الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  السينما العالمية    
الاحتفاء بالتراث في فيلم حقل الخوخ لأكيرا كيروساوا*

يعتبر المخرج الياباني أكيرا كيروساوا أيقونة في سماء السينما العالمية عامة واليابانية خاصة ، بفضل إبداعاته المختلفة منذ أربعينيات القرن العشرين في الإخراج وكتابة السيناريو والتوضيب، وبالتالي فإنه يشكل مرجعا هاما لكل من يرغب في ركوب سفينة الإبداع السينمائي. يشكل فيلم أكيرا كيروساوا " أحلام " من أهم أفلامه والذي وضع فيه عصارة تجربة تمتد لعقود من الزمن، في هذه المقالة سنتناول الحلم الثاني المعنون بحقل الخوخ وذلك من خلال رصد جوانب الاحتفاء بالتراث الياباني.
اعتمد المخرج في فيلمه على عالمين مختلفين، الأول،  داخلي من خلال لقطات داخل المنزل والثاني خارجي من خلال مشاهد في سفح مخضر يبدو كلوحة تشكيلية متناسقة العناصر، وداخل كل عالم يحتفي المخرج بالتراث الياباني. ففي الأول  كشفت لنا الكاميرا داخل فضاء ضيق عن معطيات كثيرة حول تراث اليابانيين منها شكل تنظيم المنزل وتقسيم عناصره فهناك المطبخ بأوانيه المتميزة ، وقاعة الجلوس والاكسسورات التي تحتويها من مائدة وأواني،  ثم هناك البهو والذي زين بنبتة جعلت منها الإنارة المستعملة صورة جميلة في عمق الكثير من اللقطات الداخلية. يمكن الانتباه إلى شكل الأبواب عند اليابانيين وهي على شكل سكة وربما يعود ذلك إلى ضيق المساحة الخاصة بالسكن،  بما أن المساحة الإجمالية للبلد صغيرة ومعظمها عبارة عن تضاريس جبلية. استحضر المخرج كذلك جوانب كثيرة من التراث الياباني في ما يتعلق بقيم المساواة وطريقة توزيع الطعام وأسلوب الجلوس إلى مائدة الطعام والتراتبية الاجتماعية داخل الأسرة، كما ظهرت لنا تماثيل متباينة الأشكال في إشارة إلى المعتقدات الدينية المتنوعة وكذلك مناسباتهم وطقوسهم، دون أن ننسى طريقة اللباس عند الأطفال ذكورا وإناثا.
بالنسبة للعالم الخارجي فقد استغل المخرج خروج الطفل الصغير من المنزل بحثا عن فتاة صغيرة تظهر له وحده لينقلنا إلى عالم الحلم الذي تم تجسيده في سفح شجرة الخوخ، وقد احتفى المخرج بالتراث الياباني في معناه العام بما في ذلك الطبيعي والبشري. برز الاحتفاء بالتراث الطبيعي بأسلوب تنديدي بالأخطار التي تهدد التنوع البيئي بسبب زحف التلوث الصناعي والتوسع العمراني، وإذا كان المخرج قد أخرج فيلمه سنة 1990 أي في الوقت الذي سقط فيه الاتحاد السوفياتي وصعود الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي يكون قد تنبأ بأخطار العولمة في جميع مظاهرها. نجح المخرج كيرساوا في الاحتفاء بالتراث الطبيعي من خلال استحضار شجرة الخوخ بدلالاتها و جمالية ورودها وثمارها. لم يفت المخرج تناول التراث البشري بمختلف تلاوينه كالرقصات والموسيقى والأزياء وذلك للتعبير عن المقاومة الثقافية، وقد كانت الثقافة ركيزة أساسية في النهضة اليابانية منذ عصر الميجي.
حضرت الرقصات اليابانية الأصيلة في فيلم حقل الخوخ كتعويض للطفل الذي بكى تدمير الطبيعة وهو ما كثفته لقطة جذوع شجرة الخوخ المقطوعة في ما يشبه مجزرة بيئية ، بالإضافة إلى الرقص، حضر اللباس التقليدي في ألوان متنوعة تحيل على تمجيد الاختلاف ونبذ التنميط . وفي إطار الاحتفاء بالتراث دائما حضرت الآلات الموسيقية العتيقة بإيقاعات انشرح لها قلب الطفل الصغير وتحولت دموعه إلى ابتسامة في إشارة لمستقبل أحسن تجسد في ظهور الفتاة التي لم تكن سوى شجرة الخوخ التي بدأت تحيى في لقطة أخرى في حقل الخوخ، للإشارة فقد حمل الطفل مسؤولية تدمير الطبيعة للمسؤولين السياسيين الذين تجسدوا في الصف العلوي بأوامرهم واكسسوارتهم.
خلاصة القول فقد استطاع المخرج تمرير رسائل قوية بعضها مشفر والبعض مباشر بأبعاد إنسانية تنتصر للتنوع والاختلاف واحترام الخصوصيات والحفاظ على البيئة التي ترمز في النهاية للوطن والأرض التي تحتضننا جميعا رغم اختلاف معتقداتنا وألسنتنا وثقافاتنا.

*مقال شارك في مسابقة المقال النقدي بمهرجان تاصميت للسينما والنقد ببني ملال في دورته الثانية
محمد زروال  (08-06-2015)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

نور في آخر نفق السينما المغربية
هنالك نسبة كبيرة من الحقيقة في الخطاب الذي يرى أن السينما المغربية حاليا قد تراجعت نسبيا من حيث الجودة الفنية وأن أغلب الأفلام المنتجة حديثا أصبحت تحمل طابعا تلفزيونيا بحيث أصبح المهرجان الوطني للفيلم وكأنه مهرجان للأفلام التلفزيونية حيث تنتفي اللمسة الفنية والرؤية الفكرية للمخرج، لنجد أنفسنا أمام "أفلام" مسطحة لاطعم لها ولالون، ولا هي تنتمي لنوع من السينما التجارية التي تحترم نفسها وجمهورها ولا هي بسينما المؤلف حيث تحضر شخصية المخرج ورؤيته، وكأننا بهم كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة فلاهو احتفظ بمشيته ولا هو استطاع اكتساب مشيتها. لكن رغم كل شيء فإن نورا خافتا يلوح في نهاية النفق المظلم يجعلنا نتشبث بتفاؤل مشروع حول مستقبل السينما المغربية يجعلنا نُرجِّح أن مثل هذه المرحلة ضرورية لكي يتم فرز الغث من السمين ولكي نمر لمرحلة أكثر وضوحا وشفافية يأخذ كل واحد فيها مكانه الحقيقي والطبيعي بدون ادعاء مبالغ فيه ولاكلام زائد من أفواه بعض المخرجين يبدو متساميا عما نراه في أفلامهم من ضعف كبير جدا، ولا كذب على عامة الناس بأن الفيلم فاز بعدة جوائز فيحين أن المهرجانات التي "فاز" فيها ذلك الفيلم لاترقى لتكون حتى مهرجانات للأحياء. وبالنسبة لنا يظل النور الذي تحدثنا عنه متجليا في ثلة من الأسماء الشابة التي لم تخطئ الموعد وظلت محافظة على مستوى جيد أو مقبول على العموم في أغلب الأفلام التي أخرجتها، أسماء كحكيم بلعباس، فوزي بنسعيدي، هشام العسري، داوود أولاد السيد، محمد مفتكر، ليلى الكيلاني، نور الدين لخماري، نبيل عيوش، محمد الشريف الطريبق،عبد الإله الجوهري، عبد السلام الكلاعي، كمال كمال، وغيرهم من الشباب قادمون بقوة للمشهد السينمائي المغربي. ونظن أن الدورة القادمة للمهرجان الوطني للفيلم ستكون أفضل من الناحية الفنية بالنسبة للأفلام المشاركة بحكم أن بعضا من هذه الأسماء التي ذكرناها ستكون حاضرة بأفلامها التي ستشكل حتما الفرق وتكون متميزة ومختلفة عكس الدورة السابقة لنفس المهرجان.



حميد باسكيط، يقظة الحس و الإبداع
بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، و بالنظر للحركي...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION