالوظيفية. مقابل هذا التحايل، التقني لفظا ومعنى،تعود قرينة التكنولوجيا لتظهر كتعبيرية للتصالح بين البطل وابنته حين يعلل هذا الأخير آخر اختراعاته، الآي بود iPod، بشغف ابنته وحبها للموسيقى.


تواجد ستيف جوبس وليزا على الخشبة أثناء العرض الأخير في الفيلم والمتعلق بتقديم الآي بود، وسط  ترحيب جمهوري لا يعادله إلا دخول نجم هوليودي، يجعل البرنامجين السرديين الرئيسيين في الفيلم يتقاطعان في نفس الفكرة الطوباوية للنجاح الأمريكي.نجاح ستيف جوبس كرجل أعمال وكأب. نجاح أمريكي بامتياز ينبني على هاجس إبتكار الجديد، و حسن الإدارة والتدبير المقنن والمعقلن حتى على المستوى الأسري، وفي سبيل تحقيقه، قد يعتمد الإنسان إقصاء الآخر حين يتمثل كعقبة وتحدي سواء كان هذا الآخر صديقه الحميم أو أم ابنته ورفيقة عمره. اللقطة الأخيرة في نهاية الفيلم تترك المشاهد بانطباع ينسجم وهذه الطوباوية في شكل سينمائي بامتياز. تصالح أسري وسط كم هائل من الشاشات في الخلفية والسقف، وإحتفال مبهرج بالنجومية.


أبان داني بويل ومدير تصويره ألوين كوتشلير AlwinKutchler   عن براعة في تصميم صورة سينمائية تتناسب مع المحطات الكبرى للفيلم، حيث تم استخدام كاميرا mm16 و35mm والكاميرا الرقمية. لمسة داني بويل الرشيقة بدت أكثر في الشريط الصوتي عبر اختيارات موسيقية لأغاني الرائع بوب ديلن Bob Dylan والتي كانت البوصلة الوحيدة في الفيلم التي تقودنا نحو جانب ستيف جوبس كشخصية بوهيميةومتحررة. تركيز المخرج على ستيف جوبس كإمبراطور الأعمال والمقاولة قد يكون الدافع في اختزل كل ما يتعلق به من الجانب الروحاني والبوهيمي في إشارات فيلمية عابرة. قد يكون الدافع كذلك   لتقزيم دور رفيقة عمره السابقة كريسان برانين (كاثرين واترستون)، والتي كانت أهم مؤشر تدليلي لستيف جوبس في هذه المرحلة المهمة من حياته. حجب الزوجة، الرمزي بتقديمها في شكل مبهم وملغم، حيث لا نفهم تصرفاتها إن كانت نتيجة لإدمان المخدرات أم نابعة عن حالة إحباط، قد نجد مصدره في رغبة المخرج في إعطاء نوع من التبرير لسلوكات ستيف جوبس الفجة وتصرفاته الفظة.  فيلم  ستيف جوبس يعطي الإنطباع بأنه مرافعة قضائية يقوم بها المخرج نيابة عن بطله. 


        يتركنا المخرج في موقف التساؤل حين يركز على محطات الخلاف بين البطل وعشيقته الأولى التي رافقته في اهم مراحل حياته.  إذ لا نجد أي مبرر لشكل االحضور السلبي للشخصية في الفيلم،عبر حصرها في الإطار الضيق، فضائيا في غرف الإنتظار أو الممرات، ورمزيا في الدور الفاتر للمعوزة الدائمة الحاجة للمساعدة. لقد كان المخرج ينظر لكريسان برانين من منظار ستيف جوبس ويصوغ ملامحها بناء على معيارية هذا الأخير. داني بويل يعطي الإنطباع بأنه يشارك بطله نفس المعيارية، خصوصا إن كانت تخدم الجانب التسويقي للفيلم.  ففكرة إقصاء الدور، ولو رمزيا، قد تكون المخرج الوحيد من مطب التدوير والتكرار الذي تستهجنه سينما الفترة. ما احتجب في ستيف جوبس عن شخصية كريسان برانين نجده باستفاظةفي فيلم "جوبس" منإخراجأشتون كاتشير Ashton Kutcher2013 الذي ركز كثيرا على تجربة البطل في الروحانيات الشرقية وفلسفة الزين Zen بالخصوص. يبدو أن هاجس الذاكرة التناصية كان حاضرا أثناء الإشتغال على الفيلم،  وقد نجد فيه كذلك تعليلا لتقديم شخصية كريسان برانينفي ستيف جوبس بالشكل التنميطي الذي تجلى في هندام من طراز السبعينات، والذي  ظهرت به الممثلة كاثرين واترستون في فيلم Inherent Viceلبول توماس أندرسون Paul Thomas Anderson، الذي لا يبتعد كثيرا في تاريخ خروجه عن فيلم ستيف جوبس. 


في مسرح الازدواجية لمايكلفاسبيندر


        لم يخفي داني بويل نيته في خلق بورتريه عن ستيف جوبس حين وضّح أن شخصيته "ليست صورة ستيف جوبس وإنما صورة عن ستيف جوبس".  رسم هذا البورتريه كان هو الغاية الأساسية من وراء الفيلم وليس هذا الإستنساخ العالي الدقة الذي عودتنا عليه هوليود في ملاحمها السيرية. هذه الإستراتيجية في  معالجة  القصة أعلن عنها المخرج في مرحلة الإنتاجالفيلمية المخصصة للكاستينغ  برهانه على الممثل الإيرلندي مايكلفاسبيندر،وسط استغراب الأوساط السينمائية في عدم اختياره للممثل توم كروزرغم المواصفات التي يتمتع بها هذا الأخير لأداء دور ستيف جوبس، وبالخصوصشبهه الفسيولوجيوالطبيعي مع الشخص في الواقع. نجح الممثل الإيرلندي لحد بعيد في تشكيل هذا الوجه عن ستيف جوبس. أدى الدور بفنية تمثيلية عالية ومتفردة، بدايةبقدرته الخارقة  في  إسقاط  لكنته المحلية لينطق فقط الإنجليزية التي كان ستيف جوبس ينطقها وحده، ونهاية بجعل ملامحه الدقيقة  مسرحا نشاهد فيه الازدواجيات والتناقضات التي تميز شخصية البطل.استطاع الممثل أن يحفظ هذا الغموض الذي لم يفسح أي مجال لوضع الأختام المعيارية والأخلاقية على تصرفات شخصيته.


فعلا سيتخلد في السينما  وجه مايكل فاسبيندر في دور ستيف جوبس. عبر مايكل فاسبيندر كان ستيف جوب هذا الناسك البوذي ورجل الأعمال،  كان الفنان والمقاول، كان المدير الدقيق والشرجي والمغامر المجازف، وكان الأناني الفظ والأب الرقيق. شخّص مايكل فاسبيندر بورتريه ستيف جوبس كما رسمه المخرج بهذا الأسلوب التمثيلي على الطريقة الالمانية أو ما يعرف Auseinandersetzung الذي يأخذ فيه الممثل حرية خلق الدور من منظوره الخاص وقدرته الإبداعية على إظافة الجديد على ملامح الشخصية. إنه الأسلوب الذي رأتفيه منظرة المسرح الأمريكية آن بوغارت  Anne Bogart نوعا من القطيعة الفعلية مع مدراس التمثيل ذات المنحى الستنيسلافسكيي التقليدي.


بجمال ثمانيني وشحنة الحب والعاطفة التي لازالت تحملها الممثلة منذ التيتانيك Titanic،  أدت كيت وينزليت هي الأخرى دور شخصيتها جوانا هوفمان بحضورها كحيز أو معبر بين البطل وتناقضاته. عبرها تحولت ازدواجيات ستيف جوبس إلى ثنائيات قابلة للإدراك. جوانا هوفمان هي فوضى ستيف جوبس تتحلل في النظام  الذي  يمتص شيئا من التوتر لكي يتحول ستيف جوبس في الوقت المناسب إلى هذا الشريك القابل لتبادل الرأي، أو هذا العبقري المستشرف للمستقبل، أو هذا الفيلانتروبي الذي يصر على تزويد كل تلميذ وطالب بكمبيوتر محمول، وأخيرا إلى هذا الأب الذي يلح على نجاح ابنته ويتصالح معها. لعبت كيت وينزليت دورا يحمل كثيرا من الإزدواجية فيه تحضر مساعدة رجل الأعمال جوانا هوفمان وشخصية غائبة عن الفيلم ولكن حاضرة بقوة في حياة ستيف جوبس هي أخته مونا سامبسون. 


حتمية الثنائيات والإزدواجية التي نجح الجانب التمثيلي في إظهارها  تحكم كذلك محيط ستيف جوبس كشخصية وكشخص بداية في هذا النوع من الفصام الذي يسود علاقته مع الأب. كما في المرجع الواقعييغيب في الفيلم الأب الفعلي لستيف جوبسولكن عبر حضوره الصوري والجسدي فقط. امام هذا الغياب يحضر للأب الرمزي والروحي  في ثقل رئيس المجلس التنفيدي في مؤسسة آبل  جون سكالي. كإبن بالتبني مرتين، لا يلغي ستيف جوبس الأب من حياته، ولكنه يقتصر في حضوره على مجرد شكل وفكرة دون اكتراث في تحديد الهوية. جون جندلي يظهر في الفيلم كمجرد مدير مطعم يفتخر بزبون من عيار ستيف جوبس.  هذا الأب الهلامي، المتناسب جدا مع العالم الإفتراضي المحيط بالبطل، جعله المخرج هو الآخر يعوض شخصية الإبن من فعلية إلى رمزية. فالأب البيولوجي لستيف جوبس يكتفي هو الآخر بصورة عن الإبن، ويحصل على هذه الصورة مكتملة في مثاليتها بكونها مبنية على الفخر وتحقيق الذات عبر الآخر. الأب عبدالفتاح جندلي فخور جدا بنجاح إبنه ولا يكف عن ترديد ذلك،لكن في شرط صاحب مطعم شرقي. الإبن هو الآخر بار بأبيه ولا يتوانى عن ترديد الزيارات له، ولكن في شرط زبون مشهور ومخلص. ليس هناك من مكان للأب البيولوجي في عالم ستيف جوبس، فقط الأب الرمزي الذي يتعلم منه ستيف جوبس كيف يلبس وكيف يبيع منتوجه بقلب القوانين البافلوفية. طبيعي أن يمر الحديث عن الأب البيولوجي في الفيلم، والأب المتبني، والغائب كلية من الصورة، عبر قناة  الأب الرمزي جون سكالي، والذي يوبخ، ويطرد، ولكنه يعود ليحتضن إبنه.


في مسرح هارون سوركين


عالم ستيف جوبس الذي أدخلنا فيه داني بويل لمدة ساعتين كان عبارة عن حركة دائبة دون انقطاع ترافقها حوارات مستمرة عالية النبرة والإيقاع، تتوزع بين ستيف جوبس والشخصيات الأخرى في الفيلم. إنه عالم كاتب السيناريو هارون سوركينAaron Sorkin الذي لن يتيه عنه المشاهد الأمريكي المنمط بالإنتاجات التي تتأرجح بين التلفزة والسينما للشبكة  نيتفليكس Netflix و HBO.كما حال مخرج الفيلم، هارون سوركين هو الآخر من نفس جيل شخصية بطله ويشاركه نفس الحساسية تجاه الفن والحياة وطريقة العمل كذلك بما فيها عدم الإلتزام بالقوانين. شخصيات مثل ستيف جوبس هي التي تستهوي أكثر هذا الكاتب، وقد قدم دليلا على ذلك في الفنية العالية التي أبان عنها في كتابة قصة فيلم  شبكة الإتصال الإجتماعي The Social Network 2010 الذي حاز به على أوسكار أفضل سيناريو. تماهي الكاتب مع هذا النوع من الشخصيات قد نجد صدى له في ما وصتفه به مجلة ديجيتال أميريكانا Digital Americana،والذي يمكن أن ينسحب بشكل طبيعي ومباشر على بطل قصته ستيف جوبس: "رائد في ميدانه ورومانسي". شيء آخر يجمع هارون سوركين مع ستيف جوبس هو هذا  الاستبداد بالرأي والتنكر لكثير ممن ساعدوه في كتابة قصصه التلفزية. 


         بشكل جد ملفت للنظر انصب  اهتمام النقد الذي تناول فيلم ستيف جوبس على كاتب السيناريو الأكثر شهرة في أمريكا.  بل لا تتم الإشارة للمخرج دون عبارة الثنائي التي يلحقها إسم هارون سوركين.  هذا الإهتمام، الذي ينبهنا لظاهرة تسليط الأضواء على كاتب السيناريو التي بدأت تتنامى مؤخرا بشكل ملحوظ حتى على مستوى الملصقات الإعلانية،  قد نجد ما يعلله في تشابه الثورة التي حققها هذا الأخير في الكتابة التلفزية  مع الثورة التي حققها ستيف جوبس في التقنية الإعلامية.  هارون سوركين كتاب نيويوركي بكل امتياز، فهومن عائلة يهودية،وترعرع في منهاتن وتلقى دروس التمثيل المسرحي في الجامعة العريقة سيراكوس،ليصير في عالم الأضواء قصة نجاح أمريكية أخرى. قصة نجاح في فن الكتابة الإستعراضية لا يوازيها في عالم الأعمال والمقاولات إلا قصة نجاح ستيف جوبس. هارون سوركين يحتكر ضوء النجومية بدون مضايق في فلك الكتابة السيناريستية. يتنقل برشاقة بين المسرح والتلفزة والسينما واضعا بصمته الخاصة   بهذه الجمل الحوارية القصيرة والقوية في مفعولها. جمل هارون سوركين تذكرنا بالجمل الحوارية في أفلام الويستيرن سباغيتي التيتصاغ في شكل حكم تخلذ في الذاكرة. الكل يتذكر جاك نيكولسون في فيلم بعض الرجال الطيبين A Few Good Men  (1992) وهو يردد:"تريد الصراحة، لن تتحمل الصراحة".


يخضع الحوار في سيناريو  ستيف جوبس لهذا القالب الذي كرسه هارون سوركين في أعماله التلفزية، خصوصا في سلسلةThe Newsroom، وصار معروفا في قاموس النقد بأسلوب المشي والكلام walk and talk،حيث في نفس الحركة داخل اللقطة المتسلسلة تدخل الشخصيات وتخرج من الإطار دون أن ينقطع حبل الكلام المتسرع. الكلمة هي ما يحدد دور الشخصية وليس العكس. أسلوب الكاتب نلمسهكذلك في طريقة كلام ستيف جوبس المحسوبة بالدقة العقلانية، والذي يرىفيه النقاد نوعا من التصنع الذي ينتمي لفن المحاججة  ويبتعد عن التلقائيةوالعفويةالتي يطمح لها أسلوب الحوار في السينما.  


        ساهمت الوصفة الكتابية على طريقة هارون سوركين  في خلق جو التوثر الإنفعالي الذي ساد فيلم ستيف جوبس، وقد ساعد على ذلك تمركز الحركة في الفيلم داخل فضاء مغلق. يقول سوركين "أنا كاتب مسرحي بالدرجة الأولى، لذى أحبذ الفضاءات الضيقة لأنها تشبه الخشبة". هارون سوركين يخاطب جمهورا تطبّع بأسلوبية الحوارات الساخنة والذكية في التلفزة، جمهور يتعاقد معه مسبقا بسبب آخر هو كونه مجايلا له ولستيف جوبس. هذا الجو المسرحي يضع  فيلم  ستيف جوبس محط  مقارنة مع أعمال أخرى داخل هذا الإنتاج السينمائي الذي أصبحفي لغويته التعبيرية والتركيبية أكثر قربا من الخشبة المسرحية.وفي هذا السياق يعتبر ستيف جوبس إضافة نوعية مهمة إلى هذه النماذج السينمائية الأمريكية خصوصا هته التي تتميز بالكتابة السينارية لأندري غريغوري ووالاس شوان. على غرار هذه النماذج، يظهر مسرح هارون سوركين هو الآخر مصورا ومولّفا، صورة وصوتا، بتقنية تجعل المشاهد يعيش هذا التوثر الذي يحكم هذه اللحظات المتواجدة على العتبة بين ثنائية المجد والإخفاق، بين المباشرة المحسوبة الأبعاد بالدقة والدقيقة، وهذه العفوية التي ألغيت من هذه الأبعاد. 


نجح هارون سوركين في خلق عوالم ستيف جوبسعبر مسرح يجمع بين السينوغرافية والتصوير التلفزيوبنفس الدقة العالية التي تتميز بها الأجهزة الإلكترونية والرقمية التي ابتكرها ستيف جوبس نفسه. مسرح تفعلّت على أرضيته  روح ستيف جوبس عبر الكلمة المعقلنة والحركة المحسوبة وهذه الجرعة من العنف اللفظي التي تميز عالم الأعمال والمقاولة والتي ينجح كثيرا كاتب السيناريو في  نقلها،  ونقل عنفها، للمشاهد. 


في مسرح الشاشة الشمولية L’ecran globa


يمكن أن نرى كل فيلم أنتج في الحقبة الأخيرة كفيلم  يحيط بستيف جوبس بشكل من الأشكال. ستيف جوبس حاضر في السينما كتنولوجيا أصبح العمل السينمائي بدونها اليوم  ضرب من المستحيل ولو على مستوى التواصل بين الأطراف المشتغلة في الفيلم. ستيف جوبس كذلك هو رجل الأعمال الأكثر التصاقا بالصورة في بعدها السينمائي، فقد شغر منصب عضو في مجلس إدارة والت ديزني ورئيس مجلس إدارة دار الإنتاج بيكسارPixar،ومنتج  أول فيلم أنطق الدمى، حكاية الدمى Toy Story، الذي أخرجالرسوم المتحركة من عالم الصغار إلى عالم الكبار. ستيف جوبس كذلك هو المقاول الذي أقنع رجال الأعمالأن كل صفقة تجارية تنجح إن تحققت كفيلم ناجح.


في بداية فيلم ستيف جوبس، نتتبع في صورة شاشة داخل الشاشة حوارا مع مهندس تقني يدور حول طموح العقل البشري في تقليص حجم الكمبيوتر من غرفة شاسعة كان يركض فيها المهندسون مجازيا وفعليا إلى صندوق صغير داخل حجرة في البيت. أثناء هذا الحوار بين الكبار كانت الكاميرا مركزة على طفل يبدو منشغلا في عالمه الخاص والذي لن يكون غير عالم الأحلام والمغامرة الذي دخله ستيف جوبس لكي لا يخرج منه أبدا. في هذه اللقطة التأسيسية establishing shot ندخل عالم ستيف جوبس المصغر في الحبكة الفيلمية لنعبر من خلاله إلى السياق الشمولي لمرحلة  مهمة من تاريخ البشرية. قصة الفيلم ببساطة هي قصة تحول الكمبيوتر من غرفة إلى جهاز داخل الغرفة ومن هذه  إلى لوحة تتقلص إلى أن يسعها الجيب. قصة الفيلم هي قصة الشاشة، كما أشرنا أعلاه، والإختيار الشكلي الذي تلبس هذه القصة هو الشاشة نفسها.


       بتموقعنا في علم الوسائط Mediologie والأنثروبولوجيا، يمكن أن نشاهد الفيلم كعملية تشريح لهذه المرحلة المهمة من التاريخ الإنساني التي أصطلح عليها المفكر الفرنسي جيل ليبوفيتسكي GillesLipovetskyبمرحلة  "حيز الشاشة" l’ecran sphere. اللقطة التأسيسية في الفيلم تختزل نصف قرن من التحول التدريجي للشاشة، من شاشة العرض إلى شاشة التواصل، ومن الشاشة الوحيدة والموحدة في التقنية والنسق التعبيري والشكل الجمالي، أي شاشة السينما، إلى الشاشة الشمولية المتنوعة في الحجم والدقة  التي بدأت بالتلفزة وانتهت بالهاتف المحمول والتي صارت تنتج الصورة ولا تقتصر فقط على عرضها.


يبدأ فيلم ستيف جوبس وسط الحركة المتدافعة والمتسرعة للأحداثin media res حيث يرمينا المخرج مباشرة في توثر التحضيرات لأول عرض للجمهور لآخر معجزات التكنولوجيا الرقمية: أبل ماكينتوش. توثر هو الآخر نابع عن هاجس سينمائي هو الصورة والصوت. ستيف جوبس يعنف عبقرية من عبقريات هذا العصر، المبرمج أندي هيرتزفيلد (مايكل ستالبرغ) لكي ينطق كمبيوتر الماكينتوش بعبارة "مرحبا". الشاشة والتوتر والعنف هي العناصر المميزة أكثر لفيلم ستيف جوبس. وهي العناصر المميزة كذلك لمرحلة الشاشة الشمولية أو المعولمة كما وصف جيل ليبوفيتسكي.


بالشاشة المعولمة L’Ecran Global، نفهم كذلك هذا التداخل المرن، والسريع في تحقيق التأقلم، بين الشاشات بمختلف أحجامها وبغض النظر عن تباين اختصاصاتها الوظيفية وتباعد خصوصيات أنماطها التعبيرية الرهينة بكل حجم أو وظيفة. نفهم كذلك كلمة global  في كلالمعاني التي تحملها في قاموس السياسة والسوق النيوليبرالية، من التعميم الديموقراطي إلى الإستغلال الشمولي ومن التمركز في الغرب إلى الوضعية المزرية لباقي الأطراف الجغرافية. في كتابه المعنون L’Ecran Global يرصدجيل ليبوفيتسكيلحظة من لحظات هذا التداخل بين الشاشات،وفي عبور السينما  إلى التلفزة جوهرا وشكلا، في الوصلة الإشهارية التي أخرجها ريدلي سكوت لآبل ماكنتوش وبثت في فاصل عرض المبارة النهائية لكرة القدم  الأمريكية، هذا الموعد السنوي للجديد في هذا النوع من الإنتاج التلفزي.نالت هذه الوصلة الإشهارية حجما كبيرا في الكلام والصورة داخل فيلم ستيف جوبس. وطبعا لن يفوت هارون سوركين استحضار هذه الجملة التي تختزل في نظر المفكر الفرنسي روح مرحلة الشاشة المعولمة، حين علق ستيف جوبس على الوصلة بقوله: "لقد قدمت منتوجي بوصلة إشهارية يمكن أن تربح الأوسكار". فيلم ستيف جوبس يعرض هذه المحطة المهمة التي يرى فيها جيل ليبوفيتسكي بداية الإستيطان الجيوستراتيجي للسينما في ثخوم وسائطية كالتلفزة، كانت لحد الأمس تهدد بدق نعش الفن السابع.


      بناء على هذا الواقع الجديد الذي تشكل بعبقرية  ستيف جوبس يُفتح قوس استفهام مرة أخرى حول الخصوصية السينمائية كفن: ما هي هذه الخصوصية الجديدة للسينما كفن غادر الشاشة الكبرى والقاعة المظلمة وأصبح ينتج ويستهلك بشروط مختلفة تماما عن تلك التي أطرته في مرحلة بدايته؟ بناء على السؤال الأول،  يلح  كذلك السؤال حول المرجعية الثقافية لنظرية سينمائية تحيط بسينما تتفعل جماليا وتعبيريا عبر حوامل أخرى كالمسلسلات والأفلام التلفزية والأغاني المصورة والوصلات الإشهارية. أي نظرية ستستوعب هذه السينما التي تتحقق في الشاشة الكبرى بشروط الإنتاج التلفزي والمسرح واللعب الإلكترونية؟ دون أن نذهب بعيدا عن فيلم ستيف جوبس للبحث عن الجواب،  نحن في خضم مرحلة تبدّلات ثقافية لا تؤثر فقط على الإبداع، السينمائي في خصوصه والفني عموما، بل على الوجود ذاته.ويمكن مشاهدة فيلم ستيف جوبس دون طرح أسئلةمن هذا القبيل؟


شاءت المصادفة، إن كانت هذه الكلمة لا زالت تحمل نفس معناها الكلاسيكي في هذه الظرفية التاريخية، أن أشاهد فيلم ستيف جوبس يوم عرضه الأول مباشرة بعد مشاهدتي فيلم  Tangerine للمخرج شان بيكرSean Baker والذي يعتبر أول عمل سينمائي صور جملة، وبدون عملية استنساخ لاحقة، بجهازالآي فون iPhone. لم يقدم  شان بيكر فيلمه الرائع "تانجرين" كعمل حقق سبقا في السينما، فقط لأن فكرة السبق لا تدخل في قاموس هذه المرحلة التاريخية الغنية بالإمكانيات والآليات والوسائل والقدرات، ولأن  مسألة التعبير بالصورة أصبحت تطرح من الجانب الحقوقي أكثر منها من الجانب الإبداعي. هذه الحساسية لم تكن لتتحقق لولا ثورة ستيف جوبس التكنولوجية والإعلامية في داخل هذا السياق.  


      علاقة فيلم ستيف جوبس بتانجرين هي علاقة السبب بالنتيجة. في حيز هذه العلاقة يمكن صياغة تعريف جديد للفن السابع  ينسجم مع مشروع تانجرين الذي دق نعش سينما الآليات الثقيلة في الوزن والكلفة، معلناكذلك عن نهاية مدة الصلاحية لكثير من الكلام التنظيري  الذي زامن تلك السينما وعتاقة عدة نقدية لا تناسب سينما المرحلة في الرؤية والإجراء. بين تانجرين وستيف جوبس تتولد حساسية جديدة في المشاهدة السينمائية، لا زال التعامل معها يتوزعه الرفض، بشرعناته النكوصية، والدهشة بحب استطلاعها. أبسط  مظاهر هذه الحساسية، كما لاحظت في أمسية تانجرين أثناء الدردشة مع المخرج، يكمن في التخلي عن فكرة السبق لصالح همّ المشاركة. كان المخرج يحدث عن فيلمه بنفس الحماس الذي كان يتحدث به ستيف جوبس في الفيلم عن الآي باد. فكرة الديموقراطية والتكنولوجيا المتطورة يمشيان جنبا إلى جنب بشكل ربما يصعب تصوره واستساغته  في مجتمعات لازالت مهووسة بكفرة السبق وبالريادة والمريدين، ولازالت تقارب الجديد وتقيمه بنفس العدة والمعيارية التي تنتمي لمرحلة ما. وهي للأسف مجتمعات لا ينالها من إبداع ستيف جوبس وشان بيكر إلا حظ الإقتناء والتقليد. 


لا أذكر في أي عدد من الدفاتر السينمائية قرأت عن دردشة بين المخرج التسجيلي الهنغاري بيتر فورغاكس وجمهور من عشاق السينما طلب منهم هذا الأخير رفع هواتفهم المحمولة ليعلق: "كل شخص يحمل جهازا مثل هذا، هو بالضرورة مخرج سينمائي". باستحضار هذه القولة لأحد عباقرة الفيلم التسجيلي والتي تعبر عن تواضع لافت للنظر، لا يمكن تجنب فكرة مشاهدة فيلم ستيف جوبس دون التخمين في حاضر الشاشة إنتاجا واستهلاكا. وهو ما يعني الإنخراط في إشكالية الهم السينمائي بعيدا عن هذه الثنائيات الإستقطابية التي ترى السينما الحقيقية في أسلوب ما وجهاز سينمائي ما، من هذا النوع المؤسس والممأسس والمكرس بخطاب نظري وبيبلوغرافية نقدية يتم التشبث بمضمونها فقط لأنها استسيغت وفُهمتكخطاب؛  ودون الوعي أن السينما كوسيط وفنية وجمالية وتعبيرية لا تكف عن الولادة والتولّد عبر شاشات جديدة متأقلمة مع تكنلوجيات جديدة ورؤى لا بد أنها تحمل رؤيات جديدة.   


في مسرح الرعب


حكاية فيلم ستيف جوبس لا يمكن تتبعها فقط كلحظات من حياة الرجل، في هذه المشاهدة سذاجة لا تنقصها مشروعية ومتعة كذلك، وإنما كوقائع لمرحلة تفكيك وإعادة تشكيل فكرة عن علاقة الإنسان بالتكنولوجيا وبكل الغموض الذي يعتري هذه العلاقة والذي نجح كاتب السيناريو إلى حد بعيد في إبرازه. فيلم ستيف جوبس مثل العوالم التي تشكلها اختراعاته لا يقدم مادته بأكثر ما يقترح علاقات جديدة معها وبما تستلزمهالعلاقة من وجهة نظر ورؤية. ستيف جوبس الفيلم والإنسان يقترح علينا إعادة النظر في الإدغام الإصطلاحي الذي ظل لصيقا بالحقل السياسي كالتقنوقراطية. من وجهة نظر عملية، وسع ستيف جوبس من معنى كلمة التقنوقراطية  لتصبح مرادفا لهذه الديموقراطية التي حققتها التقنية على مستوى الأفراد والجماعات في الإمكانيات والقدرات اللامتعددة التي تمنح وتوفر. وقد منحت ووفرت للعديد مجالات من التعبير وفضاءات للحرية لم يسعد بها الإنسان من قبل، ولكن في نفس الوقت ضيق الخناق على استعمال الكلمة لتصبح الوصف الحرفي لفن تسيير شؤون الناس بواسطة التكنولوجيا. وجهتا النظر معا تدخلان في حيز الطوباوية الذي تتغذى منه السياسة النيوليبرالية وفكرة السوق المعولم.


  كما أشرنا أعلاه، نحن أمام ملحمة هوليودية لقصة نجاح أخرى. ومرادف النجاح الهوليودي ليس غير مزيد من الفضاء في السوق ومزيد من السيطرة على المستهلك. نحن أمام نشأة وتطور أداة أخرى للسيطرة الغربية على العالم. واقع الظرفية يملي نظرة من هذا القبيل للفيلم. هل يمكن مشاهدة ستيف جوبس دون هذا التجاذب الوجداني، بين التماهي من جهة،  مع إنسان قدم للعقل البشري "دراجة هواء" تضمن له الحركة والمرونة، وزود البشرية بتقنية تحرره من قوى الطبيعة وإكراهات الزمان والمكان وتجعل المعلومة والمهارة بين يديه حرفيا ومجازيا، والصدام من جهة أخرى، مع مقاول تقني تفنن في ابتكار أدوات تضاعف من إخضاع الإنسان وتمد بوسائل ترويضه والسيطرة عليه والتحكم في توجيه عقله وعواطفه؟ هل نحب هذا المبتكر الذي ساعد اختراعه شعوب العالم الثالث على تخطي عقبات الرقابة والإنعتاق من مركزية دكتاتوريات رمزية وفعلية، أم نحتج على رأسمالي جديد يحكم سيطرته على العالم بتكنولوجيا يجتمع تحت مظلتها ما هو إعلامي وصناعي وحربي تفتح أبواب منازل الملايين وتخترق حيزهم الخصوصي. 


       لن نسهب في الكلام عن تبعات تعذر هذه التكنولوجيا على الملايين وما يعني في أرقام معدلات الأمية، أو التقنوأمية، ونزول السريع لمجتمعات الهامش إلى قاع أرضية الفقر، أو سقوط هذه التكنولوجيا في يد من يتفنن في استخدامها لأغراض إرهابية يزودنا الإعلام بنماذج حية عنها كل يوم . حتى مخرج الفيلم داني بويل يعي ما يذكّر بحقيقة كهذه حين يعلق على شخصية بطله قائلا:"ما وصل ستيف جوبس إلى تحقيقه أصبح اليوم أساسيا في النقاش حول الحرية ومكاننا في هذا العالم والاختيارات الأخلاقية تجاه السلطة والمعلومة والمعطيات الدقيقة."    


     داني بويل يعي أنه يصمم صورة عن ستيف جوبس يمكن أن نرى فيها النجاحكما يمكن أن نرى فيها الرعب. صورة بمواصفات هتشكوكية: من الصعب الإشارة فيها إلى مصدر الخوف لأنه بكل بساطة متخفي وفصامي الطبيعة؛ لا ينتج عن موضوع محدد وإنما عن روابط بين المواضيع كلية وبينها وبين هواجس المتلفقي وهمومه في الواقع. لن نعجز، ونحن نشاهد ستيف جوبس البطل، يعنف، ويزدري، ويتنكر للمساعدة والصداقات والأسرة، أن نخلق روابط رمزية بين الفيلم والواقع الذي نطلع على تفاصيل مآسيه يوميا بواسطة الأدوات التي منحنا إياها ستيف جوبس نفسه. 


        في الفيلم يعترف ستيف جوبس لأحد مهندسيه أنه لا يكترث برأي الناس فيه. شعاره اللامبالاة وخلق الكراهيات. هذا الصوت الإسكاتولوجيالقيامي يتردد صداه في الذاكرة التناصية مع قاله بطل فيلم  "وستكون هناك دماء"There will be bloodلبول توماس أندرسون. دانييل بلينفيو (دانييل دي لويس) هو الآخر لا يخفي عداوته للإنسان، يقتل كل من يقف في طريقه، حتى وإن كان إبن أبيه. ستيف جوبس الواقعي كان هو الآخر يقتل يوميا، لكن جرائمه ليست لها معالم ولا قرائن لأنها فرائضية تستجيب لشكل العالم الجديد الذي شكلته تكنولوجيته ومقاولته، وإن كانفي الفيلم لايتردد فيالتلويح بقدرته الفعلية على القتل، ولمن؟ لرفيقة عمره وأم ابنته التي تنكر لها، كريسان برانون (كاثرين واترستون) والتي كانت تعيش على المساعدات الحكومية حين ظهر هو في لائحة  البليونيرات الجدد في مجلة فوبسForbes.


إنها نفس الوصفة لملحمة النجاح في المجتمع الرأسمالي على الطريقة الهوليودية: مشكل أسري بسيط، علاقة أبوية، تحفظ لهذا الشبح الذي "ندعه يمر" ببعض من الإنسانية، سواء كان إمبراطور البترول الذي أهدانا رأسمالية تعتمد جرح الأرض بحثا عن الموارد الطبيعية– بلينفيو Plainview بطل أندرسون يحمل في اسمه ما يذكر بمنظر الأرض الأصلي قبل اختراقها العنيف (امتداد المنظر)- بأيامها السعيدة la belle époqueللبعض وتعسفها الإستعمراي للآخرين، أو كان  قيصر العلم التقني الذي جمع بين أديسون وإرفين تالبيرغ في شخص واحد ليمنحنا طوباوية الرأسمالية المعلوماتية بأيامها السعيدة للبعض وكوارثها للكل المتمثلة في الإقصاء – جوبس هو الآخر يحيل اسمه على ما يتهددنا فقدانه، العمل (jobs).


مثل بول توماس أندرسون صور داني بويل هو الآخر إنسانا شبحامسلوب الإرادة أمام فكرته الثابتة عن النجاح والتفوق والسبق والمزيد من مراكمة المجد. ستيف جوبس مجرد شبح آخر تتشكل فيه فكرة التقدم وهي تستحوذ على الإرادة البشرية. ستيف جوبس يعرض صورة أنشتاين، والذي كتب سيرته نفس كاتب سيرة ستيف جوبس، ولكن لا ينتبه لتحذيره للإنسانية حين كرّرأنه ليس كل ما يدخل في الحسبان يجب أن يحسب رياضيا، وليس كل ما يحسب رياضيا يتوّجب إدخاله في الحسبان. أنشتاين كان واعيا بشبح التطور الذي ينفلت بالتدريج من سيطرة الإنسان. ستيف جوبس يعي هذه الحقيقة تماما ولكن يتحدى التطور في كبح لجامه لتوجيهه في الإتجاه الصحيح. لكن هل يوجد هكذا اتجاه في تطور تحركه مكابس الصناعة والمالبوقود العلم والتقنية اللذان لا يفكران حتى نتعسف على مقولة الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، تطور يغيب فيه أي اعتبار للإنسان؟  


كيف لا نرى الرعب في فيلم ستيف جوبس؟ وقد علّمنا التاريخ أن اسطورة النجاح في الرأسمالية برنامج سردي يحمل برنامجا مضادا نتائجه لا يمكن تجاهلها. يقول ستيف جوبس في الفيلم لجوانا هوفمان: "لن يشتري الناس منتوجي عن حاجة بل لأني سأحرص على ذلك". رعب وأي رعب هذا. ليس فيه أي أثر للدم، لا تدوّره موسيقى وثرية أو تصممه زوايا عالية ومنخفضة وإطارات على طريقة التعبيرية الألمانية. إنه رعب التكنولوجيا وهي تخترق حياتنا عن طواعية قبل الرغبة،رعب الحرب الخلاسية، والحرب السيبرانية. الرعب الجديد أو نيورعب يتناسب قلبا وقالبا مع الظرفية ولغتها وطرق التفكير فيها. هو كذلك أسلوب رعب السينما الجديد والمناسب لزمن العولمة والشاشة المعولمة.



عبداللطيف عدنان-هيوستن  (24-11-2015)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



لطيف لحلو، حكيم السينما المغربية
البدايات الحقيقية للسينما المغربية، انطلقت خلال سنوات...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION