الصفحة الرئيسية   إتصل بنا
 >>  السينما العالمية    
ليفياتان عن الوحش و الإنسان



     جاء ذكر كلمة "ليفياتان"  في العهد القديم في سفر النبي أيوب، وهي كلمة عبرية تعني الوحش البحري و هي كلمة تقترن عادة  بالشيطان.
     أتناء تصوير أندري زفياغنتسف  لفيلمه القصير " أبوكريفا" في نيويورك، حكت له مترجمته و مساعدته قصة اللحام مارفن هييمر و هو أمريكي اغتصبت أرضه و لما لم يجد آذانا صاغية قرر صنع جرافة مصفحة وقام بهدم عدة بنايات إدارية في المدينة احتجاجا على السلطة و البيروقراطية. و أثناء كتابته للسيناريو عثر زفياغنتسف  على قصة  " ميخايل كولخاس"  للكاتب و المسرحي  الألماني هينريخ فون كلايست نشرها سنة 1810 وتحكي عن صراع تاجر خيول مع السلطة. شكلت هاتين القصتين الهيكل الذي بني عليه سيناريو فيلم "ليفياتان"، كما تمت الاستعانة بقصة النبي أيوب عليه السلام كما جاء ذكرها في الإنجيل. فهم زفياغنتسف  أثناء تفكيره في مشروع فيلمه أن صراع الإنسان و السلطة صراع أبدي و تاريخي لا يرتبط بحدود جغرافية.
    يعتبر فيلم ليفياتان رابع فيلم طويل ينجزه أندري زفياغنتسف بعد " العودة " سنة 2003 و" النفي" سنة 2007 و " إيلينا" سنة 2011.  . يعتبر أندري زفياغنتسف كأحد المخرجين الواعدين في السينما الروسية الحديثة،  درس التمثيل المسرحي و اشتغل في بداياته بمجال الإشهار إلى أن أتيحت له سنة 2000 فرصة تصوير فيلم  تلفزيوني "الغرفة السوداء"  مدته 25 دقيقة.
   لم يخطر ببال الحكومة الروسية و هي تمنح دعمها السخي لأندري زفياغنتسف عبر وزارة الثقافة الروسية أنه سيخرج فيلما بهذا الشكل. حتى أن هناك اليوم من يطالب زفياغنتسف بإعادة الأموال إلى الدولة. اعتبر بعض النقاد النجاح الذي حققه و يحققه فيلم " ليفياتان" بمثابة محاباة من الغرب لفيلم لا يمثل الواقع الروسي، بقدر ما يمثل روسيا كمل يريد الغرب أن يصورها للعالم، كبلد غير ديمقراطي مليء بشتى أساليب الظلم و الاستبداد و الاضطهاد و البيروقراطية، قال أحدهم أن الدببة هي فقط ما ينقص الفيلم لكي تكون الصورة النمطية التي يصور بها الغرب روسيا مكتملة....
   يحكي الفيلم قصة العامل البسيط نيكولاي المقيم في بيت على بحر الشمال، بيت  بناه أبوه على أرض اشتراها و أقام عليها نيكولاي فيما بعد ورشة ميكانيكية لإصلاح السيارات، يعيش نيكولاي و ابنه رومكا من زوجته المتوفية و زوجته الثانية ليليا. حياة لا تعكرها إلا مناوشات عادية بين الابن و زوجة أبيه. ذات يوم ستقرر السلطات في شخص عمدة المدينة مصادرة الأرض التي يقيم عليها نيكولاي بيته، يقرر نيكولاي مقاضاة السلطات مستعينا بصديقه من أيام الجندية دميتري و هو محامي من موسكو.. نقطة بداية صراع البطل و السلطة. يصور زفياغنتسف السلطة في فيلمه كوحش( ليفياتان) يستعين بنصائح رجال الدين لكسر ظهور الناس و سلبهم أرضهم و  قوتهم اليومي، سلبهم كل شيء. سلطة تعتبر الناس مجرد حشرات،فعمدة المدينة حينما يزور بيت نيكولاي في حالة سكر طافح يصفهم بالحشرات و يقول لهم أن "على الحشرات أن تعرف وجه ممثل السلطة"
  اختار زفياغنتسف تصوير القاضية و هي تتلو الحكم النهائي  لمصادرة أرض نيكولاي و بيته بطريقة جعلت  القاضية كآلة مبرمجة، فهي تتلو نص الحكم بطريقة آلية ولا تنظر إلى وجوه المحكوم عليهم، الدولة تأخذ ما تريد. نفس الطريقة سيتم استخدامها في تصوير رجال الدين في استشهادهم بنصوص الدين و استخدامها في تحقيق مآربهم باسم أعلى سلطة في الكون ( سلطة الإله)، القس الأكبر طوال الفيلم يردد " كل سلطة من الرب"...
و كما يقال فالمشاكل تأتي تباعا، أثناء رحلة استجمام بمناسبة عيد ميلاد عقيد شرطة المرور، يكتشف نيكولاي علاقة زوجته الجنسية بصديقه المحامي، يغفر لها، نيكولاي إنسان فاشل حتى في علاقاته الإنسانية، هو إنسان سلبي مع محيطه، في عالم قاسي لا رحمة فيه حتى بين أقرب الناس إليه، فأصدقاءه الأقربون هم من سيوجهون له الضربة التي ستقسم ظهره.
لا تختلف شخصية دميتري المحامي كثيرا عن شخصية نيكولاي، وعده لصديقه نيكولاي بتركيع العمدة عبر قرائن يملكها تدين رجل السلطة ستبوء بالفشل بعد أول علقة يتلقاها من العمدة و زبانيته، إذ يلوذ بالفرار عائدا إلى موسكو. يرى  بعض النقاد الروس أن شخصيتي نيكولاي و دميتري وجهان لعملة واحدة، شخصيتان سلبيتان، و يرون أن مسارهما كان سيكون على نفس المنوال حتى ولو اقتلعنا من  الفيلم شخصية العمدة و مشكلة  مصادرة الأرض، السلبية في التعامل مع الآخرين و مع الحياة لا تتعلق بمركز الإنسان أو شهاداته العلمية أو مهنته.
 أحد كبار النقاد السينمائيين  الروس  و هو دميتري بيكوف يرى أن بناء الفيلم مليء بالهفوات على مستوى السيناريو، يرد عليه زفياغنتسف مستغربا و دون أن يعلل رده قائلا " بيكوف ربما يتحدث عن فيلم آخر"، أرى أن ملاحظات بيكوف لم تكن في محلها و ليست قوية، غموض بعض لحظات الفيلم تزيده قوة، تترك  أثرا في المتفرج أقوى من لو أنها اتخذت مسارا آخرأو كانت واضحة،   لحظات تجعل المتفرج يفكر، وفاة الزوجة الغامضة، مغادرتها البيت و وقوفها على حافة المرتفع المطل على البحر ورؤيتها لملامح وحش بحري هائل يتقلب مع أمواج البحر و كأنه يناديها تحمل أكثر من معنى....
من أكثر مشاهد الفيلم  تعبيرا و قوة من حيث الحوار، مشهد لقاء نيكولاي  بعد شراءه للفودكا بقس، يسأله " أين ربك؟"، يخبره القس أنه كان على نيكولاي أن يكون أكثر قربا من الرب، أن يزور الكنيسة و أن يصلي و أن يحضر القداس...كان جواب نيكولاي " هل سيعيد لي الرب أرضي و يحيي زوجتي إذا فعلت ذلك؟"، يحيلنا هذا الحوار على قوة القدر و قسوته، القدر الحوت. لقد تمت مصادرة  أرض نيكولاي ليس لأغراض دنيوية، العمدة لم يصادرها لمشاريعه الخاصة. اتحاد الدين و  السلطة الدنيوية..تم بناء كنيسة مكان بيت نيكولاي.
    " فيلم عن الإنسان، عن الإنسان، عن الإنسان و اصطدامه بالمنظومة، مهما كانت لغته و مهما كان المكان الذي يعيش فيه. هذا كل ما في الأمر. فيلمي فقط  ملون  بتلك الصبغة التي تحيلنا على أن الفيلم مصور في روسيا"
                                               من حوار أجري مع أندري زفياغنتسف.
 لعل من أهم أسباب النجاح الباهر لفيلم " ليفياتان" و حيازته على عدد مهم من الجوائز العالمية، موضوعه و قصته الإنسانيتين. قصة قد تحدث في أي بلد (حتى ولو كان البلد ديمقراطيا، في نهاية المطاف تمت مصادرة أرض نيكولاي بالقانون)، و تحت راية أي دين. المشاكل الكونية للإنسان واحدة و الإنسان  واحد  مهما اختلف لونه، دولته، لغته، انتماءه..بل ومهما كان مركز الإنسان أو تعليمه  أو شهادته. القدر  السماوي لا يستثني أحدا. السلطة و المنظومة كذلك. اتحاد السلطة و الدين و استمداد كل منهما قوته من الآخر يولدان وحشا كاسرا. و الصبر لا ينفع، لقد صبر أيوب ( عليه السلام) و جازته السماء على صبره بأن جعلته أكثر ثراء و أكبر مركزا. مرحبا بكم على الأرض، هنا الأمر يختلف. فلا مكان للحكايات و الخرافة.
في طفولته، كان زفياغنتسف يعتقد أن الفيلم يصور دفعة واحدة، لم تكن لديه أدنى فكرة عن شيء اسمه "المونتاج". و حتى حينما كبر و أصبح مخرجا معروفا و بارزا فإنه يعترف أن معلوماته التقنية عن السينما ليست كثيرة، فهو لم يدرس الإخراج دراسة أكاديمية، باستثناء حصوله على شهادتين في التمثيل المسرحي. مع ذلك يعتبر إلى جانب بافل لونغين، ألكسي أوتشيتل، ألكسندر ساكوروف، نيكيتا ميخالكوف (وهو حالة خاصة، لأسباب سياسية و مادية) و آخرون، كأحد أبرز المخرجين و من بين أكثرهم موهبة و إبداعا في السينما الروسية الحديثة. زفياغنتسف  إنسان بسيط و صادق، يطرح في أفلامه الواقع و الحياة كما يراها و كما يحسها هو، دون تزوير أو تزييف أو تجميل. زفياغنتسف لا يختلف عن مصور كل أفلامه ميخائيل كريشمان، فهو الآخر لم يدرس السينما أكاديميا، بل علم نفسه بنفسه عبر القراءة  و الاشتراك في المجلات المتخصصة، و جوائزه لا تقل أهمية عن جوائز أعتى المصورين العالميين قيمة و عددا.
أفلام زفياغنتسف غير معقدة تقنيا أو فنيا. لا "شقلبة" للكاميرا و لا زوايا عوجاء. تعتمد أفلامه عموما على كاميرا ثابتة و لقطات من مختلف الأحجام، و الكاميرا و إن تحركت فهي تتحرك ببطء شديد إلى الأمام أو إلى الخلف، تقترب من الموضوع لتركز على تفصيلة ما، أو تبتعد بسلاسة لتكشف تفصيلة أخرى. التقنيات السينمائية في خدمة المخرج، تساعده فقط على التعبير عن أفكاره.  يهتم زفياغنتسف كثيرا بجمالية الأمكنة و الطبيعة و يخصص لهما حيزا مهما في أعماله، فهما يبرزان بشكل أخاذ و كأنه يحاول بذلك خلق توازن بين الجمال و القبح في أفلامه. الإنارة  و الألوان عادة يتم العمل عليها بعناية فائقة حتى يتم وضع المتفرج في جو يولد فيه هذا الإحساس أو ذاك. نرى كل ذلك في فيلم "ليفياتان". فيلم  يبدو رغم قبح و سلبية بعض شخصياته كأفلام الزمن الجميل، تلك الأفلام التي لا تترك المتفرج غير مبال بما يشاهد. كما أن سيناريو الفيلم ذو وحدة في الزمن، المكان و الأحداث. تماما كما في السينما التقليدية. ليس هناك خلل زمني بين اللقطات، و المونتاج عبر عملية لصق اللقطات يعبر عن استمرارية الحدث و لا شيء آخر.
جوابا على سؤال لأحد طلبة معهد السينما حول أهم شيء في السينما، أجاب زفياغنتسف: " الصدق هو أهم شيء، ما يخرج من القلب يذهب إلى القلب، ما يخرج من الفم فقط يذهب أدراج الرياح"
ختاما
يجلس نيكولاي في مكتب المحقق، يتلو عليه المحقق أدلة إدانته في مقتل زوجته، ينظر نيكولاي إلى المحقق، لا ينبس ببنت شفه، ثم يجهش بالبكاء... ما أصغر الإنسان أمام "لفياتان" القدر.

محمد الميسي  (23-02-2015)     






تعليقات:

أضف تعليقك :
*الإسم :
*البلد :
*البريد الإلكتروني :
*تعليق
:
 
 
 

 

السينما المغربية : بوادر مشروع طموح في الأفق
ها نحن نجدد الموعد مع السينفيليين المغاربة والعرب بإصدارنا للعدد الأول من مجلة "سينفيليا"، و ذلك بعد انقضاء أكثر من أربعة أشهر على انطلاق موقع "سينفيليا" الذي استطاع بشهادة السينفيليين المغاربة أن يجد له مكانة خلال هذه المدة القصيرة ضمن مكونات الإعلام المغربي المهتم بالصورة والسينما، والذي مازال ضعيفا ولا يواكب النقلة التي تعرفها السينما المغربية على الخصوص. وهذا ليس راجعا لنقص في الكفاءات الإعلامية والنقدية المغربية بقدر ما هو راجع لعدم اهتمام الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارتا الإتصال والثقافة به، بل محاولة تهميشه لكونه يخلق "مشاكل" لهذه الجهات هي في غنى عنها. ومسايرة من مجلة "سينفيليا" لأهم التظاهرات والأحداث السينمائية المغربية ، خصصنا في هذا العدد الأول ملفا شاملا، من إثنين وعشرين صفحة، للدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي تعتبر بدون منازع أهم حدث سينمائي مغربي خلال السنة، كونها عبارة عن تيرمومتر يمكن من خلاله قياس درجة جودة و تطورالسينما المغربية كما وكيفا. وقد حاولنا بدورنا قدر المستطاع أن نجعل هذا الملف مقياسا يمكن من خلاله للقارئ المختص والعادي أن يأخذ نظرة بانورامية عن حالة السينما المغربية هنا والآن. لكن لا يمكننا في هذا التقديم أن نمر مرور الكرام دون أن نشير إلى أمور مستجدة على الساحة السينمائية المغربية دون ذكرها...



أحمد سجلماسي المؤرخ السينمائي.
من أجل البحث في تاريخ السينما المغربية، و تاريخ الأفلا...



متابعات سينمائية  |  السينما المغربية  |  السينما العربية  |  السينما العالمية  |  إصدارات سينمائية  |  نقد  |  دراما و تلفزيون  |  حوارات  |  أعمدة  |  إفتتاحية  |  مهرجانات سينمائية | مرئيات| معرض الوسوم


جميع الحقوق محفوظة -سينيفيليا © 2012  
Conception: LINAM SOLUTION